الصورة الشعرية: الدرامية في قصيدة الحداثة العربية / أحمد محمد الصغير

 

مقال نشر بالعدد الرابع من مجلة جيل الدراسات الأدبية والفكرية ص  37، من إعداد الدكتور  أحمد محمد الصغير، أستاذ مساعد الأدب العربي الحديث – كلية العلوم الإسلامية ــ جامعة أرتفين ــ تركيا . Artvin Çoruh Üniversitesi ilahıyat fakültesi  -  

 للاطلاع على كل العدد يرجى الضغط على غلاف المجلة: 

 JiL Literary 3

 

ملخصالبحث :

          اهتم الباحثون في النقد الأدبي بالصورة الشعرية ، وأنواعها وحركاتها  داخل النص الشعري ، لما لها من دور في عملية بناء النص الشعري وتأويلاته ؛فهي إحدى البنيات الإبداعية والطاقات الجمالية في عملية الخلق الشعري، وهي روح الشعر، وأنفاسه المتلاحقة التي يبوح بها الشاعر من خلال النص المعنىِّ به. وتعد الصورة الشعرية من أصعب مفاتيح النص الشعري ، نظراً  لاختلافها، وخصوصيتها عند شاعر وآخر ؛ فكل شاعر له صوره التي يبتكرها، ويتميز بها عن الآخرين. ويرتبط أسلوب الشاعر ارتباطاً وثيقاً بمدى قدرته على الابتكار والتجديد في لغته الشعرية وصوره أيضا.  وقد جاء هذا البحث في مجموعة من النقاط المحددة  أولها  مفهوم الصورة الشعرية بعامة ، الصورة الدرامية ، الصورة السينمائية ، التقطيع والمونتاج .

الكلماتالمفتاحية :

 1ــ   مفهوم الصورة الشعرية بعامة ،  2 ـــ الصورة الشعرية والحداثة :

3 ــــــــــ  الصورة الدرامية ، 4 ــ الصورة السينمائية ، 5 ـــ التقطيع والمونتاج .

 

 

  • ·          مفهومالصورةالشعرية :

              تعددت المفاهيم حول الصورة الشعرية (1) ؛فهي إحدى البنيات الإبداعية والطاقات الجمالية في عملية الخلق الشعري، وهي روح الشعر، وأنفاسه المتلاحقة التي يبوح بها الشاعر من خلال النص المعنىِّ به. وتعد الصورة الشعرية من أصعب مفاتيح النص الشعري ، نظراً  لاختلافها، وخصوصيتها عند شاعر وآخر ؛ فكل شاعر له صوره التي يبتكرها، ويتميز بها عن الآخرين. ويرتبط أسلوب الشاعر ارتباطاً وثيقاً بمدى قدرته على الابتكار والتجديد في لغته الشعرية وصوره أيضا؛ فالصورة الشعرية ” هي رسم قوامة الكلمات المشحونة بالإحساس والعاطفة “(2).وما دامت الصورة ركناً أساسياً في النص الشعري فهي أيضا ” الصوغ اللساني المخصوص الذي بوساطته يجري تمثل المعاني تمثلاً جديداً مبكراً بما يحيلها إلى صور مرئية معبرة ، وذلك الصوغ المتميز والمنفرد هو في حقيقة الأمر عدول عن صيغ إحالية من القول إلى صيغ إيحائية ، تأخذ ماديتها التعبيرية في تضاعيف الخطاب الأدبي(3)” .

         وتعد الصورة الشعرية صورة الشاعر ذاته ؛ فهو يطرح هذه الذات من خلال نصوصه فتنبثق الذات من خلال الصورة ، وتنبثق الصورة من خلال الذات الشاعرة. فالصورة هي الملمح الأسلوبي الذي يتميز به شاعر عن آخر. والصورة وسيلة الشاعر للتجريب والتجديد ،فقد يُحدِث الشاعر صدمة ودهشة للمتلقي في آن واحد من خلال صوره المبدعة. فالصورة هي أول ما يلفت عين القارئ وأذن المتـلقي ، بخاصة حين تكون الصـورة جديـدة في تناولها،مبتكرة ، غير متداولة، أو بمعنى آخر أنها ( صـورة بكر ) ؛” فالشاعر الحاذق هو الذي يستطيع أن يحقق في نصه بكارة التصوير وبكارة الدلالة ؛ فالصورة هي وسيلة الشاعر للتجديد الشعري والتفرد، ويقاس بها نجاحه في إقامة العلاقة المتفردة التي تتجاوز المألوف بتقديم غير المعروف من الصلات والترابطات التي تضيف إلى التجربة الإنسانية المطلقة وعياً جديداً ”  (4).

 وتعد الصورة وسيلة حتمية لمعرفة الأجواء النفسية التي يكون عليها الشاعر؛ ” فالصورة هي الوسيط الأساسي الذي يستكشف به الشاعر تجربته ويتفهمها كي يمنحها المعنى والنظام، وليس ثمة ثنائية بين معنى وصورة أو مجاز وحقيقة أو رغبة في إقناع منطقي أو إمتاع شكلي؛ فالشاعر الأصيل يتوسل بالصورة ليعبر بها عن حالات لا يمكن له أن يتفهمها و يجسدها بدون الصورة “ (5)  ، ويحدد جابر عصفور مفهوم الصورة في قوله : ” إن الصورة الفنية مصطلح حديث ، صيغ تحت وطأة التأثر بمصطلحات النقد الغربي ….وقد لانجد المصطلح بهذه الصياغة الحديثة في التراث البلاغي والنقدي عند العرب، ولكن المشاكل والقضايا التي يثيرها المصطلح الحديث موجودة في التراث ، وإن اختلفت طريقة العرض والتناول”(6).إذن فالصورة الشعرية لم تختلف في وقتنا الحاضر عن الماضي بقدر ما اختلفت في طريقة العرض والتناول؛ فهي وسيلة من وسائل التعبير الفني ، التي يصور الشاعر من خلالها تجاربه وعلاقته بالواقع الذي يعيش فيه .  ويشير عبد القادر القط إلى أن ” الصورة في الشعر هي الشكل الفني الذي تتخذه الألفاظ والعبارات بعد أن ينظمها الشاعر في سياق بياني خاص ليعبر عن جانب من جوانب التجربة الشعرية الكاملة في القصيدة  مستخدماً طاقات اللغة وإمكاناتها في الدلالة والتركيب والإيقاع ، والحقيقة والمجاز ، والترادف والتضاد، والمقابلة والتجانس وغيرها من وسائل التعبير الفني ، أو يرسم بها صوره الشعرية ؛ لذلك يتصل الحديث عن الصورة بناء العبارة “(7).

   فالصورة الشعرية تعتمد إذن اعتماداً كلياً على التجربة الشعرية الكاملة ؛ فهي نتاج تشكيل لبنات النص الشعري من اللغة ، والإيقاع ( الوزن + القافية )  والتركيب والأفكار ، وهذه الوسائل كلها تتآزر فيما بينها مكونة جسد النص الشعري.

 فالصورة الشعرية تغذى خيالات القارئ / المتلقي أثناء الفعل القرائي / التلقي ؛ فتجعل القارئ / المتلقي مشاركاً فعلياً في عملية إبداع النص .ويقول صلاح فضل : ” إذا كان مصطلح الصورة يشير إلى ما يتصل بعمل أيه حاسة بشرية سواء كانت صوراً بصرية أوسمعيه أو لمسية أو شمسية أو ذوقية ، فإن ردود فعل هذه الصور عند القارئ تحرك طبقات إرادية فيه  هي المتصلة بخيالاته ، باستخدام معلومات ترجع إلى الذاكرة وتثير تصوراته الحسية “(8). والصورة هي انعكاس الذات على نفسها ورصد ملامح تطورها وتحولها  فهي ” المرآة التي لا تعكس الخصوصية والوجه الإبداعي فحسب ، بل إنها تحمل سمات المرحلة الشعرية التي يعد الشاعر جزءاً منها”(9).

  فالصورة الشعرية هي التي يتبدى من خلالها جوهر النص الشعري الحقيقي ، وتسجل التجربة / الحالة التي يقاسيها الشاعر ويعاني من خلالها لهيب التجربة ، فتجئ صورة ملتهبة مدهشة في آن .” فالصورة مظهر من مظاهر خصوصية الشاعر الفنية وهي التي تحدد مدى قدرته على الابتكار والخلق، وهي عنصر التميز الفني وسط السياق ، كما أنها وسيلته وغايته في تكوين تجربته النصية “(10)  فقد كانت الصورة الشعرية الهاجس الأكبر الذي انشغل به الشاعرالحداثي، فانشغل بالابتكار والابتداع في خلق صور جديدة طبع عليها بصمته الفنية وكانت جزءاً من أسلوبه الذي امتاز بالتجاوز ورفض الاجترار الزائف عن السابقين ، فجـاءت صـوره صادمة للمجتمع ، لأنها كادت أن تنُبْئ عن حقيـقة مّا يخشاها المجتمع ” فالمظهر العام لخيال المتفنن هو ذاك الإلهام الذي يعتبر نضجاً مفاجئاً غير متوقع لكل ما قام به الشاعر من قراءات ومشاهدات ، وتأملات ، أو معاناة من تحصيل وتفكر”(11).

  • ·          الصورةالشعريةوالحداثة :

    من الملاحظ أن الصورة الشعرية عند شعراء الحداثة  هي الصورة المثيرة ،التي تعمل على إثارة الدهشة والتصادم والمفاجأة والبكارة التركيبية. وهذا ما أكده محمد حمود بقوله : ” إن  الصورة الشعرية هي التي تؤسس الدهشة والمفاجأة والحلم داخل العمل الشعري ؛  فالصورة إذن هي المدخل إلى مناخ الشعر والتكثيف، لذلك لجأ الشعراء الحداثيون إلى التتابع الصوري؛ فالصورة هي الوحدة الصغيرة التي يتوقف عندها العمل الشعري في تتابعيته ، إنها بهذا المعنى نقطة مركزية استطاعت الحركة الشعرية المعاصرة إدخالها بصيغتها الحديثة في بنيه القصيدة “(12). فالصورة تمثل البنية المركزية بوصفها الجوهر الحقيقي لتميز الشعر عن النثر بعد الوزن  (التفعيلة ) .

   وقد جنح شعراء الحداثة إلى التجريب الفني على مستوى اللغة ، والصورة ، والبنية التركيبية  والإفرادية  للنص الشعري “؛ فالصورة هي جوهر النص الشعري ، فإن تشكيل الصورة هو ميدان إبراز موهبة الشاعر ومقدرته الفنية ،وذلك أن الصورة هي قبل كل شيء تشكيل مكاني، والمكان بذاته جمود وسكون وتلاشٍ ومقدرة الشاعر الفنية تبرز في الخلق الصوري، أي في بث الحركة والحياة في المكان في جعله مكاناً زمانياً”(13).

    إن بحث الشاعر الحداثي المستمر وراء الصورة الشعرية الجديدة يتسم بالجدية والطزاجة، كما أنه يعبر من خلالها عن آرائه وأفكاره وخيالاته ؛ لذلك تجاوز الصور التقليدية المحفوظة التي يمتلكها شعراء آخرون سابقون عليه .

          فالصورة الشعرية هي الحلم الذي يرنو الشاعر دائماً إليه محاولاً تحقيقه أو البحث عنه في أغوار  نصه الشعري ؛ فقد يلجأ الشاعر للصورة الجديدة ، لبناء النص الشعري ، فالنص الشعري الحداثي مفعم بالصور الشعرية التي تتفتق حسبما تكون الحالة / التجربة التي يمر بها الشاعر . وقد تجاوزت الصورة الشعرية  لدى شعراء الحداثة كل ما هو تقليدي ، قد تم إنجازه ؛ لأن الشاعر الحداثي يبحث عن الأشـياء التي لم تنجز بعد؛ ” فقد تجاوزت الصورة المفاهيم التقليدية ، وصنعت مناخاً استعارياً شديد العصف بالمنطق القديم وطرحت التراكيب اللغوية الجديدة الكثيفة المدهشة تعدداً في المعاني المطروحة ، يجعل من الصعب أن تعرف أي طرفي الصورة هو الذي استعار من الآخر بسبب التفاعل العميق الذي يطرح حاسة مجازية مختلفة  “(14).

  ومما لاشك فيه  أن  الصورة في ذاتها ، هي الفضاء الذي يتحرك من خلاله الشاعر فهي ” ليست حلى زائفة ، بل إنها جوهر فن الشعر ، فهي التي تحرر الطاقة الشعرية الكامنة في العالم والتي يحتفظ بها النثر أسيرة لديه  وهذا ما انتبه إليه فاليرى إن الزحافات والعلل من جانب الاستعارات والمجاز والصور هي خصائص الشعر الجوهري وليس المضمون هو سبب الشكل الشعري بل هو نتيجة من نتائجه”(15).

    ” وقد انفتحت قصيدة الحداثة  على الصورة الشعرية ، وعلى فضائها بحيث أنتجت عالماً رحباً من الصور الشعرية التي تنطلق منها وتدور في فضاءات متعددة ، تبدأ من الهاجس الصغير الكامن فى الذات إلى التأمل الكوني المطلق ، وتتخذ السمت التجريبي الذي يؤالف بين موجودات متناكرة ، ويعطي صوراً صادمة لذوق المتلقي والثقافة الجمالية التي خبرها”(16).

     ” وارتبطت الصورة الشعرية دائما بموقف من الحياة ، ودلت على خبرة الشاعر ونظراته الدقيقة إلى الأمور  وبذلك أصبحت الصورة تنقل مشهداً حياً ، كما تلخص خبرة وتجربة إنسانية وهي وإن ظلت حسية ، فلأن الصورة دائماً لا مفر من أن تستخدم العناصر الحسية ، ومازالت تختلف في معنى الحسية عن الصورة القديمة “(17).

    ” مما يميز الصور التي يفتقها الخيال المبدع، ما تنطوي عليه من لا نهائية وانقسام، أما اللانهائية فلأن الخيال يبدع صوره ويشكلها من المدرك الحسي ، ومعلوم أن المدرك لا يكون بهذه الصفة إلا من قبل ذات تدرك . وتعنى هذه المقولة – فينومينولوجيا – أن الموضوع المدرك محصلة لا متناهية لسلسلة من إدراكات غير محددة ، يعد الموضوع حاضراً فى كل منهما ، ولا واحد من هذه الإدراكات يستنفده بحال ، وإذا كان المدرك لا يستـنفد ، فحرى بالصور التي تستند للمدركات ألا تتناهى أو تستنفد ، ولكن تظل هناك دائماً فيما هو ليس بعد الصورة التي لم يبدعها خيال” (18).

 

الصورةالدرامية:

        تبدو الصورة الدرامية في قصيدة الحداثة العربية متنوعة ، ما بين الصورة المركبة ،والصورة الذاتية / الإنسانية التي ترتبط بوجع الإنسانية بصفة عامة ،معبرة عن آلامها وتمزقاتها وأمكنتها وأزمنتها من خلال الحركة المتنقلة والمتغيرة التي ترتكز عليها الصورة الدرامية داخل النص الشعري ،وتعتمد الصورة الدرامية بشكل عام علي شعرية المشهد الدرامي الذي ينسجه الشاعر، هذا المشهد الدرامي الذي يتخلق من مجموعة من الصور الإنسانية الخالصة ، ملتحمة بروح الإنسان وبطبيعة حياته ، ومن الطبيعي أيضا أن يرتدي الشاعر قناعات تصويرية داخل النص ، بوصفها أجسادا تتحرك داخل الصورة الدرامية التي تعزف عن استخدام المجازات والأخيلة بل ترصد الواقع الإنساني كما هو رصدا شعريا دقيقا . لحال الإنسان الذي يطرح تجربته الدرامية في الحياة على الفضاء الورقي/ الصفحات البيضاء ، لأننا نظن أن الصورة الدرامية تختلف تمام الاختلاف عن الصورة الشعرية المُغَلَّفَةِ التي تعتمد على المجاز بشكل كبير من حيث الأخيلة والاستعارات والتشبيهات ، غيرها ، ومن ثم ، فإن الصورة الدرامية تنفي كل هذا ، وتصبح هي الصورة المجسدة لكيان وصراع الإنسان في الحياة بشكل عام . وقد اتكأ الشاعر الدرامي / الحداثي في بناء صوره الدرامية على معطيات تراثية كثيرة من بينها الأسطورة والرمز ، وتتجلى الصور الدرامية الممتزجة بالأسطورة التراثية (الملك أُدِيب) في شعر أمل دنقل فيقول :

“أوديب” عاد باحثا  عن الذين  ألقياه للردى

نحن اللذان  ألقياه للردى

وهذه المرة  لن  نضيعه

ولن نتركه يتوه

نادِيه

قولي  إنك أمه  التي ضنت عليه بالدفء وبالبسمة والحليب .

قولي  له  إني أبوه

( هل يقتلني ؟) أنا أبوه

ما عاد  عارا نتقيه

العار:  أن نموت  دون

ضمة  من طفلنا  الحبيب

من طفلنا  ” أوديب “(19).

           يطرح النص السابق مأساة أوديب ذلك الولد الذي تزوج أمه وقتل أباه دون أن يدري فيشعر الحزن والمأساة فيقوم بالانتقام من نفسه ففقع عيناه وشنقت الأم نفسها كما تقول الأسطورة ، ومن ثم جاء الإسقاط الرمزي جليا في نص أمل دنقل علي المجتمع الذي أنكر أبناءه وعاملهم معاملة الملك لابنه أوديب ،فكان من الأبناء إلا التمرد علي هذا المجتمع والتنديد بالظلم الذي لحق بهم ، ومن ثمَّ فإن العار الذي لحق بأوديب لم يكن له يدا فيه بل وقع عليه جراء اللعنة التي تنبأ بها أحد الدجالين ، وعليه استلهم أمل دنقل هذا العار الذي التصق بالمجتمع وأصبح واقعا علي أبنائه من جراء الظلم والجهل .يبدو المشهد الدرامي متسعا يحمل الكثير من الصور الذاتية التي تتشابك بحياة الشاعر نفسه من خلال العار الذي لحق بالذات ، ولكن يسأل عن ماهية هذا العار هل هذا الطفل هو الظلم الواقع علينا ؟ ومن الصور الدرامية التي اعتمدت على المفارقة الطويلة في قول الشاعر محمد عفيفي مطر :

” عند باب الخان أرْخيت اللجام

وتركت السرج ، ألقيتُ عن الوجه اللثام “(20).

      يرتكز الشاعر عفيفي مطر في بداية المشهد على الصورة الدرامية من خلال حركة الكاميرا ، محددا المكان ، والهيئة التي عليها البطل داخل النص الشعري ، وبدأ الفارسُ في المسير ، والفارس هنا الشخصية التي تقوم عليها الصورة الدرامية .فتتلاحق المشاهد لرصد الحركة الدرامية داخل النص فيقول :

“قلتُ : فليعرفني .. ولأمشِ .. لاسيف ، ولا

رمح ولادرَّاعة من وبر النوق

وقلتُ : اخطبْ إلى أيِّ مليك بنته

تستكمل  الأربع زيجاتٍ

وسقتُ الأهل من خلفي قبيلا  فقبيلا

ثم قدمتهمو، فاستعرض الأعمام والأخوالُ

ما شاءوا من المحتد والملكِ

فمن تطلب ؟

صغراهنَّ

فلتبق زمانا بيننا

فانصرف الأهلُ.. “(21) .

        تتجلى الصورة الدرامية بمفهومها السينمائي داخل النص من خلال الحوار الداخلي من ناحية والحوار الخارجي من ناحية أخرى، حيث تحديد ملامح الشخصيات المشاركة في الحدث الدرامي من خلال الزواج، ولكن الشاعر يضمر مفارقة قاسية داخل النص، ستنكشف لاحقا في النهاية عندما ندرك أنه ليس زواجا بل موتا محتوما، وحفلة من حفلات التعذيب داخل سجون الحاكم الديكتاتور. فيقول مستكملا المشهد الدرامي :

” وفي الليل  أحاط الجند والأصهار بي ،

شدوا إلى أعمدة القصر وثاقي

ثم دار الطقس من حولي ، فهم أقنعة  تسقط

في كل يد كأسُ من الرُّبِّ  وطاسٌ ملئت من عسل

الموسم

طافوا  ، ثم صبوا  ما بأيديهم على رأسي وأعضائي ،

وخلوا بين عينيَّ وبين الشمس حتى لا أنام

فتداعت حشرات الأرض ، نملٌ مرسلُ الزحف قبيلا فقبيلا

العظاءاتُ، طرود النحل ،جرذان ، وطير لاحمٌ

أبناء آوى ،البوم ، دود عُمْيُ حيْاتٍ ، هوام

أخرجتْ أثقالها الأرضُ فهل من صرخة تُسْمَعُ

أبصرتُ العظام

تتعرى من فتوق اللحم ، تبيضُّ قليلا ، ثم تجلوها

يد الشمسِ فيصفو عاجها ، فهي رخام من رخام “(22).

   تبدو الصورة الدرامية في المقطع الشعري السابق مرتكزة على مجموعة الآليات الفنية داخل النص الشعري بدءا من  استدعاء الجنود والأصهار الذين تجسدت من خلالهم الصورة الدرامية ،ووقوعهم على الضحية / الشخصية الدرامية في النص ،وقد دار عليها طقس التعذيب المخيف في المعتقلات ، والسجون التي يقبع بها شرفاء الوطن من الشعراء والمبدعين ، ومن ثم نلاحظ الحركة الدرامية من خلال الكاميرا الشعرية التي يحملها الشاعر داخل النص في قوله : “طافوا  ، ثم صبوا  ما بأيديهم على رأسي وأعضائي ،وخلوا بين عينيَّ وبين الشمس حتى لا أنام” تبدو الصورة الدرامية الموحشة من خلال حفلات التعذيب التي كانت تقيمها الأنظمة المستبدة في العالم لضحاياها ، فقد صور الشاعر عفيفي مطر هذه الحفلات من خلال نصه الشعري ، لأنه قد مرَّ بها وذاقها في المعتقل من قبل،وإنْ دلَّ هذا التصوير ، فإنما يدل على الصدق الفني الدرامي والحتمية الواقعية التي ارتكز عليها الشاعر في كتابة نصه الشعري من خلال استخدام العناصر الدرامية ومنها الصورة الدرامية بشكل كبير ، وتجلى ذلك في ديوانه احتفالات المومياء المتوحشة ، وغيرها من الأعمال الشعرية.

  • ·          الصورةالسينمائية /الدرامية :

     لقد أفاد الشعر العربي الحديث بعامة وشعر الحداثة بصفة خاصة من تقنيات فن السينما في تشكيل صورهم الشعرية المبتكرة والخلاقة عن طريق اللقطات ،والمشاهد ،والمونتاج (التقطيع)؛ لأن السينما تتحدث بالأساس بلغة الصورة ، “فإن الصورة تقدم في الشعر علي مستوي لغوي ، يمكن تأملها عن طريق الخيال ، أو طريق البصيرة لا البصر، وتصبح الصورة المشهدية هي الإطار الذي يتماس فيه الفنَّان ؛ (فن الشعر وفن السينما)، من خلال التركيز على لقطة محددة أو تقديم الصورة بشكل يلعب فيه المونتاج في القطع والمزج دوراً أساسيا في توالي اللقطات وتتابعها زمنياً أو تعاصرها “(21).

          وتتبدى اللقطة التي يركز عليها الشاعر في النص من خلال مدي محاولته الإغراق في التجريـب وإقحام صور جديدة النسج ، بديعة التراكيب . ويظهر ذلك في نصوص شعراء الحداثة علي وجه الخصوص ، وتصبح الرؤية مكتملة من خلال تضافر هذه اللقطات واتحادها بعضها ببعض لتخرج لنا مشهداً مكتمل النضج .” فوظيفة الشاعر أو المصور هي تكوين المنظر ، وعليه أن يرتب العناصر المختلفة المراد تصويرها في شكل من النظام قبل أن تتم ، واختيار زوايا الكاميرا المختلفة المطلوبة لتغطية الحدث ، وإلي أن يتم ترتيب عناصر المنظر لا يمكن  للمصور أن تبين بالضبط ما هو مقبل علي تصويره “(22). ومادامت الصورة الشعرية مرتبطة، علي نحو ما ، بالصورة المرئية السينمائية ، فإنه قد تبدي لنا جوهر هذه الصورة من خلال نصوص شعراء الحداثة أنفسهم . وقد تجلت هذه الصورة المرئية عند رفعت سلاّم بطريقة واسعة ومختلفة الملامح فيقول :

” قتلوني ،

فانفرطت :

قطارات تعوي   قبائل مدججة                         جرة مقلوبة              صمت يهوي

على حجر                         خنجر معلق في سماء الذاكرة                ليل قروي

صبى يهرب خوفاً من الخميس                        طائر يلوح من نافذة غامضة

قاعد على حافة وقت من رماد                                         مرأة تمضى إلي قبر

ومرأة تجيء                      يارا غابة من الضحك             طبول تقرعها الريح

في زمن قديم(23).

         يبدأ المشهد الشعري السابق بلقطتين ؛ الأولي : تحققت من خلال الجملة الفعلية ( قتلوني ) وقد توحي بمشهد القتل المعنوي الواقع علي الذات نفسها، والثانية : هي نتيجة القتل فقد حدث الانفراط وتبعثر الأشلاء. ثم ينقلنا الشاعر إلى عدة لقطات أخرى طرحها عبر فضاء النص / الصفحة البيضاء ، وقد أطاح الشاعر بعلامات الترقيم لإحداث عملية الامتزاج واكتناز التعبير ، بل العمل علي إثراء النص بوصفه عملاً كليا لا يقبل الانفصال ، وقد ارتكز الشاعر رفعت سلاّم في ديوانه (  هكذا قلت للهاوية ) على تلك الرؤية التصويرية التي توائم بين ما هو بلاغي قديم تقليدي في تكوين الصورة ، وما هو حديث في بلاغة المشهد أو اللقطات بوصفهما مكوناً رئيساً للمشهد السينمائي و الشعري .” فقد تميل الصورة إلى أن تكون منعزلة ، وتسلسل الصور أن يكون غير مترابط ، والمسئولية التي تفرض علي خيال القارىء لكي يفهمها تتزايد كثيراً، لأن المسألة لم تعد مقصودة علي اختيار إرشادات مترابطة ، بل علي مضادات يبدعها ذهن الشاعر ، مستقاة من أزمنة وأمكنة متنوعة في تجربة الكُتَّاب الذهنية أو الجسدية وقد أدي الأمر بالنقاد إلى أن يقيموا مقارنات مع أساليب الصور المتحركة ( السينما ) أو حتى مع سلسلة (لقطات ) مع آلة التصوير”(24).

        هذه اللقطات تبدو ، وكأنها مفككة ، وكل لقطة تحتوي علي مفردات تنتمي لحقول دلالية متبانية ومتباعدة ،ولكن الشاعر ربط بينها برباط خفي ، اعتمد فيه على التجاور الدلالي لخلق صور ومشاهد متعددة تصور تقلبات الذات الشاعرة وتحولاتها من خلال موقفها من هذه الأشياء. وعلي سبيل المثال ذكر الشاعر رفعت سلاّم ، ( قطارات تعوي – قبائل مدججة – جرة مقلوبة – صمت يهوي علي حجر )؛ فما علاقة هذه الأشياء بعضها ببعض ؟ قبل أن نجيب عن هذا التساؤل يجب علينا أن ندقق النظر في تلك المفردات ونخرجها من دلالاتها النصية إلى دلالاتها الحياتية ، وسوف نلمس العلاقة الوثيقة بين عواء القطارات ، واستعداد القبائل للحرب ، وانقلاب الجرار؛ فهذه الأشياء كلها تشي بإعلان الحرب النفسية التي يعاني منها الشاعر ، فيُسقط آلامه وأوجاعه من خلال تتابع اللقطات السينمائية داخل النص الشعري الحداثي،هذا المشهد الشعري الذي يطرحه الشاعر ، قد نخرج منه ونحن مثخنون بالجراح ، لأنه مشهد مأساوي، فهو يصور مأساة الواقع الأليم الذي آل إليه المجتمع الإنساني بعامة والعربي بخاصة في الوقت الراهن.

  • ·          التقطيع (المونتــــاج) :

       ” هو هذه العملية التي تعتمد على الصور / الحركة بغية تحرير الكل الفكرة [ أعني صورة الزمن ]، وهذه الصورة بالضرورة صورة غير مباشرة ، مادامت مستخلصة من صور وحركة ؛ فالمونتاج أيضاً هو التركيب والتنسيق لصور أو حركة تقوم بتأليف صور غير مباشرة للزمن ، وهو عملية التوليف / التركيب عملية اللصق والقطع وتركيب اللقطات في السياق الطبيعي ليطابق التقطيع الفني ويقوم علي تحديد اللقطات المختارة ، واستبعاد اللقطة غير المرغوب فيها ، وتزامن الصوت والصورة ، وتحضير الموسيقا والمؤثرات الصوتية “(25)

    وقد استمد الشاعر الحداثي من المونتاج السينمائي تقنية لبناء الصورة الشعرية بوصفها أداة فنية من أدوات السينما ؛ لأن الخطاب الشعري الحداثي قد انفتح على جميع الفنون الأخرى وأفاد من أدواتها ، وهذا إن دل علي شيء فإنما يدل علي قوة هذا الخطاب وثرائه الفني والدلالي ، فقد حقق الشاعر الحداثي من خلال إغراقه في التجريب المستمر في استخدام الصورة الشعرية إنتاجاً شعرياً يعتمد على بلاغة المشهد وتوليف علاقات بين اللقطات بعضها ببعض . وقد التفت شعراء الحداثة إلي التغيرات الحديثة التي طرأت علي الحياة بصفة عامة في الربع الأخير من القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، والتي تتمثل في ثقافات عدة ،كثقافة الحاسوب ، وشبكات الإنترنت INTERNET) ) التي جعلت العالم مجرد قرية صغيرة . 

  ونلاحظ في نصوص رفعت سلاّم  تلك الإفادة من الأنواع الفنية الأخرى كالمونتاج .

          ففي قصيدة ( منية شبين ) يقول :

 

” بيوت من طين                               وطيبة ناس لهم غصون وأوراق

خضراء ،           تسقط في الشتاء            وتنمو في الشفق لهم

أحياناً –                                              أشواك عتيقة        في نهارات القيظ الزاهقة

جدران تتكاثر بلا بذور ،           بلا مـاء ،          بأنفاس النوم وهواجس

الماشية ، والنخيل أعمدة في رواق ، لها أذرع مرفوعة تمنع السماء

من السقوط المفاجئ “(26).

          إن استخدام المونتاج وسيلة للتعبير الشعري ، قد تحقق من خلال تركيب اللقطات في السياق الشعري لمطابقة التقطيع الفني ؛ فعمد الشاعر إلى اختيار لقطات محددة ، واستبعد لقطات أخرى؛ فنلاحظ أنه قد بدأ بلقطة اختارها في قوله ( بيوت من طين )، وقد ربط بين هذه البيوت التي تحتضن ناساً طيبين ،وطيبةٍ، وصفها الشاعر وكأنها غصون أوراق خضراء ، لشدة نقائها وصفائها ، ثم نلاحظ أن الشاعر قد جمع لقطات متفرقة ، وقام بعملية اللصق ( لصق اللقطات ) وتركيبها تركيباً له طابعه الدلالي وأسقط كل ما حدث في كواليس النص الشعري من مسودات ، وكتابات أخري للنص قبل أن تثبت هذه الكتابة التي قُدِّم بها ، وبَتَرَ (مَنتَج) الصور التي لا تتفق أو تناسب الحدث الشعري الزماني والمكاني ؛ فقد رصد مشهد البيوت الطينية القديمة التي تفوح من أركانها عطور التواريخ القديمة ، وأرواح هؤلاء الناس الطيبين ، وقد أراد الشاعر أن يعلن عن انتشار العقم الاجتماعي بين أفراد المجتمع الذي انهارت قيمه وأخلاقه.

وقد انشغل الشاعر حلمي سالم باستخدام التصوير السينمائي للتقريب بين الصور اللغوية والصور المرئية  ” فالتصوير السينمائي الذي يستطيع أن ينقل إلينا المشهد بحذافيره كما يستطيع متابعة الحركة في هذا المشهد ، قد ساعد علي تقريب الشقة بين الصورة اللغوية والصورة المرئية ، إذ أمكن فيه التغلب علي العنصر الزماني نهائياً ، غير أن هذا النوع من التصوير الذي ينقل إلينا الشيء متحركاً( أو المكان متزامناً ) أي الذي يستمتع بمقدرة كمقدرة اللغة التصويرية لا يتفق إلا مع نوع معين من التصوير اللغوي نستطيع أن نسميه (التصوير السردي )”(27).

ويموج النص الشعري لدي حلمي سالم بالصور الدرامية الخلاقة ، المبدعة؛ حيث تميزت الصورة عنده بالبكارة والصياغة التي طغي عليها التجريب ( فالتجريب مغامرة فنية غير مضمونة النتائج )، ولكنه يسعي لتحقيق هدف ما من خلال هذا التجريب ،وقد غلب علي نصوص حلمي سالم تقريب الصورة اللغوية من الصور الدرامية المرئية؛ فأصبحت الأولي الخلفية المتوقعة للثانية .

يقول حلمي سالم :

 

“الأرض جمرة في اليدين

وكانت العصافير تستحم في دمى المراق في الطريق

فهل قلت : إن العصافير في دمي طليقة ؟

“  الزهرة ، الزهرة

الحزن في الليل المصفرة

المقلة المغبرة

والأرض جمرة جمرة “

أعطني شعراً عنيفاً

أعطني لحناً كثيفا

لم تخلع بحيرتي البردة القديمة

فكفى عن انتشارك الرجيم في رئتي ياعزيمتى التي أسقطتني

علي الشط  فارساً بلا هزيمة”(28).

 

        جمع الشاعر بين لقطات عدة من خلال توليفه لبعض المفردات التي تنتمي لحقول دلالية متقاربة توحي بمدي أثر الصورة الشعرية في تكوين النص الشعري الحداثي ، فقد مزج الشاعر بين بلاغتين ؛ بلاغة المشهد ، مع بلاغة الاستعارات المتعددة التي حفل بها النص . ومن هذه الاستعارات (الأرض جمرة ، العصافير تستحم في دمي،لم تخلع بحيرتي البردة القديمة ) هذه التراكيب الاستعارية كلها تجعل النص محملاً بكم كبير من الصور التي تشكل بدورها صورة كلية منتجة للدلالة النصية .

   وقد انشغل حلمي سالم ببناء صورته الشعرية بناءً محكماً ، ومنسقاً ، فاعتني باختيار استعاراته ( قصور الكون /  الأرض جمرة / النار المشتعلة ) ومجرد النظر في هذه اللقطات ، نشعر برؤية الشاعر السوداوية التي يشوبها الحزن والألم والتمزق علي مستوي ( الذات / الآخر ) و ( الداخل / الخارج ) .

وهناك علاقة بين استحمام العصافير في الدم المراق ، و” العصافير في دمي طليقة “؛فإن دم الشاعر المراق في السطر الأول هو الذي أغرى العصافير بالاستحمام فيه ؛ فالعصافير قد استباحت دماءه  المراقة ، والمبعثرة في كل مكان علي الطريق .

         وقد استخدم الشاعر التناص عندما استدعي قول الشاعر الراحل علي قنديل في المقطع الثاني إذ يقول ( الزهرة الزهرة ، الحزن في الليل المصفر ).(29) فقد كتب الشاعر هذا التناص بالبنط الكتابي العريض، وقد أثَّرَ رحيل الشاعر علي قنديل علي نفس حلمي سالم  ( فهو أكثر شعراء الحداثة ذكراً له في نصوصه ) ؛ لأن علي قنديل يعيش فى مخيلة الشاعر دائماً وله أثره الفني والاجتماعي الجلي في نص حلمي سالم .

        وهذا ( التناص الممتد ) الذي فعله حلمي سالم جعلنا أمام مشهدين متلاحمين ؛مشهد للشاعر علي قنديل ومشهداً لحلمي نفسه. وهذا التضفير النصي لا يخلو من دلالة حقيقية، وهي أن شعراء الحداثة ، قد اتكأوا علي التواصل الشعري فيما بينهم، بمعنى أن الشاعر يستدعى قولاً لصديقه  الذي ينتمي لنفس جيله  أو جزءاً من نصه  وقد تتشابه بينهما الرؤية الفكرية والثقافية ، بل بالفعل تشابهت ؛لأن شعراء الحداثة  قد جمعتهم رؤية كلية واحدة حول مفهوم القصيدة العربية الحداثية

       وينتقل الشاعر حلمي سالم  إلى لقطة أخري محدداً اتجاه هذه اللقطة وانتشارها في قوله (أعطني شعراً عنيفاً ، أعطني لحناً كثيفاً) فالشعر العنيف الذي قصده الشاعر ، ليس هو الشعر الثوري الذي يدغدغ مشاعر المتلقي ، الذي يتبعه تصفيق حاد عقب سماعه ، ويزول هذا الشعور بانتهاء هذا التصفيق ؛ فالشعر العنيف هو الشعر الذي يكسر كل الحواجز ، ويعلن تمرده علي الأمس واليوم، وهو أيضاً الذي يثور على اللغة ليخرجها من سكونيتها إلى تفجيرها الدائم .

      وقد ربط الشاعر بين ( الشعر واللحن ) فهما وجهان لعملة واحدة فلا يوجد شعر بدون لحن الموسيقى التي يتجلى من خلال الإيقاع الشعري سواءً كان إيقاعاً تفعيلياً أو إيقاعاً لغوياً ، أو بصرياً .

        ومن الملاحظ أن شعراء الحداثة قد انفتح خطابهم الشعري على فضاءات اللغة ، والعالم ، لإعادة تشكيل هذا العالم ؛ فجنحوا للتجريب والتفكيك، ثم إعادة بلورة هذا العالم وصياغته صياغة جديدة تناسب رؤاهم وأفكارهم ؛ فجعلوا النص الشعري نصاً متعدد الملامح والتأويلات، وأصبح للنص مستويات عدة للتلقي. وكانت الصورة الشعرية هي المحك الأساسي للحداثة ، لأنه لا يمكن أن نطلق علي أي قصيدة بأنها حداثية إلا إذا توافرت فيها مقومات الحداثة من حيث حداثة اللغة والصورة ، والتركيب والإيقاع ، والشكل والمضمون ، والأفكار الجديدة التي لم يطرقها شعراء آخرون. وفيما أظن أن شعراء السبعينيات ( شعراء الحداثة المصرية ) قد فعلوا هذا كله ، وعملوا علي ترسيخه في الواقع الشعري الراهن .

       وقد اهتم الشاعر حسن طلب بالصورة الشعرية اهتماماً بالغاً ، وقد استمد من التراث العربي صوره ولغته وألاعيبه الفنية، فاتخذ ” من البنفسج منطلقاً متماسكاً في قصائد الديوان رمزاً لغوياً وكونيا لجملة من التجارب الشخصية والقومية الحميمة يتكئ عليها في تجميع خيوطه وتكثيف صوره وتكوين عناصر شعريته“(30).و نلاحظ ذلك في قصيدة بعنوان زبرجدة الغضب فيقول :

 

” فدع الشعر…. وقل :

ذهب العرب / العرب

عربي

عربيان

ثلاثة أعراب

عربي….. عربان

خن

ويخون

وخان :

48

56

67

73

82

 

نفس المشهد والعينان هما العينان

نفس القصة 000 نفس المسرح والأبطال

فهل من أحد الشجعان

يكفر بالعمم البيضاء

وبالتيجان “ (31)

 

نلاحظ في المشهد الشعري السابق تعدد اللقطات التي أوردها الشاعر لبناء مشهده ؛ فقد أعطي الشاعر لنفسه صفة علوية من خلال استخدام فعل الأمر ( دع ) و ( قل ) – و (خن ) وقد صور الشاعر في اللقطة الأولي ضعف الأمة العربية واندثارها وزوالها فقد ذهب العرب ، وجاء العرب الأمريكان علي حد قول  حسن طلب. وقد جمع الشاعر صورة الخيانة من خلال استخدامه لفعل واحد ( خان )؛ فقد جاء به الشاعر في صورة الأمر ( خن ) و( يخون ) المضارع و( خان ) الماضي؛ فالعرب هم الخونة الذين باعوا الأرض والأجساد ثم  يرجع الشاعر بالذاكرة علي طريقه ” flashback ” ليستدعي مشاهد الضعف العربي؛ فيذكر هذه المشاهد التي جاءت تباعا في صورة درامية محزنة، كما هو موضح بالرسم الآتي :

 

المشهد الأول                                                             حروب 48

المشهد الثاني                                                         العدوان الثلاثي 56

المشهد الثالث                                                       هزيمـة العرب  67

المشهد الرابع                                                  انتصار الجيش المصري 73

المشهد الخامس                                                       اجتيـاح لبنــان 82

 

 هذه خمسة مشاهد قد أثرت في وجدان الشاعر وجعلته يبوح بمكنون صدره ، وقد جمع أجزاء هذه الصورة الكبيرة من صور صغيرة ، هذه الصور كانت تمثل الضعف العربي؛ ” فالصورة الشعرية تنحل إلى صور جزئية، وهذه الصور نفسها تكون مكبرة في شكل لوحة ؛ فالصورة هنا مركبة ، والتركيب يختزن مستويات من الدلالة يستدعي بعضها الآخر وتنتشر في حضورها انتشاراً لا متواليا بل دائريا واسعاً يطول في اتساعه عالمًا غنيًا من الذاكرات والرؤى”(32). ومن ثم فنلاحظ أن هذه المشاهد الخمسة التي تجسد الحروب العربية ضد الكيان الصهيوني وبخاصة الحروب المصرية التي دفع الشعب المصري دماء أبنائه الغالية من أجل النصر وتحرير الأرض الغالية سيناء .  فقد ضاعت فلسطين في حروب 1948 بسبب الأسلحة الفاسدة ، وضعف الجيوش العربية ، وجاء العدوان الثلاثي على مصر بقيادة فرنسا وانجلترا وإسرائيل ، ردا على تأميم قناة السويس ، ثم الحدث الأبشع وهو نكسة الخامس من يونية  في العام السابع والستين ، وحرب السادس من أكتوبر 1973، وعبور الجيش المصري ، وإعادة سيناء ، وبقاء فلسطين تحت الاحتلال ، وفي عام 1982 اجتاحت الكيان الإسرائيلي لبنان ، وما شهدته لبنان من مذابح حتى اللحظة الراهنة .

إن كل هذه الصور الدرامية التي جسدها الشاعر حسن طلب في تواريخ مهمة في حياة الوطن العربي ، ترجع إلى القلب لهبه واشتعاله ، رغبة في عودة القدس عاصمة لفلسطين ، وهو حلم كل عربي من المحيط إلى الخليج . ..

 

المصادروالمراجع

(1)  يجد الباحث أسماء أخرى أطلقت على هذا المفهوم ، منها :

-  الصورة الأدبية : وقد أطلقه مصطفى ناصف في كتابه المعنون بهذا الاسم .

- الصورة الشعرية : كما عند : صبحي البستاني : في كتابه الذي يحمل الاسم نفسه .

-  التصوير الفني : ونجده عند سيد قطب : في ” التصوير الفني في القرآن الكريم” .

-  الصورة الفنية : ونجده عند جابر عصفور في كتابه الصورة الفنية ، ومحمد حسن عبد الله  في كتابه الصورة الفنية  في شعر على الجارم .

(2)  ســى داى لويس : ” الصورة الشــعرية ” ، ت أحمد نصيف الجنابى وآخرين ، وزارة الثقافة ، بغــداد ، سنة 1982 صــ  23 .

(3)  بشرى موسى صالح : الصورة الشعرية في النقد الحديث ، المركز الثقافي العربي ، بيروت ، سنة 1994 ، صــ 13 .

(4) السابق ، صــ 12 .

(5)  خالد محمد الزواوى : ” الصورة الفنية عند النابغة الذبيانى ” ، الشركة المصرية العالمية للنشر ، لونجان ، سنة 1992 صــ 100 – 101 .

(6)  جابر عصفور : ” الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي ” ، دار المعارف ، سنة 1974 ، صـــ 172 .

(7)  يراجع : عبد القادر القط : ” الاتجاه الوجداني في الشعر العربي المعاصر ” ، مكتبة الشباب ، سنة 1992 ، صــ 291 .

(8)  يراجع صلاح فضل : “علم الأسلوب مبادئه ، وإجراءاته” ،مؤسسة مختار للنشر ، سنة 1992 ، صــ 259 .

(9)  يراجع : بشرى موسى : ” الصورة الشعرية ” ، صــ 73 .

(10)  عبد الفراج خليفة : ” قصيدة الحداثة ” ، مرجع سابق ، صــ 236 .

(11)  مصطفى ناصف : ” الصورة الأدبية ” ، دار مصر للطباعة ، صــ 12 .

(13)  محمد حمود :”  الحداثة في الشعر العربي المعاصر ، بيانها ومظاهرها ” ، الشركة العالمية للنشر ، بيروت ، ط1 ، سنة 1986 ، ص94.

(14)  محمد حمود : ” الحداثة في الشعر ” مرجع سابق ، صــ 95 .

(15)  أمجد ريان : ” الحراك الأدبي ” ، سلسلة كتابات نقدية ، ع (57) ، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، سنة 1996 ، صــ 117.

(16)  صلاح فضل : ” نظرية البنائية ” ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، مكتبة الأسرة ، سنة 2003 ، صـــ 356 .

(17)  عبد الفراج محمد أحمد ، ” قصيدة الحداثة في شعر السبعينيات ” ، صــ 238 .

(18)  عز الدين إسماعيل : ” الأدب وفنونه ” ، دار الفكر العربي ، سنة 1994 ، صــ 82 .

(19) عاطف جودة نصر : ” الخيال مفهوماته ووظائفه ” ، مكتبة الشباب، صــ 261 .

(20) أمل دنقل : الأعمال الشعرية الكاملة ، الهيئة العامة لقصور الثقافة، ص198ـــ190.

(21) محمد عفيفي مطر:  الأعمال الشعرية الكاملة ، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، ص376ــــ377.

(22) المرجع نفسه .

(23) جوزيف ماشيللي : التكوين في الصورة السينمائية ، ترجمة  0 هاشم النحاس ، الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة 1983 صـ 29 .

(24)  رفعت سلاّم : ” هكذا قلت للهاوية ” صـ 5 .

(25) سلمي الخضراء الجيوسي : ” الاتجاهات والحركات في الشعر العربي الحديث ” ترجمة : عبد الوهاب لؤلؤة ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، سنه 2001 ، ص 756- 757.

(26) جيل دولوز : الصورة – الحركة ، فلسفة الصورة ، ت : حسن عودة ، وزارة الثقافة المؤسسة العامة للسينما ، دمشق ، سنه 1997 ص 31 .

(27) رفعت سلاّم : ” إلى النهار الماضي ” ، ص 27 .

 (28) عز الدين إسماعيل : ” الشعر العربي المعاصر ” ، صـ 138.

(29) حلمي سالم : ” سكندريا يكون الألم ” ، دار المصير ، بيروت ، سنه 1981 ، ص 13 – 14.

(30)  وقد أشار الشاعر في هوامش الديوان أن هذه الكلمات لعلي قنديل وهذا نوع من التواصل مع الشاعر الراحل .

(31) صلاح فضل : ” شفرات النص ” ، ص 66 .

(32) حسن طلب : ” زمان الزبر جد ” ، 176 – 177.

(33) يمني العيد : في معرفة النص ، منشورات دار لآفاق ، بيروت ، ط 3 ، سنة 1985 ، ص 106.


أضف تعليق