النصّ بين السياق والتّلقي في الفكر الأدبي / حمو الحاج ذهبية

مقال نشر بالعدد الرابع من مجلة جيل الدراسات الأدبية والفكرية ص 67  ، من إعداد الدكتورة  حمو الحاج ذهبية / جامعة مولود معمري، تيزي وزو ، الجزائر

 للاطلاع على كل العدد يرجى الضغط على غلاف المجلة: 

 

JiL Literary 3

 

ملخّص الدّراسة: 

لقد تعرّض السياق إلى عدّة تعريفات، وأطّره الباحثون من عدّة زوايا أملا في القبض على بنية اللغة الخارجية، ولكنّه لم يحض دائما بالقبول خصوصا في الدراسات اللسانية السوسورية والمدارس التي توجّت التوجّه البنوي بعده، إلا أنّ رغبة الدّراسات اللغوية في الانفتاح على منتج اللغة ومؤولها، وعلى ظروف العملية الخطابية وملابساتها سمح بالعودة إلى هذا العنصر المتميّز، الذي وجدناه عند الباحثين القدماء من مختلف المدارس والتوجّهات، فقد عاد إليه كلّ من البلاغيين والأصوليين، والفقهاء والأدباء لعلّه يضمن لهم الولوج إلى المعاني الحقيقية الظاهرة والخفيّة.

أردت العودة إلى هذا العنصر بالذات لرصد حدوده في الفكر الأدبي العربي، للنّظر في اختلاف الرؤى والتوجهات، وكذا أدوات تحديده عند باحثين من مشارب مختلفة، جعلت السياق من العناصر المهمّة للوصول إلى المقاصد الحقيقية من وراء استعمال اللغة في مواقف معيّنة، وأدركنا أن الالمام بالبنية الخارجية يسمح بالحجاج، وبالتفاوض، وبالاستدلال، وبالإقناع….

الكلمات المفتاحية: السياق، التلقي، النصّية، لسانيات النص، البلاغة، النصّ الأدبي

إنّ الاهتمام بالنص والبحث فيه وكذا التنظير له باعتباره أداة إجرائية في الدرس اللساني الحديث هو وليد اللسانيات كعلم حديث النشأة في الغرب مقارنة مع باقي مستويات الدرس اللساني الأخرى كالأصوات، المعجم، التركيب،  فقد استطاع أن يفرض نفسه نظرا للمفاهيم والإجراءات الجديدة التي جاء بها، حيث تبيّن أنه لا يمكن لباقي مستويات الدرس اللغوي الأخرى الاستغناء عنه، خصوصا بظهور لسانيات النصّ وتحليل الخطاب، الذين يقومان على دعامتين هما النص والخطاب.

يتفق الباحثون في أحايين كثيرة على تعاريف خاصة للنص ويختلفون كذلك في بعض الأحايين، ومكمن الاختلاف راجع إلى المنطلقات المتبناة، التي يوجهون من خلالها صوب نظرهم للنص، لكن إذا ما قمنا بحصره في نظرة واحدة وقلنا أننا نودّ النظر إليه من وجهة اشتغال السياق الوارد فيه، فماذا نقول حينذاك؟ أو بالأحرى كيف يمكننا الوصول إلى أغوار النص بالكشف عن سياقه؟، وما هو السياق، الذي ينبغي إيلاؤه العناية؟ وانطلاقا من هذه التساؤلات فإن فإنّنا نروم الدخول إلى النص بمعنى استنطاقه، ليس فقط من جانبه الشكلي المحض، وإنما بالولوج إلى كل الحيثيات التي تحيط به سواء كانت مرئية أو مخفية.

إنّ السياق عنصر ضروري لتحقيق التفاعل بين الذات والموضوع أي بين الكاتب ونصّه ثم بين المتلقي والنص، ” وله مجالات معرفية متعدّدة تتنوّع عبر فضاءات معرفية كثيرة منها ما هو مرتبط بالمتكلّم والمتلقي وشروط الإنتاج اللغوي والزّمان والمكان (…) وغيرها”(1) لهذا فهو ملمح رئيسي من ملامح التعرف على النص، إذ يتسع ليشمل كل الأطراف المكوّنة لعملية التواصل وقدرته الإجرائية على الفهم والتأويل في المجال الأدبي، ونظرا لأهمية السياق ودوره في موضوع النص وكذا تداخل العديد من النصوص، التي يصعب تحديدها أو حتى التعرف على سياقاتها، حيث نجد من يقول:” إنّ تبادل النصوص أشلاء نصوص دارت أو تدور في فلك نصّ يعتبر مركزا، وفي النّهاية تتحدّد معه، هو واحد من سبل ذلك التفكيك والانبناء:  كلّ نصّ هو تناص، والنصوص الأخرى تترائ فيه مستويات متفاوتة وبأشكال ليست عصيّة على الفهم…”(2) ، ارتأينا الحديث عن عامل السياق في النص، هذا العامل الذي سيحيلنا لا محالة على الباحث والمستنطق لهذا السياق، ألا وهو المتلقي، وبتعبير آخر ارتأينا أن نتوقف عند بعض الإشكالات، التي تحيط بالنص حين الحديث عن عاملي السياق والمتلقي فيه، هذان العاملان اللّذان سيفتحان الباب على النص من أجل الولوج إليه من منطلقات عدة (تداولية، ثقافية…). ما هي مكانة السياق في تحديد ماهية النص؟ إلى أي حدّ تظهر فاعليته في قيام النص؟ ثم هل النص الأدبي خارج عن السياق أم أنه داخل فيه ومرتبط به؟ هل يمكن الاقتصار على العلاقات النصية واعتبارها قوام النظام الداخلي للنص أم أنه لابد من مرحلة يتم فيها الربط بين كل العلاقات؟ ألا يمكن الأخذ بالعلاقات النصية واعتبارها في ذات الوقت تمثّلا للواقع ؟ وهل هذا الواقع هو الأحداث أم النصوص المعاشة والمقروءة؟ أم هي اللغة أم المتخيّل في النص؟  

هذه جملة من الإشكالات التي رأينا ضرورة طرحها في غمار حديثنا عن هذا الموضوع رغبة في نفض الغبار عن النص، الذي كثر الكلام عنه في الدراسات الحديثة خاصة التداوليات، لسانيات النص، تحليل الخطاب (…) محاولين اكتشاف ما وصل إليه أحد هذه الميادين في مجال دراسة التوجه السياقي في النص، هذا المجال هو “لسانيات النص”(3)، ولا يفوتنا أن نقوم باستنطاق بعض ما تبنّاه أسلافنا العرب في حديثهم عن السياق أو هل عرفوا قديما ما نشهده اليوم في الدراسات النصية وخاصة موضوع الحديث عن السياق.

ورغبة في إثراء الموضوع فإن الحديث فيه صغناه ضمن عناوين فرعية تصبّ في إطار العنوان الرئيسي    ” النصّ بين السياق والتّلقي في الفكر الأدبي”، وركزنا الحديث في البداية عن السياق وأهميته في الدراسات النصية، وذلك بالاستفاضة نوعا ما في دلالته اللغوية والاصطلاحية عند بعض الباحثين في هذا الميدان، بالوقوف عند ما وصلت إليه الأبحاث النصية في حديثها عن عامل السياق في النص، ليكون من بعده الحديث عن إسهام قطب من أقطاب هذا التوجه في حديثه عن السياق في النص ألا وهو “فان ديك”، ثمّ الحديث عن أثر هذا السياق في النص الشفوي(4) باعتباره نصا نفرض عليه سياقات الحديث، بالبحث عن أثره ضمن الدراسات التراثية العربية، ليكون بمثابة عامل مستفز لنا لنبحث عن دلالاته عند العرب القدامى.

بين السياقية والنصية

ظلت السياقية عند كل من البنيويين والتحويليين، وغيرهم ممن نهجوا هذا السبيل حبيسة أسوار الجملة بالمفهوم التقليدي، أي عند الحدّ الذي يمكن أن يكون فيه الكلام فيه فائدة يحسن السكوت عليها، على حدّ تعبير النحاة العرب، وبظهور علم لغة النص أو ما يعرف بلسانيات النص، خرج هذا المنهج بالدراسة اللغوية إلى وجهة جديدة وإلى نطاق أكبر وأوسع، أي من نطاق الجملة إلى النص اللغوي بأكمله، حيث قاموا على الاشتغال على النصوص ومحاصرتها –إن صح القول- ثم وصفها والكشف عن علاقاتها، التي من خلالها تتحقق النصية، وكان هذا المنطق إقرار أن لسانيات النص هي ذلك العلم، الذي يكون قادرا على وصف وتفسير الملامح المشتركة والمتباينة بين هذه النصوص أو الأنماط، كما يمكن الكشف عن الغموض، الذي يُفك بتدخل عناصر تساهم في فكه وجلائه، من هذه العناصر نجد “السياق”(5)، فحينما نقول مثلا: “ارتدى الطفل الملابس التي اشتراها أبوه من السوق”، فإنّ إزالة اللبس عن هذه الجملة يستوجب إدخالها ضمن السياقات الممكنة والمفترضة فنقول:

-          الطفل ارتدى الملابس.

-          ارتدى الطفل الملابس التي اشتراها أبوه.

-          الملابس، أبو الولد اشتراها من السوق.

بهذا التحليل نتوصل إلى أن عملية الارتداء قد تمّت بعد الشّراء وليس الشراء هو المحتمل، وإذا غيرنا تحليلنا بالطريقة الآتية فنقول:

-          ارتدى الطفل الملابس التي اشتراها أبوه من السوق.

-          الطفل ارتدى الملابس التي اشتراها أبوه من السوق.

-          ارتدى الملابس التي اشتراها أبوه من السوق.

-          أبو الطفل اشترى الملابس من السوق .

وهنا تكون عملية الشراء هي التي حدثت في السّوق، وهكذا تتواصل عملية التحليل، فكلما أضفنا عنصرا آخر إلى هذه الجملة يعطي شيئا من الغموض (مثلا نضيف كلمة يوم العيد). وهكذا نقول أن ظاهر النص وصريحه، ليس حاسما في الكشف عن الغموض بل هناك تداخل في التّماسك وعناصر النصية الأخرى، لهذا نجد من بين ما تبنّته اللسانيات النصية:

-                   أنّ الكلمة والجملة بالرغم من أنهما من العناصر الهامة في التحليل اللغوي إلا أنّهما لا يعطيان صورة كاملة للأحداث اللغوية، لهذا لجأ أصحاب هذا المنهج إلى النص باعتباره حدثا تواصليا مركبا ذا بنية مكتفية بنفسها، قادرا على الإفصاح والتأثير والفعل للكشف عن وظيفته في التفاعل الإنساني العام.

-              أن الكلمات التي نقرؤها أو نسمعها ترتبط فيما بينها ارتباطا وثيقا وعلى نحو مشترك داخل السلسلة الكلامية، طبقا للسندات النحوية المقررة، ومن هنا فقد اعتبر النص لدى الدارسين –النص اللغوي- وحدة متكاملة يجب دراستها ككل لا يتجزأ، ووضعوا المبادئ والأسس، التي تتحقق بها النصية بغض النظر عن الكم المادي للأحداث اللغوية المتتابعة أو سلسلة الجمل، فقد تكون الجملة في ذاتها نصا إذا ما توافرت لها هذه المبادئ –فقد أشار “هاليداي ورقية حسن” بأن النص يرتبط بالإدراك وليس بالحجم، وتحدث تودوروف عن التّطابق، إذ يستطيع النصّ أن يتطابق مع جملة، مثلما يستطيع التّطابق مع نصّ كامل.

ومن بين الأسس التي حكموا بها عن نصية النص نجد: السبك، الحبك، القصد، القبول، الإعلام، المقامية، والتناص(6). يذهب عبد النعيم خليل” إلى القول أن قيامنا بتطبيق مبدأ السياقية على هذه الأسس سيفرّعها إلى مجموعتين لا ثالث لهما: إحداها تنتمي إلى السياق اللغوي وتتضمن السبك، الحبك، والتناص. أما الثانية فتتجه إلى سياق الحال(7) أو المقام، وتتضمن القصد، القبول، الإعلام، والمقامية.

تشكل المجموعة الأولى مجموع الأحداث المرئية أو المسموعة، فينتظم بعضها تبعا للمباني النحوية، لكنها لا تشكل نصا إلا إذا تحقق لها من وسائل التّماسك ما يجعل النص محتفظا بكينونته واستمراريته، “وهو مجموعة من الوسائل اللغوية، التي تضمن الرّبط بين العناصر الدّاخلية والخارجية للجمل، وتسمح لملفوظ مكتوب أو منطوق التّجلي على شكل نصّ[...]، وهي الضمير العائد، الروابط، الاقتضاءات، تتابع أزمنة الفعل…”(8) ، وهذا كله يدخل فيما يمكن أن نسميه بالاعتماد النحوي على مستوى النص، على أساس من علاقات الكلمات بعضها ببعض ثم الجمل والمقطوعات، كل ذلك في إطار القواعد، التي تقررها اللغة وتقررها الأعراف والتقاليد، وهو قريب جدا من فكرة “النظم”، التي رآها عبد القاهر الجرجاني في قوله “واعلم أنه إذا رجعت إلى نفسك علمت علما لا يعترضه الشك أن لا نظم في الكلام ولا ترتيب حتى يعلق بعضها ببعض، ويبني بعضها على بعض وتجعل هذه بسبب من تلك”(9). أما المجموعة الثانية (القصد، القبول، الإعلام، المقامية)، فهي عناصر نصية تتصل بسياق الحال أو المقام، فالقصد يرتبط بهيئة المنتج والوقوف على هذا العنصر أمر شائك في الدرس اللغوي، حيث لا يفصح المتحدث عن قصده في كثير من الحالات، وهنا يكون السند في استخلاصه متمثّلاً في المقام أو سياق الحال أو الظروف المحيطة بالمنتج، كما يتدخل التنغيم(10) “Intonation” في أن نتعرف الإقرار بنغمة أخرى. وأما القبول فهو مرتبط بالمستقبل، ولا يعني القبول أن تكون الجملة موافقة للنظام اللغوي فقط، فقد تأتي حسب هذا النظام ولا تظهر بهذا المبدأ، إنما القبول أن تأتي الجملة بحسب النظام اللغوي المفروض، كما يجب أن تتلاءم مع الواقع الخارجي للغة، فقولنا مثلا: “محمد أعزب، ولذلك فهو لم يتزوج” فهي جملة مقبولة على المستوى اللغوي والمقامي، حيث يتطابق ركناها لغة ومنطقا. كذالك حينما نقول ” الجزائر عاصمة الجزائر والعربية لغتها الرسمية” هي جملة مقبولة. أما في قولنا “معسكر عاصمة الجزائر”، فقد تكون هذه الجملة مقبولة لدى المعسكريين، لكنها ليست مقبولة عند غيرهم كونها لا تتطابق مع الواقع، وكذلك بالنسبة لقولنا “محمد أعزب”، ولهذا فإن “الجزائر هي عاصمة الجزائر”، إذ لا يوجد بين ركنيها علاقة سببية تطابق الواقع.

أما فيما يخص معياريْ الإعلام والمقامية فهما متصلان بالسياق المادي والثقافي المحيط بالنص، الذي يندرج تحت مصطلح سياق الحال أو المقام، فالإعلام يختص بكل من المنتج والمستقبل، وعلى الأول أن يصوغ عباراته بحسب ما يقتضيه سياق الحال، الذي يكون المتلقي جزءا منه، وذلك بمراعاة معارفه وثقافته وتوقعاته، ويوضّح “فان ديك” معيار الإعلام في مثال: “بيتر قد أصيب في حادث دخل على إثره المستشفى”، فرغم إمكانية الاستبدال في مواقع الكلمات والتعابير إلاّ أنّ كلا منها تختص بسياق معيّن. أمّا معيار المقامية فهو مرتبط بالعوامل، التي تشير إليها أحداث النص، كما يرتبط ارتباطا وثيقا بكل من المنتج والمتلقي، ومن ثمّ فقد اكتسب أهمية خاصة بين المعايير(11). ولعلنا بعد هذا إدراك ما قاله أحد الباحثين من أنّ أجرومية النص ولدت من رحم البنيوية الوصفية القائمة على أجرومية الجملة في أمريكا، ولنا أن نقول أن أجرومية النص قد ولدت من رحم السياقية بشقيها المقامي والمقالي(12)، ذلك لعدم إمكانية فصل النصّ عن كلّ الملابسات التي تؤطّره.

السياق ولسانيات النص

سعى “فان ديك” ابتداءً من 1972م إلى إقامة ما سماه بأنحاء النص متجاوزا الآراء المطروحة حول (نحو النص)، والنص مأخوذ عنده بمعنى عام يتجاوز الجملة وهو ما يتبلور في الخطاب. تندرج طروحات “فان ديك” في إطار ما يسمى “أنحاء النص” حيث أنه لا يقف عند البنى السطحية والتركيبية للنص ولكنه يتجاوزها إلى ربط النص ببنيات خارجية ساعيا بذلك إلى إقامة تصور متكامل حوله، فالنص حسب “فان ديك” يتشكل من مظاهر أكثر تعقيدا مثل الممارسات النصية والتواصلية، التي بدورها ترتبط بعدة سياقات يتبع بعضها الآخر ويتداخل معه، وانطلاقا من هذا الرأي نجده يقدم تحديدا للنص بناءً على تصورات(13):

  1. ليس الأدب مجموعة نصوص فقط، إنّه بالأحرى مجموعة من الممارسات النصية والتواصلية.
  2. تقع هذه العمليات التواصلية الأدبية في عدة سياقات تداولية ومعرفية وسوسيو ثقافية تحدد الممارسات النصية.
  3. النص الأدبي هو نتاج وأساس أفعال وعمليات تلقٍ واستعمال داخل نظام التواصل والتفاعل.
  4. إلى جانب تمفصل هذه السياقات حسب جماعة المشاركين وأدوارهم وبحسب المقامات (المؤسسات…) وغالبا ما تنظّم الممارسات النصية في سياقات تتأسس على قاعدة مجموعة من القيم والأحكام والايدولوجيا الأدبية.

نلحظ أن “فان ديك” يأخذ بعين الاعتبار كل الأبعاد الدلالية والتداولية المكونة للنص، ويحدده بأنه بناء نظري مجرد لا يتجسد إلا من خلال الخطاب باعتباره فعلا تواصليا، وفي إطار هذه العلاقة يتم الربط بين النص وسياقه التداولي، كما يدعو “فان ديك” إلى تجاوز الخصائص الداخلية، التي تتصف بها النصوص إلى الخصائص الخارجية والشروط، التي يخضع لها ضمن سياقات معينة. تحدث “فان ديك” عن المضمون الإجمالي للنص أو البنى الكبرى التي تربط القضايا المعبر عنها بعمل النص بواسطة ما يسمى القواعد الكبرى، وهذه القواعد تحدد بدورها ما هو أكثر أهمية وجوهرية في مضمون نص متناول ككل، كون هذه القواعد تلغي بعض التفاصيل وتركز على المعلومات الأساس في النص، ومن هذه القواعد الكبرى نجد الحذف (الانتقاء) التعميم، والبناء وهي تعمل وفق معرفتنا بالعالم والسياق فمثلا: لو لم نكن نعرف أن الرحلة في القطار تقتضي الذهاب إلى المحطة وشراء تذكرة… الخ، لماّ أمكننا استبدال كل هذه التفاصيل بفكرة “رحلة في القطار”.

السياق ومستوياته (عند “فان ديك” )

1- السياق التداولي: متعلق بالنصّ باعتباره فعلا كلاميا أو أفعالا كلامية، ويقوم على تأويل النص باعتباره فعلا كلاميا أو سلسلة أفعال كلامية، كالوعود، التهديدات، التأكيدات والأسئلة والأوامر (…)، وتبقى مهمة التداولية متمثّلة في تحديد الشروط، التي يجب أن تتوفر في كل فعل كلامي حتى يكون ملائما لسياق معيّن مثل الشروط، التي يجب أن تتمتع بها الملفوظات، ويتألف هذا السياق من جميع العوامل النفسية والاجتماعية، مثل المعرفة التي يملكها مستعملو اللغة، رغباتهم، إراداتهم، أشياؤهم المفضلة، آراؤهم وكذلك علاقاتهم الاجتماعية (…)، فالتداولية النصية(14) تُعنى بتحديد الشروط، التي تمكّن من ترتيب أفعال كلامية في متتاليات أفعال كلامية، وكذا التساؤل عن كيفية ارتباط هذه المتتاليات بمتتاليات جمل أو ملفوظات النص المنطوق.

2- السياق الإدراكي: يتعلق بفهم النصوص، وينطلق “فان ديك” من افتراض مفاده أنّه حتى يتمكن المستمع/ القارئ من استخدام نص معيّن في مقام تواصلي ما، عليه أن يفهم هذا النص. إن مستعمل اللغة سيفهم بالدرجة الأولى الكلمات ومجموعات الكلمات والجمل، ثمّ يفهم متتاليات الجمل، وهنا يمكن أن نعمّم فنقول أن سياق الفهم يؤوّل إلى تحليل المعلومة المنقولة بواسطة بنية النص السطحية وترجمتها إلى مضمون يكون على شكل معلومة مفهومة، وفي هذا الصدد يشير “فان ديك” إلى جملة من المعطيات، التي ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار في إطار توضيح سياق الفهم (فهم النص):

-          استعانة المستعمل بمعرفته للعالم انطلاقا من مكتسباته المعرفية المخزونة في الذاكرة.

-          تخزين القضايا في الذاكرة الطويلة الأمد، فلكي نستطيع أن نفهم نصا معينا علينا أن نقيم الروابط الضرورية في الذاكرة العملية.

-          لكي نتمكن من إضفاء ترابطا على نص ما يجب حفظ بعض المعلومات في الذاكرة العملية، وهكذا لا يكون علينا أن نسجلها باستمرار في الذاكرة الطويلة الأمد.

-          لأجل فهم النص يجب تنظيم المعلومات المستنبطة من بنية نص ما، فالقارئ لا يستطيع تكرار النص كلمة كلمة ولا جملة جملة، وإنما يتذكر فقط أهم موضوعات النص، وهنا تتدخل بنية النص الكبرى، التي تقاوم النسيان بوجه خاص.

تسهم هذه العوامل في تحديد ما يراه أحد القراء ملائما ومهما في النص، عندما يكون في “ذهننا” موضوع محدد بسبب مهمة معينة أو حقل اهتمام معيّن أو أمنية معينة، فإننا سنقوم بتحليل إدراكي لهذا النص، فرغبتنا مثلا في شراء منزل من نوع معيّن نجسده من خلال قراءتنا لإعلانات متعلقة بهذا النوع، فنختار من المعلومات ما هو متعلق بهذا المنزل، وهنا يتضح دور هذه العوامل في معالجة النصوص الإدراكية في مختلف المواقف والمعايير والقيم التي يعتمدها المتكلمون.

 

السياق وتأثيره في النص الشفوي

السياق المقامي للخطاب

 

مخاطِب

 

موضوع

 

مخاطَب

إن الحديث عن النص الشفوي يحيلنا على نصوص غير مكتوبة أو ما يمكن تسميته بالخطاب، هذا النص/ الخطاب، الذي يفترض وجود متخاطبين أو ما يسمى عند المتخصصين بالمرسل والمرسل إليه، فيسعى المرسل إلى إيصال رسالته إلى متلقيه، هذا الأخير الذي سيحاول بدوره فك شفرات الرسالة “النص، الخطاب” من أجل إنجاح عملية التواصل بالنجاح، لكن ما هي الدعامة التي يستند إليها عند كل من المرسل والمرسل إليه؟ ينتج المرسل خطابه انطلاقا من المقاصد، التي يود إيصالها بمراعاة السياق الذي هو فيه، فكل عملية تخاطبية تتطلب مراعاة لسياق الإنتاج والتأويل، وحجتنا هنا أن الخطاب القانوني سيختلف لا محالة عن الخطاب الثقافي وعن الخطاب التربوي (…) لا لشيء إلا لاختلاف ملابسات العملية الخطابية. يذهب “ليتش” إلى أن كل قول يحصل بشكل نمطي في “مقام خطابي” يتضمن العوامل التالية:

 

 

 

إنّ إنتاج الرسالة وتلقيها منظومة تقع عادة في زمكان واحد، وإذا كان المتخاطبان في التبادل اليومي يعرفان بعضهما بعضا فإنهما يسلكان سبيلا متعارفا عليها تتحكم فيها الأوضاع، هذا في حالة النص الشفوي (المنطوق)، لكن المؤلف/ الكاتب لا يعرف في معظم الأحوال شيئا عن متلقيه المفترضين، أو أن ما يعرفه عنهم ضئيل نسبيا، كذلك جهله للمقام الذي سيتلقون فيه خطابه، وفي المجال الأدبي ونظرا لصعوبة إسناد دور المتكلم ودور المخاطب إسنادا مباشرا إلى شخص بعينه،  نجد الباحثين يلجأون إلى الحديث عن كاتب ضمني وقارئ افتراضي (ضمني)، لا يتقاسم مع الكاتب معرفته الخلفية فحسب، بل يتقاسم معه أيضا مجموعة من الافتراضات والآمال والمعايير(15)، ولهذا يرى “ليتش” أن إنشاء خطاب ما يقتضي طرح الأسئلة التالية:

-          من هم المشاركون؟

-          ما هو موضوع التواصل؟ (ما هي الموضوعات (الأشياء) المشار إليها في مجرى الرسالة؟…)

-          بأيّ واسطة تمّ التواصل؟ (هل الرسالة مكتوبة أو منطوقة؟ ما هي وسيلة نقلها؟…)

-          ما هي وظيفة التواصل؟ (الإخبار، التعليم، الإقناع؟…)(16).

من الملاحظ أن تحديد عناصر السياق يسهّل اكتشاف المعنى المقصود من النص، وقد رأى “ليتش” أن الصعوبة تقع على مستوى الخطاب الشعري على خلاف باقي الخطابات، لكن بما أن النص الشعري عبارة عن فعل تواصلي يخضع لقانون العرض والطلب (سوق القراءة) فإنه لا محالة مشروط بسياق داخلي أو خارجي، لكن البحث عن سياق النص الشعري مثلا يستوجب أن نراعي فيه بعض الخطوات المعتمدة من أجل استنطاقه، منها الوقوف عند المعلومات الموسوعية المرتبطة بالتقاليد الأدبية وبمنتج النص، والتي غالبا ما توجّه القارئ في بناء سياق النص، خاصة وأن هذا السياق قد يكون ممتدا إلى الوراء في نصوص سابقة في نفس الديوان مثلا –إذا كان النص نصا شعريا- وإلى الأمام في اتجاه نصوص لاحقة في الديوان أيضا، وهنا تظهر أهمية المعرفة الخلفية(17) سواءً تعلق الأمر بالإنتاج أم بالتلقي، لأنها –المعرفة الخلفية- تساهم بشكل فاعل في بتر العلاقة المتوترة بين القارئ وبين النص.

 

السياق و شفوية النص عند العرب القدامى

يعدّ عصر ما قبل الإسلام عصر الشفوية، والمجال الحيوي لنشأتها، إلا أن هذه الشفوية لا تعني نفي الكتابة ضرورة، فقد يكتب النص الشعري ويُدون تدوينا، ثم لا يخرج عن إطار الشفوية، لأن هذه الشفوية تفترض سلفا وجود متلقٍ شفوي أيضا، ونجد المثال الوافي هنا في تلك الأسواق الأدبية، التي كانت تقام قديما، أين كان الشعر يُلقى شفاهة على مرأى الأدباء والشعراء، الذين يُعتبرون سامعين –متلقين- شفويين (النابغة الذبياني واحتكام الشعراء إليه من أجل سماع الشعر والحكم بالجودة أو الرداءة).

وبعد بزوغ فجر الإسلام تغيّر موقع المتلقي في النص العربي، فلم يعد سامعا على الأغلب بل أصبح سامعا وقارئا، وقد أسهم التطور اللغوي في تجديد الحياة الثقافية العربية حين أوجد ظروفا مناسبة لفهم دلالة النص وتحليل بنيته، بيد أنّ المتلقي لم يخضع خضوعا تاما لسلطان الكتابة حتى بالنسبة للعصور، التي تكاثرت فيها الأقلام، حيث بقي التلقي الشعري يعتمد قناة المشافهة، وقد اعتبروا أن حسن السماع هو الميزة أو الصفة المحببة، التي تحفظ لمتلقي الشعر شخصيته وتدعم توازنه الثقافي، لهذا كله ظلّ السماع بمثابة أسس للتلقي، وقد عزز مكانة السماع ووسعت دائرته على الخصوص بظهور النص القرآني، هذا لكون كلام الله ليس بكلام عادي، وإنما يقتضي أول ما يقتضي الإصغاء، الذي يعتبر عتبة الولوج لعالم الفهم والتأثير(18)، فالنص الجيّد يجبر السامع على الإصغاء ويدفعه للتفاعل معه، وقد قال تعالى: “فَبَشِّرْ عِبَادِي الَّذِينَ يَسْمَعُونَ القَوْلَ فَيَتْبَعُونَ أَحْسَنَهُ”(19)، لهذا كله عُنيَ بالسماع أيما اعتناء، ولكن ظاهرة السّماع وما تفرضه من قوانين حتىّ يصل المتلقي إلى الفهم الصحيح يستوجب العناية بالسياق، وهنا تكمن أهمية استقصاء البحث فيه، والمنهل الأساس الذي يمكن أن يساعدنا على ذلك هو التيار البلاغي، والنقدي والأصولي (الأصوليون)، فهل للسياق نصيب عند هؤلاء العرب؟ وإذا كانت الإجابة بالإثبات، نعود لنتساءل عن مواطن هذا التجلي للسياق عندهم؟

ارتبط التراث العربي بممارسات معرفية عديدة، فرضت حضور معطيات عامة تتعلق “بالسياق” لكنها مجرد أفكار مقارنة بالأطروحات الغربية، ومنها نجد ما جاء في البلاغة، والنقد الأدبي، والتفسير و”علم أصول الفقه”.

1-   السياق في المنحى البلاغي

عرّفت البلاغة وحدّدت بشكل جامع عند أغلب علماء العرب، فقد حدّدها ابن المقفع بقوله:” البلاغة اسم جامع لمعان تجري في وجوه كثيرة، فمنها ما يكون في السّكوت، ومنها ما يكون في الاستماع، ومنها ما يكون في الإشارة، ومنها ما يكون في الاحتجاج ومنها ما يكون جوابا ومنها ما يكون ابتداءا…فعامة ما يكون من هذه الأبواب الوحي فيها والإشارة إلى المعنى والإيجاز هو البلاغة”(20)، أمّا اصطلاحا هي بلوغ المتكلم في تأدية المعنى حدّا له اختصاص بتوفيه خواص التراكيب حقها، وإيراد أنواع التشبيه والمجاز والكناية على وجهها، كما عُبّر عنها بكونها أن يجعل المؤلف لكل مقام مقال ولكلّ حال مقتضاها، فيوجز حيث يُحسن الإيجاز، ويطنب حيث يجمل الإطناب (…) لهذا عُرفت في أقصر عبارة أنها “مطابقة الكلام لمقتضى الحال”، وهذا طبقا لما قاله السّكاكي في كتابه مفتاح العلوم:” …أنّ مقامات الكلام متفاوتة، فمقام التّشكّر يباين مقام الشّكاية، ومقام التّهنئة يباين مقام التّعزية،…ثمّ إذا شرعت في الكلام، فلكلّ كلمة مع صاحبتها مقام، ولكلّ حدّ ينتهي إليه الكلام مقام، وارتفاع شأن الكلام من باب الحسن والقبول وانحطاطه في ذلك بحسب مصادفة الكلام لما يليق، وهو الذي نسميه مقتضى الحال”(21)، والمقصود بالحال هنا هو الموضوع، الذي من أجله يميز المتكلم حديثه بما يقتضيه هذا السياق، فقولنا “محمد طيّب” فالتأكيد في هذه الجملة هو ما نسميه بمقتضى الحال، أمّا بلاغة النصّ فتعني إظهار وفحص كيف يعرض النصّ أو “ينّظر” صراحة أو ضمنا القراءة أو القراءات، التي نقوم بها أو يمكننا القيام بها(22).

ولقد ربط العلماء البلاغة بالعبارة، والفصاحة بالكلمة المفردة، وقد انضمت الدراسة البلاغية في علوم ثلاث هي: علم المعاني، علم البيان، علم البديع(23). إنّ حديث البلاغيين العرب عن هذه العلوم الثلاث قد تضمّن بعض القضايا التي تتشابه وتتلاقى مع نهج السياقية الحديثة رغم اختلاف المنهج والتطبيق بين البلاغيين، ومنها نجد:

-          فكرة المقام من خلال عبارتهم الشهيرة “لكل مقام مقال”، حيث ترتبط هذه الفكرة بما أسماه أصحاب النظرية السياقية بالمقام أو السياق الاجتماعي(24) من ناحية، كما ترتبط بالسياق اللغوي من ناحية ثانية، إلا أن فكرة المقام عند السياقيين هو كل ما يحيط بالحدث اللغوي ويُعين على فهمه سواء أكان إنسانا أم جمادا أم غيرها مما له علاقة بهذا الحدث، فحديث السياقيين عن المقام كان من منطق البحث عن المعنى الدلالي وإظهاره لا من منطق البحث عن الصواب والخطأ ومطابقة الكلام لمقتضى الحال، ففكرة المقام عند البلاغيين كانت بهدف الوصول إلى أعلى مستوى بلاغي للنص(25)، وبحديث المحدثين عن الإشارة والإيماءة لما لها من دور في إبراز المعنى، نجد الجاحظ في البيان والتبيين يقول: “فأما الإشارة فباليد والرأس والعين والحاجب والمنكب إذا تباعد الشخصان وبالثوب والسيف (…) والإشارة واللفظ شريكان ونعم العون هي له ونعم الترجمان هي عنه وما أكثر ما تنوب عن اللفظ وتغنى عن الخط”(26) ، ثم يقول: “وفي الإشارة بالطرف والحاجب وغير ذلك من الجوارح مرفق كبير ومعونة حاضرة يسرها الناس من بعض ويخفونها من الجليس وغير الجليس ولو لا الإشارة لم يتفهم الناس معنى خاص الخاص ولجهلوا هذا الباب البتة”(27)، وهنا يتّضح لنا أن البلاغيين عنوا بحركات الشخوص وإيماءاتهم باعتبارها عنصرا من عناصر المقام كما فعل السياقيون.  وإلى جانب الجاحظ نجد عبد القاهر الجرجاني في حديثه عن “النظم”، الذي يتحدّد من حيث  هو إدراك لتلك القوانين النحوية، التي تنظم العلاقة الأسلوبية بين الوحدات اللغوية من منطق قضية الصواب والخطأ(28). لقد قام عبد القادر الجرجاني بربط النحو العربي من الوجهة السياقية بالدلالة، وهو يتفق في ذلك مع أصحاب النظرية السياقية في الدرس اللغوي الحديث، وهذا ما غفله النحاة قبله، فالمعنى الدلالي عنده عبارة عن النظم أو طرائق التعليق بين الكلم بالإضافة إلى المعاني الوظيفية للوحدات اللغوية على مستوى التركيب فيقول: “اعلم أن مثل واضع الكلام مثل من يأخذ قطعا من الذهب أو الفضة فيذيب بعضها في بعض حتى تصير قطعة واحدة وذلك أنك إذا قلت: “ضرب زيد عمرا يوم الجمعة ضربا شديدا تأديبا له”، فإنك تحصل من مجموع هذه الكلم على مفهوم هو معنى واحد، لا عدّة معان كما يتوهّمه النّاس وذلك لأنّك لم تأت بهذه الكلم  لتفيده معانيها وإنما جئت بها لتعيد وجوه التعلق بين الفعل، الذي هو ضرب وبين ما عمل فيه، والأحكام التي هي محصول التعلق”(29)، وهكذا فإن دراسة المعنى عند عبد القاهر الجرجاني مرتبط بالنظم خصوصا.

والأسلوب عامل أساس في طريقة النّظم وانسجامه، وكثيرا ما يخرج الأسلوب عن معناه الأصلي، الذي وُضع له إلى معنى آخر ليس له وإنما اقتضاه السياق الوارد فيه.

قسّم البلاغيون الأسلوب إلى قسمين: خبري وإنشائي، بُني الأسلوب الخبري على أحد الأمرين: إفادة المخاطب الحكم أو إفادة المخاطب علم المتكلم بالحكم، كقولنا “عمر ذكيّ” لمن لا يعلم أنه “ذكيّ” ويسمى هذا بفائدة الخبر، وأما كون المخبر عالما بالحكم، فهو كقولنا لمن “عمر” عنده ولا يعلم أننا نعلم ذلك: “عمر عندك”، ويسمى بلازم فائدة الخبر، لكن قد يخرج الخبر عن هذا الأصل الذي وُضع له، ليفيد معنى آخر غيره كإفادة معنى الأمر كما في قوله تعالى: ” وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ “(30) وقوله سبحانه: ” وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ “(31)، فصيغة الفعلين “يرضعن”، “يتربصن” صيغة خبرية، غير أنها قد اكتسبت معنى الأمر من خلال السياق الاجتماعي، الذي يعدّ التعاليم الإسلامية التي قضيت بذلك عنصرا من عناصره، كما يمكن للخبر أن يأتي بصيغة النهي نحو “لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ المُطَهَّرُونَ” وبمعنى الدعاء نحو “وإياك نستعين” أي أعنا، زمنه “تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ” فإنه دعاء عليه وكذا قاتلهم الله، فكل هذه المعاني الفرعية للخبر مكتسبة من السياق سواء لغويا أم اجتماعيا(32). أما بالنسبة للأسلوب الإنشائي فنجد البلاغيين قسموه إلى نوعين “طلبي وغير طلبي”، الطلبي يكون بصيغ منها الأمر، النهي، الاستفهام، التمني، النداء (…)، وأما غير الطلبي فيكون بصيغ كثيرة كالتعجب، المدح، الذم، القسم (…)، وكذلك صيغ العقود، وقد يخرج هذان النوعان عن معانيهما الأصلية إلى  معان أخرى فرعية بحسب ما يقتضيه السياق، منها:

  1. الاستفهام: وهو “طلب الفهم وهو بمعنى الاستخبار، فحقيقة الاستفهام وأصله هو طلب العلم بشيء لم يكن معلوما لدى المستفهم من قبل، إلا أن هناك كثيرا من أساليب الاستفهام تخرج عن هذا الأصل إلى معان أخرى قد استخلصت من السياق، ومن هذه المعاني نجد:
  • الإنكار: كما في قوله تعالى: ” قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ “(33) وكذلك ” فَقَالُوا أَنُؤْمِنُلِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ “(34)، فالهمزة في الأصل إمّا للتصور وهو إدراك المفرد، أو للتصديق وهو إدراك النسبة وليس في الآيتين شيء من ذلك، وإنما تفيدان الإنكار(35).
  • التقرير: وهو حمل المخاطب على الإقرار والاعتراف بأمر قد استقر عنده، ومن أمثلته في القرآن الكريم قوله سبحانه: ” أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ “(36)، وقوله تعالى: ” وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُبِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ “(37)، ففي الآية الأولى أدخلت همزة الإنكار على كلمة النفي، فأفيد معنى إثبات الكفاية وتقريرها، كذلك بالنسبة للآية الثانية.
  • التعجب: كما في قوله تعالى: ” كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ “(38) فبالرغم من أن الأسلوب هو الاستفهام إلا أن سياقه في هذه الآية يحمّله معنى الإنكار والتعجب.

ومن هنا يمكننا القول أنه لا يمكن الوقوف على هذه الأغراض غير الأصلية للأساليب السابقة إلا بالوقوف على السياق اللغوي وسياق الحال، ومن هنا نستطيع القول أن البلاغيين قد عرفوا كل أنواع السياق من منطلق هذه الأغراض البلاغية لهذه الأساليب، وإن لم تكن دراستهم للسياق من خلالها هدفا في حدّ ذاته(39)، لأنّ السياق باعتباره مصطلحا برز عند الغربيين، الذين فصّلوا فيه ودقّقوا في حيثياته ومعالمه، في حين أورده العرب في أبحاثهم دون تحديد منهجي واضح.

الفصاحة والسياق

 قسم العلماء العرب الفصاحة إلى مستويين، مستوى الأفراد ومستوى التركيب، أما المستوى الأول فهو مرتبط بالسياق الصوتي والمستوى الثاني فمرتبط بالسياق اللغوي، بالنظر في اللفظ المفرد وموقعه من العبارة أو الجملة، بتساؤل عنه مفاده هل اكتسب هذا اللفظ الفصاحة بهذا الموقع بين الألفاظ السابقة واللاحقة، إذ أنه من التركيب تتضح فصاحته وبلاغته، وهذا ما نجده عند المحدثين فيما يعرف بالسياق اللغوي، الذي يتعلّق بالجانب التركيبي للغة، إذ تتحدّد الوحدة اللسانية من خلال ما يسبقها ويلحقها من وحدات أخرى، يعرّفه جون ديبوا J.Dubois قائلا: ” نسمي السياق أو السياق التّلفظي مجموعة النصوص التي تتموقع فيها وحدة لسانية معيّنة، أي العناصر التي تسبق وتلحق بها”(40)، ويعني نظم الكلمة في الجملة وموقعها من ذلك النظم، ومكمن الاختلاف بينهم وبين البلاغيين فقط هو أن موقع الكلمة في النّظم عند المحدثين هو لأجل البحث عن الدّلالة، بينما هو عند البلاغيين أساس البحث عن جودة التّماسك وحسن الصياغة مع ارتباطها أيضا بالدلالة، بعبارة شهيرة متداولة هي: “إيصال المعنى إلى القلب مع أحسن صورة من اللفظ”.

إن حديث البلاغيين عن الفصاحة على مستوى التركيب أقرب إلى السياق اللغوي، حيث نظروا إلى الكلمة على أنها جزء من وحدة أكبر هي الجملة أو العبارة، فكان حكمهم بالفصاحة أو عدمها على هدي من ذلك، وهذا ما نجد له وضوحا عندهم عند حديثهم عن الإعجاز القرآني في سياقه اللغوي، خاصة بتساؤلهم عن علاقة الوحدات اللغوية في النص القرآني الكريم، ومثالنا هنا قوله تعالى: ” قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ “(41)، فقد تساءلوا: أيهما أكثر ملاءمة وتجانسا في السياق أن يقول: أكله الذئب أو أفترسه الذئب؟ لأن الافتراس أنسب لكلمة الذئب من الأكل، حيث يقال “افترس السبع”، علما أنّ الافتراس من صفات الحيوانات المتوحّشة.  يقول الخطابي في كتابه “بيان إعجاز القرآن”: فأما قوله تعالى “فأكله الذّئب” فإن الافتراس معناه في فعل السبع القتل، والقوم ادعوا على الذئب أنّه أكل أكلا، وأتى على جميع أجزائه وأعضائه، فلم يترك مفصلا ولا عظما، وذلك أنهم خافوا مطالبة أبيهم إياهم بأثر باقٍ منه يشهد بصحة ما ذكروه، فدفعوا فيه الأكل ليزيلوا عن أنفسهم المطالبة، فلم يصلح على هذا إلا أن يعبر عنه بالأكل، على أنّ لفظ الأكل شائع الاستعمال في الذئب وغيره من السباع”(42)، ومن هنا كان التعبير بقوله سبحانه “أكله” أكثر ملاءمة وترابطا مع السياق من “افترسه”، بحيث يتلاءم مع السياق الاجتماعي أيضا. هكذا يتراءى لنا أن حديث البلاغيين عن الفصاحة على مستوى الكلمة وعلى مستوى التركيب يقترب في كثير من جوانبه من حديث اللغويين المحدثين عما يسمى بالسياق الصوتي متمثلا في الفصاحة على مستوى الكلمة، والسياق اللغوي متمثلا في الفصاحة على مستوى التركيب(43)، والفارق واضح بينهما رغم تكاملها في ضمان انسجام النصّ وتماسكه.

2-                السياق والنقد الأدبي

اعتنى العرب القدماء منذ العصر الجاهلي ببعض الأسس النقدية التي يتراءى لنا فيها اهتمامهم بالسياق اللغوي، فكانوا يفاضلون بين الشعراء، ويؤثرون كلمة مكان كلمة أخرى تكون أبْيَن للدلالة وأدق في وصف المراد، إلى جانب اعتنائهم بأوضاع الكلمة في الجملة من حيث التقديم والتأخير. ومن بين تلك النظرات النقدية التي وُجدت عند القدماء في مجال النقد الأدبي ما يروى عن النابغة وحسان بن ثابت، حيث كان النابغة تُضرب له قبة حمراء من أدم بسوق عكاظ، فيأتيه الشعراء ليعرضوا عليه أشعارهم، ومن بين المواقف النقدية التي دُونت عن النابغة حينما أنشده “ميمون بن قيس أبو بصير” قائلا:

ما بكاء الكبير بالإطـلال     وسؤالي وما تُرد سؤالي

ثم أنشده “حسان بن ثابت الأنصاري” قائلا:

لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحا    وأسيافنا يقطرن من نجده دما

ولدنا بني العنقاء وابني مرحق     فأكرم بنا خالا وأكرم بنا ابننا

فقال النابغة: أنت شاعر ولكنك أقللت جفانك وأسيافك وفخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن أنجبك(44)، ويروى أيضا أن النابغة طعن في بيت “حسان بن ثابت في قوله: “لنا الجفنات الغر…” حيث كان ممكنا أن يقول “البيض”، لأن الغرة مكان قليل في لون آخر غيره، وكذلك قوله “يلمعن بالضحى ولو قال “الدجى” لكان أحسن، وكذلك قوله: “وأسيافنا يقطرن من نجده دما”، فلو قال “يجرين” لكان أحسن إذ الجري أكثر من القطر (…)، فهي بمثابة لفتة نقدية من قِبل النابغة اتجاه السياق اللغوي، الذي يعنى بوضع الكلمة في سياقها مع الجملة أو العبارة وأدائها للمعنى المراد، ويمكن أن نلخّص هذه اللفتة النقدية للنابغة بقولنا أنها تقوم:

-                   على أساس من السياق اللغوي، وهو علاقة الكلمة بالكلمات المجاورة لها على مستوى الجملة أو العبارة أو النص.

-                   على أساس من المقام أو سياق الحال، وهو أن الموقف موقف فخر وزهو، لهذا كان لزاما على الشاعر أن يأتي بأنسب الكلمات الخادمة لموقفه الحالي.

 

3-                 السياق عند الأصوليين

انتبه الأصوليون – علماء الأصول- إلى السياق بمعناه الشمولي والعام لإبراز وعيهم بقيمة السياق ومكانته ودوره في تحقيق “الانسجام النفسي”، فقام علماء أصول الفقه بحصر مباحث علم الأصول في أقسام أربعة هي: الأحكام الشرعية، الأدلة الشرعية، طرق الاستبدال –القواعد الأصولية اللغوية-، أحكام الاجتهاد. وقد اهتموا باللغة بهدف استنباط الأحكام الشرعية من النصوص القرآنية والسنة بالاعتماد على مقدمات عامة من أصل اللغات، وعن الأسماء اللغوية والعرفية والشرعية، وعن الحقيقة والمجاز. مثلا: تقديم المعنى اللغوي والاصطلاحي للكلمة. ومن بين دوافع الأصوليين أساسا في اهتمامهم بالسياق هي محاولة كشف وتحليل دلالة الألفاظ وعلاقتها بالمعاني، وقد وجدوا لهذه العلاقة عدة اعتبارات وقسموها إلى أربعة (4) أقسام:

أ‌-                   اللفظ باعتبار المعنى الذي وضع فيه: وعالجوا فيه الخاص والعام المشترك.

ب‌-              اللفظ باعتبار المعنى الذي استعمل فيه: وعالجوا فيه الحقيقة والمجاز.

ت‌-              اللفظ باعتباره ظهورا للمعنى أو لخفائه: وقسموه إلى ظاهر وخفي.

ث‌-              اللفظ باعتباره طرق الوقوف على مراد المتكلم.

وهي أقسام تبرز اهتمام الأصوليين بمختلف أشكال العلاقة، التي تربط اللفظ بالمعنى سواء على المستوى المعجمي أو التركيبي أو السياقي، حيث أدركوا أن للسياق دورا مهما، فهو يتدخل في الانجاز، ومن بين القضايا التي كان فيها حضور للسياق ووعي بقيمته عند الأصوليين نجد:

1-                 اعتناءهم بدلالة اللفظة المفردة، حيث أدرجوا فه العام والخاص والمشترك وهي بمجملها تدخل في السياق:

العام هو لفظ يدل حسب وصفه اللغوي على أفراد غير محصورين على سبيل الشمول والاستغراق، وقد تكون دلالته بلفظة أو بمعناه. مثال: على مستوى اللفظ: المسلمون، الرجال… وعلى مستوى المعنى: ما، من … فهي تعود على المعنى. يعتبر مبحث “العام” من أهم مباحث الأصوليين حيث اجتهدوا فيه وظهرت اختلافات بينهم لاختلافهم في الحكم، فتولدت عنه مسائل هامة في مبحث الدلالة المعاصر كقولهم “ما من عام إلا خصص”. مثلا: لفظ الصلاة وُضع في اللغة للدعاء، ثم خصص الاصطلاح الشرعي بدعاء مخصوص مع إضافة أقوال وأفعال. (…)، وهنا يمكن إثارة ما يدعى بعبارة النص التي يقصد منها الصّيغة المكوّنة للنص من حيث المفردات والجمل، والمراد ما يفهم من عبارة النص المعنى الذي يتبادر فهمه من صيغته (أي بنيته اللغوية) أو المعنى الحرفي(45)، فحتّى نتعرّف على دلالة كلمة من الكلمات وباعتبار تعدّدها الدّلالي ينبغي العودة إلى ما يسبقها وما يلحقها في الجملة التي وردت فيها.

أما الخاص فهو لفظ وضع لدلالة على واحد مفرد سواء أكان شخصا كمحمد أو نوعا كإنسان أو جنسا كحيوان، ويندرج في الخاص: المطلق والمقيد، الأمر والنهي، وأما المشترك اللفظي فهو حسب الأصوليين دال على معنيين مختلفين فأكثر. مثلا: لفظ “عين” تكون الجارحة، الجاسوس، النبع، المال، السحابة، المطر (…) فلفظ “عين” لا يمكن أن تستقر دلالتها المقصودة إلا اعتمادا على السياق، الذي تحدّده فاطمة بوسلامة:” يقصد بالسياق ما يسبق أو يلحق ما هو موضع بيان أو تأويل، أو جملة العناصر المقالية المحيطة بالآية أو الجملة موضوع الدّراسة”(46)، فحتّى نتعرّف على دلالة كلمة “عين” ولاعتبار تعدّدها الدّلالي ينبغي العودة إلى ما يسبقها وما يلحقها في الجملة التي وردت فيها.

2-                 اللفظ باعتبار المعنى الذي استعمل فيه، قسّم الأصوليون اللفظ باعتبار المعنى الذي، استعمل فيه إلى قسمين “الحقيقة والمجاز” ولا يوصف اللفظ باعتبار الحقيقة إلا بعد الاستعمال، [...] وهذا ينبع من اعتناء الأصوليين بالوظيفة الجمالية للفظ على اعتبار أنها تتبع الإيصال والإبلاغ على شكل إجراء يُساعد على فهم النص الديني وضبط كيفية اشتغاله بدقة وعمق كبيرين.

أما بالنسبة للحقيقة فقد تعاملوا معه لغة واصطلاحا، فلغة يعني اللفظ المستعمل فيما وضع له مثل: أسد للحيوان. واصطلاحا نجد الحقيقة عند الأصوليين، اللفظ المستعمل فيما وُضع له في اصطلاح التخاطب، والملاحظ أنه تعريف يتقاطع مع بعض الدراسات اللسانية المعاصرة حيث أن الكلمات لا تمتلك معاني مسبقة بل استعمالات، وهو ما أثاره التّداوليون في العصر الحديث، يقول محمد سويرتي:” إنّ استعمال اللغة من المنظور التّداولي غائي، فالتّكلّم يتمّ لتحقيق غاية ما أو هدف معيّن أو إشباع حاجة محدّدة أو الحصول على فائدة، فلذا تستعمل اللغة للأغراض والمقاصد والمآرب ذاتها بصفة فعلية وعملية في سياقات مختلفة ومقامات متباينة”(47) ، والفكرة ذاتها قد أثيرت عند اللسانيين ومنهم بيير جيرو في قوله :” إنّ اللسانيات تعتبر أنّ الكلمات لا تحتمل فقط معاني وإنّما لها استعمالات، وإنّ معاني الكلمات ليست شيئا آخر إلاّ جملة استعمالاتها”(48) . وقسم الأصوليون الحقيقة إلى لغوية وشرعية… واللغوية تنقسم إلى أقسام وهذا يدل على انتباه الأصوليين إلى السياق متمثلا في تمييزهم بين الدلالة الأولى للكلمة “الحقيقة اللغوية الوضعية” والدلالة العرفية، والتي تعني عند الأصوليين التغيير الدلالي الذي يلحق الكلمة، فدلالة الألفاظ عندهم تحدد بالاستعمال، وهذا ما تبنّته التداوليات.

أمّا “المجاز” فحُدّد لغة واصطلاحا، فهو عند الآمدي ” اللفظ المتواضع على استعماله في غير ما وضع له أولا في اللغة”، وعند الغزالي يعرفه “المجاز” ما استعمله العرب في غير موضعه”، ويشترطون لصحة المجاز وجود علاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي أي وجود مناسبة واتصال بين المعنى الأصلي والمعنى الفرعي، يكون أعم من المشابهة أو غيرها. حاول الأصوليون تحديد أسباب وقوع المجاز منها: سبب صوتي، سبب نفسي، سبب جمالي، سبب مقامي (…) وهي تشير إلى التفات الأصوليين إلى مسألة السياق ودوره في تحديد المعنى المقصود، وقد تنبّه اللغويون القدماء إلى أن مجيء الإسلام قد أحدث تغييرا دلاليا في كثير من الألفاظ: لفظ “الصلاة” مثلا كان يدل في وضعه الأول على الدعاء ثم في الإسلام ليدل على العبارة المخصوصة لأن الدعاء جزء من الصلاة.

3-        اللفظ باعتبار الوضوح والخفاء، إنّ مسألة وضوح اللفظ وغموضه وعلاقة ذلك بالمعنى تواجه بشكل لافت مستعملي اللغة ودارسي المعنى، مما دفع بالأصوليين إلى تبني دراسة الوضوح والخفاء في الألفاظ من خلال استعمالها في النصوص الشرعية، والاستعمال يحيلنا إلى مقتضى الحال، يقول السكاكي:” ولا يتّضح الكلام في جميع ذلك اتّضاحه إلاّ بالتّعرّض لمقتضى الحال”(49).

ونخلص لننوه بدور الأصوليين وتفردهم بتصورات لغوية لا نجد لها مثيلا عند غيرهم، من هذه النتائج تمثيلا لا حصرا نذكر:

-          إقرارهم بحقائق لغوية عديدة تجعلهم يتقاطعون مع الدرس اللساني الحديث خاصة الدلالي والتداولي.

-          محاولتهم وضع قواعد وضوابط ومصطلحات في غاية الدقة، تثبت ارتكاز نظريتهم اللغوية على أساس عقلي ومنطقي.

-          اهتمامهم بكل مستويات السياق، ساعيين من خلالها إلى إبراز الاتساق النصي الديني في بعديه الدلالي والتداولي.

إن السياق من بين الروافد المعرفية، التي تقف عليها النصوص كيفما كانت، وغالبا بل إن لم نقل دائما ما يتعثر الدارس في استنباط معنى نص ما، إذا لم يُلم بسياقه، وحجتنا هنا التي نزعم بها وقوفنا على رأينا هذا أنه غالبا ما تتغير دلالة نص معين في سياقين مختلفين، وهنا تدخل المعارف القبلية –المعرفة الخلفية- في تحديد هذه الدلالة النصية، ومن هنا يمكننا القول إنّه يصعب الحديث عن سياق مباشر في النص الشعري بالخصوص، والبحث في سياق نص أدبي ما ينبغي أن يُعتمد فيه على النص نفسه، إذ أن هذا الأخير يبني هذا السياق طوعا أو كرها من أجل أن يحيا كنصّ، ثمّ إنّه غالبا ما تكون المعارف الموسوعية المرتبطة بالتقاليد الأدبية، وبمنتج النص بمثابة موجّه للقارئ في بناء سياق النص. أمّا المعرفة الخلفية في النص سواءُ تعلق الأمر بالإنتاج أم بالتلقي، فهي تساهم بشكل فاعل في بتر العلاقة المتوترة بين القارئ والنص وبالتالي تجعله قادرا على الفهم والتأويل.

وإن كانت هذه هي النتائج المستنبطة بشكل عام، فإنّ القول سيوجّهنا إلى التّذكير أنّ النحويين واللغويين وكذا البلاغيين القدامى أدركوا فكرة السياق اللغوي وسياق الحال أو المقام، ويتجلى ذلك في مختلف الظواهر، التي وقفوا عندها والتي تبرز استيعابهم لحمولة هذا المصطلح، وكان ذلك على طريقتهم التي تختلف نوعا ما عمّا هو متداول حديثا، بينما أخذ الأصوليون السياق بمعناه المقامي والمقالي في الحسبان، وذلك في أثناء البحث عن الدلالة التامة وصولا إلى الحكم الشرعي، وكان حديثهم عن ذلك مباشرا في أغلب الأحيان مما يدل على إدراك تام بمفهوم السياق بمعناه الاصطلاحي.

 

الهوامش:

1- علي أيت أوشان، السياق والنصّ الشعري من البنية إلى القراءة،   مطبعة النّجاح الجديدة، ط1، الدار البيضاء ، المغرب، 2000، ص 16-17.

2- مجموعة من المؤلفين، آفاق التّناص المفهوم والمنظور، تعريب وتقديم محمد خير البقاعي، ط1، جداول للنشر والترجمة والتويع، بيروت 2013، ص52.

3ـ تعدّ لسانيات النصّ أحدث فروع اللسانيات، ولها علاقة جدّ وثسقة بما يدعى بـ”النص”، إذ تنطلق منه لدراسته دراسة لسانية مؤسسة على وصفه وتحليله متجاوزة دراسة الجملة التي توقّف عندها القدماء والمحدثون من المدرسة البنوية، ينظر في : جمعان بن عبد الكريم، إشكالات النّص دراسة لسانية نصّية، النّادي الأدبي بالرياض والمركز الثقافي العربي، ط1، بيروت 2009، ص 19.

4 ـ هنا استعملنا مصطلح النص الشّفوي إحالة إلى أصوله الأوّلية ومرجعيته المتداولة، فحسب والترج.أونج فإنّ الأدب يشير إلى حروف الأبجدية Lettres، بينما مصطلح النصّ يدل جذره على النّسيج وينطبق أكثر من حيث الاشتقاق على التّعبير الشفاهي، لكن الكتاب يستخدمون مصطلح النصّ للإشارة إلى الأداء الشّفاهي ويتصورونه موازيا للكتابة. أنظر: أونج، الشفاهية والكتابية، والترج، ترجمة حسن البناء عزّ الدّين، مراجعة محمد عصفور، عالم المعرفة، الكويت 1994، ص 50.

5- عبد النعيم خليل، نظرية السياق بين القدماء والمحدثين دراسة لغوية نحوية دلالية، ط1، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر،   الإسكندرية 2007، ص 337.

6- المرجع السابق، ص 340.

7ـ  سياق الحال هو العالم الخارج عن اللغة بما له من صلة بالحدث اللغوي أو النّص، ويتمثّل في الظروف الاجتماعية والنّفسية والثّقافية للمتكلّم والمشتركين في العالم، ينظر: حلمي خليل، الكلمة دراسة لغوية معجمية، ط2، دار المعرفة الجامعية، الاسكندرية 1995، ص 161.

8- P.Charaudeau, D.Mainguenau, Dictionnaire d’Analyse du discours, Editions du seuil, Paris 2002, P 99.

9- نقلا عن عبد النعيم خليل، نظرية السياق بين القدماء والمحدثين دراسة لغوية نحوية دلالية، ص 341.

10- زبير دراقي، محاضرات في اللسانيات التّاريخية والعامة، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1990، ص 93-94.

11- نقلا عن عبد النعيم خليل، نظرية السياق بين القدماء والمحدثين دراسة لغوية نحوية دلالية ، ص 349.

12- المرجع نفسه، ص 350.

13- علي أيت أوشان، السياق والنصّ الشعري من البنية إلى القراءة، ص 77، 78.

14- J.M, Adam, Linguistique textuelle, des genres du discours aux textes, Editions Nathan, Paris 1999, P 120.

15- محمد خطابي، لسانيات النص، مدخل إلى انسجام الخطاب، ط2، المركز الثّقافي العربي، المغرب 2006، ص 302.

16- المرجع السابق، ص 303.

17- المرجع نفسه، ص 225، 226.

18- محمد المبارك، استقبال النص عند العرب، ط1، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1999، ص 109.

19- سورة الزمر، الآية: 17، 18.

20- نقلا عن أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، البيان والتبيين، تحقيق عبد السلام هارون، ط7، مكتبة الخانجي للطباعة والنّشر والتّوزيع، ج1، القاهرة 1998، ص 115-116.

21- السكاكي أبو يعقوب، مفتاح العلوم، تحقيق عبد الحميد هنداوي، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت 2000، ص 256.

22- محمد، مشبال، البلاغة والسّرد، جدل التّصوير والحجاج في أخبار الجاحظ، جامعة عبد الملك السعدي، المغرب 2010، ص 25.

23- عبد النعيم خليل، المرجع السابق، ص 161.

24 ـ  يُقصد بالسياق الاجتماعي هنا النص في التفاعل والمؤسسة الاجتماعية حيث أن الأفعال الكلامية هي أفعال اجتماعية تنتج في سياقات من التفاعل التواصلي ضمن مقامات اجتماعية، وحسب “فان ديك” فإن ميدان اللسانيات الاجتماعية وسوسيولوجيا اللغة هما الأكثر اهتماما بالعلاقات القائمة بين السياق الاجتماعي واستعمال اللغة، إذ أنّ النص باعتباره فعلا كلاميا لا يحدد فقط المقام الاجتماعي أو بالأحرى التأويل الذي يعطيه له المستعمل/ المشارك، إنما المقام الاجتماعي نفسه تحدده كيفية استعمال اللغة.

25- المرجع نفسه، ص 162.

26- أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، البيان والتبيين، ط1، دار الفكر العربي، بيروت 2000، ص 44.

27-  المرجع السابق، الصفحة نفسها.

28- نقلا عن عبد النعيم خليل، المرجع السابق، ص 172.

29- عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، تحقيق محمود محمد شاكر، ط1، مطبعة المدني، السعودية 1991، ص 316.

30- سورة البقرة، الآية: 233.

31- سورة البقرة، الآية: 228.

32- عبد النعيم خليل، المرجع السابق، ص 177.

33- سورة الشعراء، الآية: 111.

34- سورة المؤمنون، الآية: 47.

35- عبد النعيم خليل، المرجع السابق، ص 178.

36- سورة الزمر، الآية: 36.

37- سورة الأعراف، الآية: 172.

38- سورة البقرة، الآية: 28.

39- ينظر: عبد النعيم خليل، المرجع السابق، ص 186.

40- J.Dubois et Autres, Dictionnaire de Linguistique, Larousse, Paris 1999, P 116.

41- سورة يوسف، الآية: 17.

42- بيان إعجاز القرآن، الخطابي، ص 37، نقلا عن عبد النعيم خليل، المرجع السابق، ص 188.

43- ينظر: عبد النعيم خليل، المرجع السابق، ص 188.

44- المرزباني : الموشح، ص 60، نقلا عن عبد النعيم خليل، المرجع السابق، ص 189.

45- محمد يوسف حبلص، البحث الدّلالي عند الأصوليين، ط1، مكتبة عالم الكتب، القاهرة 1991، ص 42-43.

46- فاطمة. بوسلامة،، “السياق عند الأصوليين: المصطلح والمفهوم”، مجلة الإحياء، ع25، الرّابطة المحمدية للعلماء، دار أبي الرقراق، الرباط 2007، ص25.

47- محمد سويرتي، ” اللغة ودلالاتهاـ تقريب تداولي للمصطلح البلاغي”، عالم الفكر، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت 2000، ص 30.

48- Pierre. Guiraud, La Sémantique, 1ereEdition, Que sais-je ? P.U.F, P 91.

49- السكاكي، أبو يعقوب،  مفتاح العلوم، ص 256.

المراجع:

*القرآن الكريم

 [1] – علي أيت أوشان، السياق والنصّ الشعري من البنية إلى القراءة، مطبعة النّجاح الجديدة، ط1، الدار البيضاء ، المغرب، 2000.

2-أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، البيان والتبيين، تحقيق عبد السلام هارون، ط7، مكتبة الخانجي للطباعة والنّشر والتّوزيع، ج1، القاهرة 1998.

3 – السكاكي، أبو يعقوب، مفتاح العلوم، تحقيق عبد الحميد هنداوي، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت 2000.

4 -أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ، البيان والتبيين، زكريا عميرات، ط1، دار الفكر العربي، بيروت 2000.

5 – محمد، مشبال، البلاغة والسّرد، جدل التّصوير والحجاج في أخبار الجاحظ، جامعة عبد الملك السعدي، المغرب 2010.

6 – عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، تحقيق محمود محمد شاكر، ط1، مطبعة المدني، السعودية 1991.

7 – محمد يوسف حبلص، البحث الدّلالي عند الأصوليين، ط1، مكتبة عالم الكتب، القاهرة 1991.

8 – فاطمة. بوسلامة، “السياق عند الأصوليين: المصطلح والمفهوم”، مجلة الإحياء، ع25، الرّابطة المحمدية للعلماء، دار أبي الرقراق، الرباط 2007.

9- محمد سويرتي، ” اللغة ودلالاتهاـ تقريب تداولي للمصطلح البلاغي”، عالم الفكر، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت 2000.

10- مجموعة من المؤلفين، آفاق التّناص المفهوم والمنظور، تعريب وتقديم محمد خير البقاعي، ط1، جداول للنشر والترجمة والتويع، بيروت 2013.

11-جمعان بن عبد الكريم، إشكالات النّص دراسة لسانية نصّية، النّادي الأدبي بالرياض والمركز الثقافي العربي، ط1، بيروت 2009.

12-والترج، أونج، الشفاهية والكتابية، ترجمة حسن البناء عزّ الدّين، مراجعة محمد عصفور، عالم المعرفة، الكويت 1994.

13 – عبد النعيم خليل، نظرية السياق بين القدماء والمحدثين دراسة لغوية نحوية دلالية، ط1، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر،   الإسكندرية 2007.

14-حلمي خليل، الكلمة دراسة لغوية معجمية، ط2، دار المعرفة الجامعية، الاسكندرية 1995.

15 – زبير دراقي، محاضرات في اللسانيات التّاريخية والعامة، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1990.

16 – محمد خطابي، لسانيات النص، مدخل إلى انسجام الخطاب، ط2، المركز الثّقافي العربي، المغرب 2006.

17- محمد المبارك، استقبال النص عند العرب، ط1، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1999.

19- P.Charaudeau, D.Mainguenau, Dictionnaire d’Analyse du discours, Editions du seuil, Paris 2002.

20 – J.M, Adam, Linguistique textuelle, des genres du discours aux textes, Editions Nathan, Paris 1999,.

21 – J.Dubois et Autres, Dictionnaire de Linguistique, Larousse, Paris 1999,.

22 – Pierre. Guiraud, La Sémantique, 1ereEdition, Que sais-je ? P.U.F.


أضف تعليق