تجليات الجسد المعذب في الشعر الثوري الجزائري/ وسيلة بكيس

مقال نشر بالعدد الرابع من مجلة جيل الدراسات الأدبية والفكرية ص  53، من إعداد  الأستاذة وسيلة بكيس/ جامعة سطيف

 للاطلاع على كل العدد يرجى الضغط على غلاف المجلة: 

 

JiL Literary 3

تجليات الجسد المعذب في الشعر الثوري الجزائري

الشعر السجني أنموذجا ما بين 1954 و 1962

أ. وسيلة بكيس/ جامعة سطيف

 

ملخصالدراسة :

يعالج هذا البحث موضوعة الجسد وتجليات هذا الجسد المعذب في الشعر الثوري الجزائري، حيث تبرز مظاهره أكثر في الشعر السجني في الفترة ما بين 1954 و1962. منذ آمن الشعب الجزائري بضرورة الكفاح المسلح حتى ينفض ذاك القهر، ويكسر تلك القيود والأغلال التي فرضتها السياسة الاستعمارية عليه منذ قرون خلت. إذ حشدت لذلك كل الوسائل الهمجية للقضاء على الجزائريين، وجبرهم على الموت والاندثار؛ فاستهدفت الشعب روحا وجسدا، ولقد كان حشد الشعب في  ”السجون” صورة أخرى من صور القمع ووسيلة همجية لتعذيبه والنيل منه. لكن الذات الشاعرة لا تهدأ ولا تستكين لهذا المصير، بل تتحداه وتتجاوز قيوده وقمعه وعذابه، لتحلق روح الشاعر إلى آفاق سامية تنم عن ثورة داخلية يحياها السجين، لتصل إلى الحرية المسلوبة ولو على مستوى المتخيل الخاص والشعري ومن هؤلاء الشعراء نذكر على سيبل المثال لا الحصر: محمد سعيد الزاهري، مفدي زكريا، عبد الكريم العقون، محمد العيد آل خليفة، أبو القاسم سعد الله، أحمد سحنون….إلخ.

الكلماتالمفتاحية: الشعر / السجون / الجسد / العذاب/ الثورة الجزائرية

 

*الهاجس الثوري  والإبداعي في الشعر السجني الجزائري:

منذ توهج وعيُ الشعب الجزائري بضرورة الكفاح المسلح، وإيمانه المطلق بضرورة العمل ثوري ضد المستعمر الفرنسي، بسبب ظروف عديدة ومتباينة منتهجا سبيل الحركات التحررية في العالم بأسره، فإنه سعى جاهدا لتمكين تلك الظروف وتجسيدها بأنها الحل الأنسب للوصول إلى نيل الحرية. فثورة التحرير التي اشتعل لهيبها في الفاتح من نوفمبر لم يكن تاريخا اعتباطيا؛ إنه عنوان قدر جديد للجزائر ولدت من رحمه ثورة مظفَّرة جذورها عزة وكرامة وحرية هذا الوطن، قوتها روح الشعب الجزائري، طاقتها قلوبهم المؤمنة بنصرها الواعية بالصبح الذي يسفر بعد انقضاء الليل مهما طال.

فآمن الجزائري بأن حياة الذل والاضطهاد، والعنف والتعسف… كلها حياة لا تؤسس للأمن والاستقرار الدائم فهي حياة مضطربة متدهورة دائمة البحث عن قاعدة تؤسس لأمنها، ولا تنفك تروم سيادتها حتى تنفض ذاك القهر، وتكسر تلك القيود والأغلال. ولا غرابة في ذلك فالحرية تؤخذ ولا تُعطى وتنتزع ولا توهب مهما طال زمن الرقود ومهما فعل المجرم المستعمر من قوة وبطش وأساليب التعذيب وطمس الهوية وتذهيب الأخلاق ودحضها بشتى الطرق والوسائل، فإن إرادة الشعوب في الحياة تفوقها كل إرادة ولا تقف في وجهها أي عقبة فَهِمة ابن آدم لو تعلقت بالثُّريا لأدركها كما قال خير البرية ـ عليه الصلاة والسلام ـ وهي أيضا سنة كونية تمر عليها البشرية جمعاء. تتمثل في قول عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا” ثم نجد الحركات التحررية العربية والعالمية تناشد هذه المقولات التي تأسست عليها الجبلة الأولى… وهو أيضا ما عبر عنه أبو القاسم الشابي بقوله:

إذا الشّعْبُ  يَوْمَاً  أرَادَ   الْحَيَـاةَ

 

 

فَلا  بُدَّ  أنْ  يَسْتَجِيبَ   القَـدَر

وَلا بُـدَّ  لِلَّيـْلِ أنْ  يَنْجَلِــي

 

 

وَلا  بُدَّ  للقَيْدِ  أَنْ  يَـنْكَسِـر

وَمَنْ  لَمْ  يُعَانِقْهُ  شَوْقُ  الْحَيَـاةِ

 

 

تَبَخَّـرَ  في  جَوِّهَـا   وَانْدَثَـر

     

كما أن الحرية تؤخذ ولا تُعطى: فالشعب إذا أراد الحياة، فليكن كالأمم الأخرى التي ناشدت الحياة فبلَغتها بعز عزيز، وناشدتها بقوة وقرار مكين. كان لابد لهذه التحولات الثورية أن تُحدث أخاديدها على الواقع والشعب الجزائري، إذ فجرت كوامن الإبداع لدى شعراء هذا البلد، فاستنهضوا الهمم وبشروا بالحرية المصلوبة على أبواب أرواحهم وأجسادهم في ظل القمع والبطش الذي يمارسه المستعمر ضد هذا الوطن وخيراته وضد أبنائه.

ولقد كان الشعر قوام هذه الثورة بكل عنفه وقوة توهجه الإبداعي، وعنوانا آخر لوجودٍ إنساني وحس قومي من لدُّن الشعب الجزائري وشعرائه “فكان في هذه الفترة مسايرا للمجتمع الجزائري في جميع مناحيه، ومرآة صافية عكست عواطف الشعب وكفاحه “(1) ولأن همجية المستعمر في قمع الشعب الجزائري وخفوت نضاله، جعلته يستغل شتى الوسائل القمعية لقهر أبناء هذا الشعب والقضاء على ثورته، فسخرت لذلك طاقات رهيبة ووحشية وسلطت عليه أقسى أنواع القهر “فحشدوا لذلك كل وسيلة همجية ممكنة لإرهاب الجزائريين، وجبرهم على الموت والاندثار”(2) استهدفت سياسة المستعمر الشعب روحا وجسدا، بعدما أدركت أن الخطر عليها لا يمكن أن يزول إلا بقهر إرادة هذا الشعب في النصر والحرية، فكان السجن صورة أخرى من صور القمع ووسيلة همجية للتعذيب والنيل من الشعب الجزائري روحا وجسدا “ولاشك أن السجن هو الحدث التاريخي المبتكر ليتماشى مع مستلزمات المرحلة الراهنة، إنه اكتشاف ملائم باعتباره يخفي جلافة الجلاد، فبدل وحشية وضراوة القتل العلني يظهر العزل، في صورة أرحم حيث يوقع العقوبة بقدر الخرق وأثره، بمعنى الاستعاضة عن تقنية الإدانة والتنكيل بتقنية إثبات الجرم، وتعيين طبيعته لدرء شبهة الظلم المؤسس”(3)

* الذات الشاعرة بين الحرية المسلوبة وسجن الجسد الثائر:

منذ أن اغتصب المستعمر الفرنسي هذه الأرض، مارس شتى فنون العذاب والقتل والإبادة والتنكيل والتدمير لكل مظاهر الحياة…، والزج بالشعب في مجاهيل السجون والتصرف في رقابهم المسلوبة بالقتل والتعذيب. فكان أفراده يقضون أياما مطرزة بأشد أنواع التعذيب، محفوفة بالمخاطر بين جدران مظلمة الجوانب خلعت شمسها عنها نورها من قساوة ظلم المستعمر، وحجبت عن أعينهم نور الحرية الذي تسموا به أنفسهم. (4) ولا يعالج الشعر السجني الجزائري موقف شاعر خاص أو أزمته النفسية أو الفكرية، إنما يعالج قضية أمة بأكملها. لذلك كان هاجسه الثورة وهمه الحرية والانتصار، وكانت موضوعاته تدور في فلك هذا الهاجس الكبير فلم تخرج عن دائرة:

ـ الدعوة للثورة واستنهاض الهمم لها.

ـ التنديد بالظلم والقهر والذل والهوان الذي يلاقونه من طرف المستعمر.

ـ خلق القصيدة الثورية المتحررة رغم السجن والقيود.

ـ العبودية للمستعمر التي يراها الشاعر استلابا لجسده ولروحه.

ـ وصف مجاهيل السجون الفرنسية وأنواع العذاب القاهر الذي يكابده الشعب الجزائري.

ـ الدفاع عن قضيتهم الثورية بخلاف كل المسجونين في التاريخ، فهم لم يرتكبوا جرما أو إثما أو سرقة أو قتلا أو اعتداءً على حرمات أحد؛ وإنما ذنبهم أنهم قالوا: لا للمستعمر، أنهم قاوموا المحتل لأرضهم…فكان جزاء مئات الآلاف أن سيقت رقابهم إلى مجاهيل السجون،تنتظر عذابها أو موتها المحتوم بإعدامها، في السجن أوالحبس أوالمعتقل أوالمحتشد أومركز الاستنطاق مهما تعددت مسمياته لدى المستعمر إلا أنها تدل على مكان واحد تزجهم فرنسا فيه، بين جدرانه تُفقَدُ الحرية وتُعطَل الحركة، وتُفقد كل مظاهر الحياة بإقامة جبرية تحت وحشية العذاب والتنكيل.

في هذا الفضاء الخانق المنعدم لأدنى قيم الحياة، يُحبس الجسد الثائر وتُمارس عليه كل أنواع التعذيب والقهر والحرمان، “فالتعذيب تقنية …فهي يجب أولا أن تُحدث كمية من الوجع إن لم يكن بالإمكان قياسها بدقة يمكن تقديرها ومقارنتها وترتيبها…فالموت التعذيبي هو فن إمساك الحياة في الوجع، وذلك بتقسيمه إلى ألف موتة مع الحصول قبل أن تتوقف الحياة على أشد حالات الفزع…التي تقاوم حضورها لتُلقي بها في نهاية المطاف إلى عَدَمٍ مُطبق”(5)لكن الذات الشاعرة لا تستكين لهذا المصير، بل تتحداه وتتجاوز قيوده، وتحلق روح الشاعر إلى آفاق سامية تنم عن ثورة داخلية يحياها السجين، تصرخ برفضها القيد والذل والهوان لتصل إلى الحرية المسلوبة ـ ولو مؤقتا ـ  وتعبر عنها بسيل إبداعي مفعم بنشوة الثورة المظفرة، فالشعر كما يقول محمد السعيد الزاهري “هو الشعور وأبناء الجزائر يشعرون بهذه الآلام جميعا، فما بالهم لا يكونون شعراء أجمعين؟”(6)  وهذا يحيلنا على حقيقة أن الشعر السجني الذي وصلنا اليوم لا يوازي عظمة الثورة الجزائرية وبشاعة التعذيب الفرنسي شكلا ومضمونا، ويفتقد هذا الشعر للصراحة النفسية في مثل هذه المواقف، إذ لا يكاد بعضهم يفصح عن خلجاته وهو داخل السجن، لأنه تنازل عن الذات في سبيل الجموع المقهورة(7) لذلك يخلو شعرهم من البكاء والشكوى والألم والخوف، فذات الشاعر متعالية عن الذل والهوان الذي تعانيه تعرج إلى سماء الحرية وتعانقها لتستمد منها طاقات للمقاومة، فالهاجس الثوري يسكنهم، روحا وجسدا، فلم تركن ذواتهم لهاجس الإبداع والتجديد في الشعر، وبقيت هذه الذات الثائرة حبيسة سجن القصيدة التقليدية فلم تخرج عن إطارها ولم تتح لهم الفرص للتجديد والتفرد.

عندما يفقد الإنسان حريته ويعيش داخل أقفاص صنعها أناس ليس لهم من الإنسانية إلا الاسم ولا يعرفون من الرحمة معنى، فإنهم لا يُعطون قيمة لهذا الإبداع الشعري والدليل أن فرنسا أحرقت الكثير منه وأتلفته، وبسبب سوء تدوينه أيضا وانعدام وسائل الكتابة المتطورة، تفسير لضياع جزء كبير منه وفقدانه(8)

وعندما نقارب شعر مفدي زكريا الذي ألقي عليه القبض مع زملائه المناضلين وأودع سجن بربروس في 1955 ثم إلى سجن الحراش ثم إلى البرواقية إلى غاية 1959، لا نجد فيه تلك الروح المتألمة من هول العذاب، ولا ذلك الجسد المنهوك من الجراح والدماء النازفة منه، ولا تلك الذات المحترقة شوقا وحنينا للأهل والأبناء وتذمرا مما تعانيه، ففي قصائد ديوانه اللهب المقدس التي كتب معظمها في السجن (الذبيح الصاعد، زنزانة العذاب، وقال الله، حروفها حمراء…) نحس النبض الثوري مجسدا بهذه الكلمات نجد قصف مدافع وشواظا من نار في كل صوت موجه للعدو، وهو الجواب الذي جسدته روحه المتسامية عن كل هول وعذاب(9)فمضامين قصائده لا ترينا نفسا مقهورة، إذ يتصاعد مفدي بنفسه رغم الأزمة التي تعصره، ويقف للسجَّان في إباء عجيب وهو لا يجحد أن توهن عزيمته، وأن تُلهه عن هدفه وهو النضال من أجل “الحرية والاستقلال”، الأمر الذي يجعلنا نقول عن مفدي أنه ثائر شاعر قبل أن يكون شاعرا ثائرا.(10) فإذا كانت ذات الشاعر وجسده وراء قضبان السجن الحديدية، وتحت رحمة جلاديه، في ظلمات السجن، تنتظر وقت الإعدام لحظة بعد لحظة  فإن مرارة الأيام وفضاعة هذا المكان تزداد لحظة بعد الأخرى. لذلك وقف شعر مفدي مبدعا لوحة فنية مصورًا لمشهد في قمة الإباء، إنه مشهد إعدام الذبيح الصاعد أحمد زبانا كما وصفه مفدي قائلا:

قَام يختال كالمسِيح وئيدا

 

 
 

 

يتهادى نَشوان يَتلو النشيدا

بَاِسم الثَّغر كالملائك أو كالطِفل

 

 
 

 

يَستَقبل الصَباح الجَديدا

شَامخا بِأنفِه جَلالا وتِيهَا
رافعا رأسه يناجي الخلودا

 

 
 

 

رافعَا رأسَه يُناجي الخلودا

وتَسامى كالرُّوح في ليلَة قدر

 

 
 

 

سَلاما يشعُّ في الكَون عيدا

اشنُقوني فَلست أخشى حِبالا

 

 
 

 

وأصلبُوني فَلست أخشى حديدا

وأقضِ ياموت مَا أنت قَاض

 

 
 

 

أنَّا راض إن عَاش شَعبي سعيدا(11)

         

كان الشاعر مفدي زكريا سجينا مع الشهيد أحمد زبانا حين نفذ فيه حكم الإعدام، في سجن بربروس في العاصمة، فسجل لنا بشعره هذا المشهد البطولي (12) لكن الشاعر في هذا الوصف لم يكن يفرض إرادته الفنية على الأحاسيس والصور، بل كان يحاول نقلها نقلا أمينا صادقا، محولا كل ذلك إلى لوحات فنية تقطر بفيض عطاء هذا البطل الذي يتمتع بإرادة  فولاذية في مواجهة عَادِمِيه فهم يسوقونه إلى فم الردى وهو يبتسم…إضافة إلى قوة الأحاسيس والشعور بهذه المواقف وبهذه النفوس الثائرة رغم القيد والذل والهوان.

إن الإقبال على الموت بهذه الشراهة، لا تبررها حالات النضج وممارسة الحرية بطريقة عبثية، إنما هو فعل يستمد وجوده من واقع الإحباط وانسداد الرؤيا، وعدم قبول الفساد للحظات الضعف البشري، التي تنتاب الذات حين تستنفذ مخزونها الروحي فيصبح الجسد شهقة للعين والذكريات.(13) قَدَّم الذبيح نفسه فداء لوطنه فروحه رضية سعيدة بسعادة شعبه وتحررها من جلادها ومغتصبها. فالإيمان بالثورة هو السبيل الأساسي للتحرر من هذا المستعمر، وهذا ما أهَّلهم أن يصنعوا جهادا وصبرا وتضحية وصمودا دوخ سياسة فرنسا بأكملها وأناب عن أزيز الرصاص، لهذا تعبأ شعرهم بشحنات لغة التحريض واستنهاض النفوس الخاملة للثورة في الوقت الذي كانت فيه (14) كلمة الثورة بلافِظِها كافية لنزول العقاب الأليم بلافظها قبل أن يتم تركيب الجملة.

 

* السجن للعذاب الجسدي أم للعذاب الروحي للشاعر؟

تفننت فرنسا في إذاقة أبناء هذا الشعب المسجونين أشد أنواع العذاب وأشرسها، عذابات  منافية لحقوق الإنسان وسلامته الجسدية فاستعملت الكهرباء والثلج والجليد، والغطس في الماء البارد إلى حد الموت، الحبس في الغرف الانفرادية، الصلب عل الأشجار في العراء، التعرض لنهش الكلاب وتسليط الأضواء الكاشفة على العينين لمدة طويلة(15) وقد كان من نتائج ذلك موت الكثيرين ممن لم تقو أجسادهم على تحمل العذاب، فللبشر طاقات محدودة في تحمل قسوة هذا العذاب، أو فقدانهم لأجزاء من أجسادهم أو ذاكرتهم أو إصابتهم بالجنون والخبل، “عنف يتجاوز مسمياته وما كُتب عنه…إنها شهوة العنف لدى المستعمر والتي يقابلها حد الرغبة في البقاء ـ من طرف الجزائريين ـ وحد الرغبة ولو بالبقاء على صعيد المتخيل، وإعلام الآخر ـ المستعمرـ الذي هو فاعل العنف أن التاريخ لا يمكنه البتة تمثيله وتقويله كما يشاء”(16) يقول مفدي زكريا في قصيدة “زنزانة العذاب رقم 73″:

 

سيَّان عندي مفتوح ومُنغلق

 

 

 

يا سِجن أم شدَّت به الحلق

 
 

أم السيَّاط بها الجَلاد يلهبني

 

 

 

أم خازِن النار يكويني فأصطَفق

 
 

والحَوض حوض وإن شتى منابعه

 

 

 

أُلقى إلى القعر أم أُسقى فانشرق

 
 

سري عظيم فلا التعذيب يسمح لي

 

 

 

نُطقا ورّب ضعاف دون ذا نطقوا

 
 

يا سِجن ما أنت لا أخشاك تعرفني

 

 

 

من يَحذق البَحر لا يخدق به الغرق

 

أنام ملء عيوني عن غبطة ورضى
        

 

 
 

 

  على صياصيك لا هم ولا قلق(17)

 
                     

هذه الأبيات تضعنا في جو رهيب لذلك السجن أو تلك الزنزانة بما تتوافر عليه من (سياط وجلاد ونار وأحواض وتعذيب..) وتشكل هذه الصور هذا الفضاء القاتل الذي تنعدم فيه كل صور الإنسانية، لكن ذات الشاعر لن يكسرها هذا العذاب وصنوفه المتنوعة، بل ترفع راية التحدي موصولة بياء المنادى (يا سجن) ولعل المسافة الموجودة حرف النداء (يا) وبين مناديه (السجن) هي مسافة بين ذات الشاعر وبين عذاباته وكأنه يضعها جنبا من على جسده ويستريح متعاليا بروحه طامحا للحرية والدليل نومه غبطة ورضى دون هم ولا قلق.

إن الرغبة الجامحة في كسر حصار السجن والخروج منه، تتكشف نزعة التحرر والخروج في الرغبة في كسر القيد بكل تجلياته وأنواعه، والانطلاق في الإبداع والاستمتاع بلذة الخلق؛ أن يخلق الشاعر العالم من جديد في جسد القصيدة، وأن يُفَعل هذا القصيدة لتساهم في تغيير الذات والعالم(18) المحيط به هذا المكان الموحش، الذي وقف الشعراء “أمام اختبار دقيق لثوريتهم، فاثبتوا فعلا بأنهم أهلها حين انتزعوا الإعجاب بالقوة والتحدي، وحول بعضهم عالم الوحشة والعذاب إلى عالم القوة والحياة”(19) يقول مفدي أيضا غير آبه بعذابات السجن صارخا:

أدخِلونا السجون

 

جَرعونا المنون

ليس فينا خَؤون

 

يَنثني أو يَهون

أجلدوا…

 

واصلبوا..

اشنقوا…

 

وعَذبوا…

واحرقوا…

 

واخربوا…

نَحن لا

 

نرهب

لا نَمل الكِفاح

 

لا نَمل الجِهاد

 

 

 

 

 

 

فـــي سَبـــيل البِــــلاد(20)

حينها تشهد الأغلال أن من غلوا بها هم الأبطال الحقيقيون وتزأر الأصفاد معلنة التمرد على من أوثقوا بها أيادي الأبطال تستحق أن تكتب بلغات العالم الحية والميتة مأساة الحبس والقهر وبشاعة الظلم الإنساني ووحشية الطغيان الاستعماري، تكتب بالكلمة الملتهبة فصولا إبداعية في أساليب تحدي هذا المستعمر فالجسد المعذب لم تعد تقهره العذابات ولا فنونها، لأن الشعب الجزائري لم تثنه كل الوسائل التي كانت تستعملها فرنسا معهم من سجن وتعذيب فهو قد اتخذ من الأرواح مهرا للحرية الغالية، وقرابين لذلك المطلب العزيز، الأرواح التي هي أثمن ما يملكه الإنسان وأسمى ما يهدف إليه ليحقق من خلالها وجوده، ومن ثَمة سطر لنا التاريخ للثورة الأسطورة بطولات قل نظيرها ومواقف لا يجود الزمان بمثلها، وعن ذاك الأثر الذي تحدثه المواقف ويخططه الرجال يقول مالك بن نبي “فإذا كانت كل قضية جليلة تضع بصماتها في مصير الإنسانية وتترك صداها في التاريخ وترسم على مركب الزمن وجودها  كريمة تمثلها.”(21) جسَدُ الشاعر مسجون لكن روحه المتحررة السابحة في معارج الشعر تتنبأ بذلك الغد المشرق علها تواسي به جسدها المنهوك، وترسم به آمالا للظفر بالحرية والاستقلال؛ فتتكشف لها صور الحياة المشرقة الحالمة بها، وتتراءى لهم مزدانة بأنوار الحرية مشرقة في كنف عزة وإباء هذا الوطن الغالي الذي كابدوا كل هذا لأجله يقول الشاعر عبد الكريم العقون الذي ألقي عليه القبض هو الآخر سنة 1959 ولم تعرف عنه أسرته شيئا إلا بعد 5 أشهر تعرض لعذاب جهنمي من طرف المستعمر إلى أن تم إعدامه.  ففي هذا المكان المعنون بالسجن، يجد الشاعر ملاذا للحلم عبر تقاطعات جسده وعذاباته، فيرسم ألوانا وأحلاما ومفاعيل للقوة من خلال اللغة التي تُحول الموت إلى حياة يقول الشاعر متأملا بالمستقبل المشرق:

سيَقشع الغَّيم المخيِّم عن شَعبي

 

 

فيَغدو ضَحوكا مشرق الأفق كالغرب

ويَحظى بآمال عِذاب جميلة

 

 

وكم من عَذب لدى الأمل العذب

ويَخلَعُ أغلالا ثِقالا يَجرُّها

 

 

ويَجلو ظَلام الظُّلم بالزَّأر والوثب

سيُصلى شَياطين الطُّغاة بجمعهم

 

 

شُواظا من النّيران كالوابل السَكب(22)

     

إن القاموس السجني الذي شكلته هذه الاستعمالات اللغوية وهذه الألفاظ الجزلة القوية، الكاملة الصياغة والتراكيب التامة التي تصب في رصيد من المدلولات تحيل كلها على الثورة؛ هي السمة التي انفرد بها شعر السجون الجزائري في هذه الفترة حيث تواشج مع الثورة فكرا ومضمونا وشكلا وألفاظا وروحا. فالذات الثائرة والجسد المعذب عندما يلتحمان بموضوع ثوري وقومي، تفتك الذات من اندفاعها لاكتشاف المغامرة حيث نصيبها الخوف والألم …فهذا الواقع السجني يحيل إلى الواقع الإبداعي، وتتحول كتابة الشعر أيضا إلى مغامرة لا تقل خطورة عن اكتشاف مجاهيل المغامرة الأولى.(23) ومثله الشاعر محمد العيد آل خليفة الذي ألقي عله القبض وزج في السجن وذاق ألوانا من العذاب والهوان فيه، لكن روحه حاملة للأمل المشرق بين دفات كلماته… أملا في غد مشرق في ظل الحرية والنصر والعيش الكريم في هذا الوطن المفدى يقول محمد العيد:

سيَحمد شَـعبك العُـقبى قَريبا            ويُـحرِز نَـصره بيـد القَـدير

ويَشـهد بعثَ لـتِه فيـرضـــــــــى                     ويحـــظى بالهِـــــــــــــــــــــلالي المُــنير

ويَحكـُم حُكـمه الشّورى حُرا        وخـيرالحكم حُـكم المُستنير(24)

                                         

إن التعبير بالفعل المضارع (سيحمد، سيشهد، يحكم، يحظى) لدلالة على أن المستقبل الذي تستشرفه ذات الشاعر قريب جدا منه، ليؤكدها بلفظ (قريبا) فلا تفصله سوى قضبان هذه الزنزانة التي يقبع فيها جسده مكبلا، بعد أن تجاوز الإيمان بالنصر المحقق، هاهو يرسم صورة لدولته التي قُدمت لها الأرواح والنفوس والأجساد فداءً، ستكون دولة الحرية والديمقراطية وسيحكمها خير حكم  لتكون قدوة لغيرها. إن الشاعر هو “بطل المأساة في كل هذا فصوته يذوب في معاناته بينما تصير الذات  عند محمد العيد آل خليفة  وأمثاله تابعة وشيئا واقعا تحت الظل تنافسها الجموع التي تعاني الغربة في وطنها وتتحرق شوقا للحرية.”(25) على أننا نجد ـ بصفة عامة ـ في شعر السجون صورا تقابلية صراعية متضادة، إحداها زفرات ولوعات من السجن المظلم القاهر، والأخرى بصيص أمل مشرق في الحرية والاستقلال من خلال الإيمان العميق بثورة النصر؛ فالقصائد السجنية صرخات جريحة أضناها الاستعباد تنتظر هذه النفوس الجريحة الغد المشرق بشوق ولهفة، رغم أنها لا تقدم الجديد من حيث التجربة الفنية والشعرية، فهي تعتمد الصور الحسية وتكبح الخيال لأن خيال الشعراء الجزائريين هو حقيقة ينتظرون ساعات تحققه بالنصر المظفر ودحر العدو وقهر جبروته والتخلص من قيوده المادية والنفسية وأطماعه الجشعية. ونلتقي بالشاعر أبو القاسم سعد الله بعد أن ضنكت عليه الحياة في زنزانة عذابه فيصرخ في وجه السجن بربروس:

أجب بربروس؟

أشعب تعذبه أم ذباب؟

أقلبا تحطمه أم حجر؟

وماذا أأنت الجحيم الذي لا يطاق؟(26)

حول الشاعر صورة بربروس السجن إلى ذات لها معادلها من الذوات الإنسانية أصبحت بربروس جسدا يُسأل يَسمع ويُحس ويريده الشاعر أن يجيب! بعد أن ذاقت نفس الشاعر وجسده ذرعا بالمعاناة والعذابات فيه، أرسلت هذه الزفرات الحارقة بصيغ الاستفهام الطلبي، لأن أدب السجون تتواتر فيه الأساليب الإنشائية وتتبوأ المرتبة الأولى وهذا ما جعله مثيرا للعواطف.(27) لذلك تواتر ذكر سجن بربروس في شعر الشعراء الذي ذاقوا مُّرَ العلقم فيه، وظل سجن (بربروس) هو المدرسة العليا التي تربى فيها معظم الثوار وجعل الأدباء والشعراء الذين كتبوا في زنازنه أروع القصائد الثورية، ليتضح لفرنسا إذن أنها لن تستطيع قهر المقاومة التي تسكن قلوب الجزائريين؛ بربروس هو معقل الثوار ومدرسة الرجال ومصنع الأبطال. والحقيقة أن “السجون إذا كانت في نظر المستعمر لكبح جماح الثوار، فإن السجون في غالب الأحيان تعطي مردودا عكسيا للهدف الذي وضعت من أجله سرعان ما تتحول إلى مدارس يتلقى فيها السجين دروس الحياة التطبيقية، ويقف على أسرارها الحقة التي لا تدرك إلا بعد التجارب العديدة…ويعرفه السجن معنى كلمة الحرية التي كان يتمتع بها ولا يقدر قيمتها، ولهذا كان لهذه المدرسة شأن عظيم إذ فيها تتخلق الرجال الذين يقلبون صفحات التاريخ، وفي ظلمة السجن يظهر بصيص الحضارة والتمدن، ومن غرفاته تزرع الثورات في هدوئه وتؤسس الدول وتهدم”.(28) 

على أن هذا النوع من شعر المقطوعات هي الأكثر شيوعا أو الأكثر ما نظم في الأسر وهي موافقة للأحاسيس والخواطر التي تلم بالسجين فيصوغها في أبيات موجهة  معبرة حيث نجد فيها الصور الصادقة لواقع الحياة التي يعيشونها…وتتمثل في المقطوعات وحدة الموضوع والتجربة الشعورية الصادقة على ما فيها من سرعة وإيجاز، وتركيز وتوجيه مباشر للهدف، هذا اللون تهتف به النفوس المتألمة في المواقف الحرجة أو اليائسة عفو البديهة، بدافع الخوف والرهبة أو الرغبة والرجاء، وينبثق انبثاقا حرا بتأثير المعاناة والضغوط المرهقة على النفس.(29)وتعد موجودات السجن ـ جميعها ـ باعثا لزعزعة النفس وثورة الروح، ويتجلى ذلك في شيوع معاني الحزن والإحساس بالعزلة والظمأ النفسي لمعانقة المطلق… فتصطدم نفسه وروحه بالأسوار والحواجز والقيود الفرنسية. فالسجن خير ميدان تتفتق فيه ذاتية الشاعر وفرديته، فهو ينفصل عن المجتمع ظاهريا ليعيش آلامه التي هي نفسها آلام المجتمع بوجود مأساوي”(30). وشعر أحمد سحنون يصور ذلك في مشاهد كثيرة خاصة قصيدة الطود التي ناجى فيها (جبل الضاية) من وراء القضبان بأبلغ تعبير عن لحظات النفس المجاهدة التي تفارق السجن وتتخطى حواجز الأسوار لتسمو إلى عالم الروح الذي هو في يقين الشاعر والغاية من الخلاص، وهو الشفاء والسعادة لكبريائه المسجون بين جدران ضيقة(31).إذ يقول:

أيُّها الواقِف المُطل على الدُّنيا

 

 

بِرأس متوجٍ بالإباء

يتحدى الرّدى ويهزَأ بالإعـ

 

 

صار والعاصِفات والأنواء

لا يُبالي صُروف اللّيالي ولا

 

 

يَحفل بالحادثات والأرزاء

أيُّها الطود ليت لي منك

 

 

ما أوتيته من مناعة واعتلال

ليتني كنت أيّها الطود حر

 

 

ا من قيود قد حَطمت كبريائي(32).

     

لشعراء السجون بوح بما ألَّم بهم من هموم في الأيام القاسية وبخاصة في دياجي العتمة، حيث تسمح للذات الداخلية أن تستيقظ، ولكوامن المشاعر أن تبرز فيبيت السجين تحت هجمتين من عذاب الجسد وأحزان القلب معا.(33)

والى جانب كل من الشاعرين السجينين عبد الكريم العقون ومحمد العيد آل خليفة، هناك الشاعر الربيع بوشامة الذي تم القبض عليه ـ أيضا ـ وهو يزاول عمله بوصفه مديرا لمؤسسة الثبات بالحراش بقي في مراكز الاستنطاق حتى استشهد تحت التعذيب عام 1959.ومثله الشاعر محمد الأمين العمودي الذي عذب في سجون الاستعمار الفرنسي واعترته حركة الارتعاش وكاد يصاب بالشلل إلى أن توفي في أكتوبر 1957. والقائمة طويلة لا تحصر في لأسماء محددة، كل ذلك ينضاف إلى الرصيد المأساوي الذي عاشه شعراء الثورة من محن وتعذيب وقتل من قبل المستعمر الفرنسي.(34)

* قانون “مشبوه” صورة أخرى لسلب الحرية وتعذيب الجسد

قانون “مشبوه” صورة أخرى من صور الاستعباد والذل فقد سنت فرنسا لنفسها من خلاله إعمار سجونها ومعتقلاتها بالجزائريين، قانون جديد لإبادة وقهر الشعب الجزائري… قانون كما وصفه عبد الله الركيبي من قوانين (شريعة الغاب) تعمد إليه كلما أرادت أن تنتقم من الشعب ومن أبنائه، فعندما تريد أن تلقي القبض على أحد توجه له هذه التهمة (تهمة المشبوه) لتلقي به في غياهب السجون أو تقتله بعد تعذيبه.(35) وقصيدة أحمد معاش الباتني تسجل هذا الحادث وتقدم لنا تفاصيل دقيقة كان يتعرض له أفراد الشعب الجزائري من خلال هذا القانون:

قالوا خُذوه فإنَّه مشبوه

 

ومَضوا لما في البَيت فانتهبوه

ما ناله بالكَدح قد سَلبوه

 

وإذا تأبَّى للردى وهبوه

       

لن يرحموه فإنَّه مشبوه

 

ساقوه للجلَّاد حيث يُعذب

 

شرَّ العذاب لأجل شرِّ الاعتراف

في كلَّ سوط أو عذاب مطلب

 

يملي عليه الجرم من دون اقتراف

 

وهناك تبكي أمُّه وبنوه

 

سألوه بذل اليتيم أمَّا لمَّا

 

ساروا به يا أمّ مشدود الوثاق

قالت وعين القلب تبكي دما

 

ومضرَّج الخدين صوحة الفراق

 

قالت بني أبوكم مشبوه

 

ربَّاه لطفك.. ليس فينا مجرم

 

والقوم شنوها على البراء

حَربا عوانا نارها تتضرَّم

 

من وقعها إنَّا لفي بأساء

 

رباه لطفك كلنا مشبوه(36)

 

إن قراءة تأويلية أولية لهذه القصيدة تبرز وقائع حقيقية لما آلت إليه الحالة الأمنية في تلك الفترة؛ حيث غدت صفة “مشبوه” تهمة سائرة بأرجل، ناطقة بلسان. تسيرها أيد قادرة تطال من تشاء وكما تشاء، تستبيح حرمات الآمنين وتسفك دماء المسالمين، لتجرهم بغير رحمة إلى مصيرهم المحتوم، تُيَتِمُ أبناءهم وتُثكلُ نساءهم باسم الأمن وإحلال السلام والمساواة. لتسجل هذه القصيدة وقائع حقيقية فهي أشبه بوثيقة تاريخية مصورة بنغمة حزينة متألمة، بزفرات بثّها الشاعر من أعماق قلبه مشكلا لصنوف التعذيب وما نتج جرَّاء تهمة المشبوه؛ حيث صور الشاعر أحمد معاش الباتني مشاهد متعددة لحالة الاعتقال التي تعرض لها المشبوه وما نتج عنها من نهب وسلب لما في البيت من قوت للعيال، وتصوير آخر لصنوف التعذيب والتنكيل بالسياط وقهر الزنازن، من أجل الإرغام والقسر على الاعتراف بذنب بريء منه ولا علاقة له به إلا أنه مسالم وآمن عن شرهم. صورة لبكاء الأم الحنون التي تعيش بخوف كبير وبترقب أكبر متى يأتي الدور على أحد فلذات كبدها لتطاله يد التهمة، وصورة الأبناء إذ فتح عليهم باب اليُتْم، والتشرد المبكر. وتتشهى فرنسا في تعذيب الجماعة وإذاقتهم صنوف العذاب المرير… وفقط تعذيب من أجل التعذيب. صورة لحال العائلة المقهورة المتسائلة: أتبكي وطنا جريحا؟ أم شعبا مسكينا؟. أتراها تندب شهيدا قضى نحبه مدافعا عن عرضه وشرفه وترابه، أم تندب مقتادا لظلام مجهول؟ أم تراها تبكي ثكلى ويتامى، أُلقي كاسيهم في قعر مظلمة كما عبر في ذلك الحطيئة.

ليختم الشاعر المشاهد في مجملها بدعوات بالهناء والاستقرار، وطلب اللطف من المولى لتنكشف هذه الغمة ويُرفع البلاء عن الشعب الذي ينشد سلاما والعيش بكرامة وطمأنينة وبسيادة في أرضه التي لم ولن يتنازل عن شبر منها.

          هذه الحشود الكثيرة من المشاهد والصور والتعابير رغم بساطتها إلا أن هذه النغمة الجياشة وهذا الجو الشاعري الذي يلف القصيدة بأكملها… تنم عن مدى وعي الشاعر بسياسة المستعمر وقضايا الإنسانية التي هضمت حقوقها، وتشعر المتلقي بعمق المأساة التي يعانيها وتسلبه إلى جوها ليندمج في تاريخها المؤلم، وإن تحررت عواطف الشاعر وانسابت دفقا شعريا إلا أن الشاعر كان متحررا نوعا ما عن الجو التقليدي للقصيدة العمودية، فانزاح عنها قليلا مغيرا حرف الروي وحركته ومغيرا في القافية في كل مشهد شعري (كل بيتين) كما استعمل اللازمة التي غير فيها كل مرة فلم تبق ثابتة، وكل هذا ينم عن قلق الذات الشاعرة واتخاذها سبيل الشعر ملاذا للتعبير والتصوير عن مآسي عجز الفرد الجزائري جسدا وروحا عن تحملها.

* سلطة السجان قهر للجسد والروح

“السجان” هو ممثل السلطة في السجن وعلاقته مباشرة بالسجين،ويبدو أنه كان له هيمنة مرعبة على المحبوس، تلك الهيمنة نلمس أثرها من خلال شعرهم حيث إن معظم شعراء السجون تحدثوا عن السجان الذي هو غرض مهم من أغراض أدبهم، ففي كل مرة يفتح السجن ترتعد فرائص كل سجين من الخوف وذلك لأنهم تعودوا أن يفتح باب السجن لاستدعاء أحدهم لقتله أو إعدامه أو تعذيبه شر عذاب.(37) ولم يتوان الشعر أيضا عن تسجيل مشاهد التعذيب ومشاهد معذبيه وجلاديه، فكان لا يليق بهم إلا صفات من قبيل: السفاحين، الوحوش، الجلادين، المعتدين، الجبابرة، الطغاة، الأوغاد…

وقد كان سيد الجلادين لاكوست وأعوانه الساديون الذين أتقنوا فنون التعذيب التي شهد على ويلاتها الفرنسيون أنفسهم، يقول الفيلسوف الوجودي جان بول سارتر معبرا عن وحشية لاكوست “إن الذين ماتوا من الهول والألم …إنما ماتوا بإرادته”(38)ويذكره الشاعر صالح خباشة معبرا عن وحشيته في قصيدة مأساة القصبة:

أيا لاكوست أنذرناك شرا

 

 

فنحن ندُك عَرش الطامعينا

     

ويقول أيضا ساخرا واصفا “لاكوست” بالمغفل:

أربع ساعات توعدنا لاكو
            

 

 

ست أين وعيد المتميع

زعَم المُغفل أن سيمحق شَعبنا
       

 

 

فابشر بطول سلامة يا مربع(39) 
 

     

لم يأت الفعل الثوري عند هذا الشاعر وبعض أمثاله إلا في صيغ تراثية محاكيا ما قاله السابقون، ناسجا على منوالهم شكلا وفكرا ومضمونا “وحينئذ تتحول صورة السفاح “لاكوست” إلى معادل لها في الماضي، فيغدوا “لاكوست” الفرنسي السفاح عمرو بن هند ويغدوا الشاعر عمرو بن كلثوم… وفي نفس الأبيات محاكاة على منوال نقائض جرير المتوعدة”(40) وإن اعتمد الشاعر التصوير الشعري “كوثيقة إدانة مؤكدة” رغم أنها لا تضيف الجديد ولا تخرج عن الإطار التقليدي شكلا مضمونا وحتى مواقف، لكنها جسدت صور الفرنسي الغاصب والمعتدي ومختلف أوصافه الهمجية.

وخلاصة القول إن الشعر السجني الجزائري في هذه الفترة كان الحافظ الأمين للثورة التي قام بها الشعب جسدا وروحا آمن قلبه بنصرها، فكان شعرا “مقاوما” و”ثائرا” حافزه الأساسي هذا السجن أو القيد الخانق لروح الإبداع وللحرية المسلوبة من طرف المستعمر الغاشم….

وقد احتفظ التاريخ بعباقرة ألهمتهم السجون بما لم يلهم غيرهم خارجها، فهذا (يوليوس خوتشيك) يعيش في ضمير الناس بما أبدعه تحت أعواد المشانق، وأجمل ما أبدعه (بول إلوار) من شعر كان نظمه في زنازين المحتل الهتلري قبل إعدامه، ولم يكن (أبو العلاء المعري) جاهلا بأنه سيقتل بالسم حين أبدع “رسالة الغفران”، ويقضي المعتقلون الفلسطينيون في زنازين الاحتلال الإسرائيلي بقية أعمارهم في تهريب إلى النور بما يبدعونه من رسومات وحياكة، وشعر وقصة على ما تيسر لهم من ورق أو خرق(41)و قد احتفظ التاريخ الإنساني والجزائري بالشاعر مفدي زكريا وأمثاله الذين أبدعوا في سجنهم وصدحوا بشعرهم رغم كل قيود الحبس وذل المستعمر الفرنسي، فهم أبطال الثورة الأشاوس الذين عانقوها بأرواحهم ووهبوها كل أجسادهم ودمائهم  وضحوا لأجل حريتها وعزتها. لقد تلاحم الجسد المعذب الفيزيائي والجسد الشعري المبدع والجسد الوطن المغتَصَب،فمهما قمع المستعمر هذا الجسد المتحد فإنه لن يستطيع.

 

الهوامش:

1ـ محمد الطمار، تاريخ الأدب الجزائري، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر دط، دت، ص357.

2 ـ عمر بوقرورة، دراسات في الشعر الجزائري المعاصر، الشعر وسياق المتغير الحضاري، دار الهدى الجزائر، دط، 2004، ص6.

3 ـ ابن داود عبد النور، المدخل الفلسفي للحداثة تحليلية نظام تمظهر العقل الغربي، منشورات الاختلاف /الدار العربية للعلوم ناشرون، الجزائر، ط1، 2009، ص124.

4 ـ ينظر محمد الطمار، تاريخ الأدب الجزائري، ص363.

5 ـ ابن داود عبد النور، المدخل الفلسفي للحداثة، ص 121.

6ـ أحمد يوسف، السلالات الشعرية في الجزائر علامات الخفوت وسمياء اليتم، مكتبة الرشاد، الجزائر، دط، 2004، ص129.

7ـ عمر بوقرورة، الغربة والحنين في الشعر الجزائري الحديث 1955ـ 1962، منشورات جامعة باتنة الجزائر، دط، دت، ص85 .

8ـ نفسه، ص86.

9 ـ عمر بن قينة، في الأدب الجزائري الحديث، تأريخا وأنواعا وقضايا وأعلاما، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر دط، ص73.

10 ـ عمر بوقرورة، الغربة والحنين في الشعر الجزائري الحديث1955ـ 1962، ص88.

11 ـ محمد رمضان شاوش وآخرون، إرشاد الحائر إلى آثار أدباء الجزائر أو الأدب العربي الجزائري عبر النصوص، دار البصائر الجزائر، دط 2011، ج 4، صص467 ،477.

12 ـ ينظر، نفسه، ج4، ص 476.

13 ـ أحمد يوسف، يتم النص الجنيالوجيا الضائعة، منشورات الاختلاف، الجزائر، ط1، 2002، ص197.

14 ـ عمر بن قينة، في الأدب الجزائري الحديث، ص66.

15 ـ عمر بوقرورة، دراسات في الشعر الجزائري المعاصر، ص34.

16 ـ ينظر، إبراهيم محمود، النص الجسد الهاوية، قراءات في ظلال المعاني، تموز للنشر والطباعة دمشق سوريا، ط1، 2011، ص49.

17 ـ مفدي زكرياء، اللهب المقدس، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، دط، 1983 ص20.

18 ـ فاطمة الوهيبي، المكان والجسد والقصيدة، المواجهة وتجليات الذات، المركز الثقافي العربي لبنان/المغرب، ط1، 2005، ص62.

19 ـ عمر بوقرورة، دراسات في الشعر الجزائري المعاصر، ص33.

20 ـ مفدي زكرياء، اللهب المقدس، ص84.

21 ـ حواس بري، شعر مفدي زكرياء دراسة وتقويم، ديوان المطبوعات الجامعية الجزائر، د ط، 1994، ص72.

22 ـ محمد رمضان شاوش وآخرون، إرشاد الحائر إلى آثار أدباء الجزائر، ص372،  373.

23 ـ يُنظرـ فاطمة الوهيبي، المكان والجسد والقصيدة، ص50.  

24 ـ عمر بوقرورة، دراسات في الشعر الجزائري المعاصر، ص58.

25 ـ نفسه، ص88.

26 ـ عمر بوقرورة، الغربة والحنين في الشعر الجزائري الحديث، ص125.

27 ـ واضح الصمد، السجون وأثرها في الآداب العربية من العصر الجاهلي حتى نهاية العصر الأموي، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع بيروت،  ط1، 1995، ص258.

28 ـ حواس بري، شعر مفدي زكرياء دراسة وتقويم، ص104.

29 ـ واضح الصمد، السجون وأثرها في الآداب العربية من العصر الجاهلي حتى نهاية العصر الأموي، صص263، 264.

30 ـ حواس بري، شعر مفدي زكرياء دراسة وتقويم، ص 104.

31 ـ عمر بوقرورة، دراسات في الشعر الجزائري المعاصر، ص 46.

32 ـ ديوان أحمد سحنون، ص 59، نقلا عن عمر بوقرورة، دراسات في الشعر الجزائري المعاصر، ص 46، 47.

33 ـ واضح الصمد، السجون وأثرها في الآداب العربية من العصر الجاهلي حتى نهاية العصر الأموي، ص 209.

34 ـ أحمد يوسف: يتم النص الجنيالوجيا الضائعة، ص198.

35 ـ عبد الله الركيبي، دراسات في الشعر العربي الجزائري الحديث، دار الكتاب العربي الجزائر، دط 2009، ص 156.

36 ـ محمد رمضان شاوش وآخرون، إرشاد الحائر إلى آثار أدباء الجزائر، صص 614، 615.

37 ـ واضح الصمد، السجون وأثرها في الآداب العربية من العصر الجاهلي حتى نهاية العصر الأموي، صص222 ،223.

38 ـ عمر بوقرورة، دراسات في الشعر الجزائري المعاصر، ص9.

39 ـ نفسه، ص20.

40 ـ   نفسه، الصفحة نفسها.

41 ـ ينظر، حواس بري، شعر مفدي زكرياء دراسة وتقويم، ص103.

 


أضف تعليق