تطور النص السردي في الجزائر / مخلوف عامر

مقال نشر بالعدد الرابع من مجلة جيل الدراسات الأدبية والفكرية ص 119، من إعداد الدكتور مخلوف عامر / جامعة   سعيدة.الجزائر

 للاطلاع على كل العدد يرجى الضغط على غلاف المجلة: 

 

JiL Literary 3

 

إن الأدب الجزائري المكتوب بالعربية بقي أسير المنطلقات الإصلاحية، ولذلك فإن الدعوة إلى التجديد والاستفادة من الأدب الإنساني التي نادى بها “رمضان حمود” لم تجد صداها، فساد الاتجاه المحافظ الذي يجعل الشعر العمودي في المقام الأول، ثم المقالة التي تصلح للدعاية والوعظ، وتأخر ظهور الأشكال النثرية الحديثة، بينما كانت قد خطت خطوات متميزة شكلا ومضمونا في أوساط الأدباء الجزائريين الذين يكتبون بالفرنسية وفي بعض  البلدان العربية.

وإنه من الواضح أن الأدب الجزائري المكتوب بالعربية كان تابعا لأحداث حرب التحرير المتصارعة، مما جعل الأناشيد الشعرية تتصدر الموقف الأدبي في نظم حماسي يستمد شرعيته من هوْل الحدث أكثر مما يستمدها من طبيعته الفنية. وحتى ما كتبه نقاد عرب في تلك الفترة عن الأدب الجزائري لم يخْلُ من النبرة التعاطفية مع الثورة، ما جعل البُعْد الفني للعمل الأدبي لا يحظى بالاهتمام اللازم.

قد تُعد “غادة أم القرى” لـ: “أحمد رضا حوحوّ(1947)، بداية تأسيسية للجنس الروائي في الجزائر، لو كُنَّا متأكدين من أن الذين يأتون لاحقا سيخرجون من معطفه فعلا. لكن نظرا للموانع الكثيرة في ذلك الوقت يصعب الجزم بتأثير هذا النص في الكتابات اللاحقة، ثم لأن الكُتاب الجزائريين سيستفيدون أكثر من وجودهم في بعض البلدان العربية تعاطفا مع الثورة ودعما للحرف العربي.

ظهرت”الطالب المنكوب”لـ” عبد المجيد الشافعي” سنة 1951، و” الحريق” لـ:نور الدين بوجدرة سنة 1957، و “صوت الغرام “لـ: ” محمد منيع ” سنة 1967. وهي محاولات أولية لا ترقى إلى ما يستحق  أن يسمى رواية بالمستوى الذي سيُدشِّنه ّعبد الحميد بن هدوقة” بـ:”ريح الجنوب سنة1971.

وظهرت إلى جانب ذلك مجموعات قصصية في وقت مبكر منها: ّدخان من قلبي لـ:”الطاهر وطارّ،تونس 1961، “نفوس ثائرة”تـ: عبد الله ركيبي، القاهرة1962 ،”بحيرة الزيتون”تـ: أبو العيد دودو1967، “الرصيف النائم “لـ: زهور ونيسي1967 .

 لكن مظاهر التجديد الفعلي يمكن أن تُلحظ لدى ابن هدوقة في ” الأشعة السبعة”.(تونس1962) والطاهر وطار في”رمانة”(العراق1971) و”الشهداء يعودون هذا الأسبوع”(الجزائر1974). إن الكاتبيْن كليهما قد كان لهما السبق في تحديث الكتابة باللغة العربية فجرَّب كل منهما فنيات الكتابة الجديدة في القصة قبل انتقالهما إلى الرواية. والعامل الأساسي الذي جعل هذيْن الأديبيْن يجدِّدان في الكتابة، أنهما لم يبقيا في دائرة الثقافة التقليدية. إذ اكتسبا ثقافة تراثية أتقنا فيها اللغة العربية ثم عانقا الثقافة الإنسانية. فهما من هذا الجيل المخضرم بهذا المعنى.

 فأما الاستناد إلى “حكاية العشاق”([i](على أنها أول رواية فيبدو لي أنه لا يعدو أن يكون ضربا من التسابق على ريادة وهْمية. فهذه الحكاية تقليد واضح لـ”ألف ليلة ليلة ” ولكنها من الضعف بحيث لا ترقى إليها من حيث البناء . والغريب أن البداية والنهاية كلتيهما لا علاقة لهما بمجريات الأحداث. فالمقدمة نصح ووعظ وإرشاد بنفَس ديني واضح وكذلك النهاية ، بينما مجريات الأحداث على نقيض تام من كل ذلك . وكأن المؤلف بلجوئه إلى اللهو والمجون يعبر عن حالة يأس وقنوط بعد الذي جرى له . ويعبر في الوقت ذاته عن طبقة عاشت مترفة في الجزائر في زمنه .

والقصيدة المطوَّلة التي ذَيَّل بها الحكاية ذات نبرة تعليمية أخلاقية وكأنها تعبير عن إحساس بالذنب ورغبة في التكفير عما اقترفه ، أو هو  ينقل تجربته إلى الآخرين ليَنْهى عن تكرارها .

     فأما اللغة فهي إلى العامية أقرب ، لا فرق فيها بين التاء والثاء ولا بين الظاء والضاد ولا بين الذال والدال ، ناهيك عن قواعد اللغة العربية  التي أثبت النص بأن المؤلف يجهلها إلى حد كبير.

ربما كانت فترة الاستقلال أدعى ـ لما فيها من هدوء نسبي ـ إلى الميل نحو كتابة الفن القصصي لكن صورة الحرب/الثورة ظلت تلاحق كل الكتّاب، سواء بوصفها انعكاسا للخطاب الرسمي الذي يمتطيها لتأكيد شرعية تاريخية أو بوصفها خطابا نقيضا يتَّكئ عليها لنقد الواقع.

بدأ معظم الكُتاب بتجريب القصة  القصيرة بسبب قِصرها أو لسهولة نشرها أو لاستسهالها، ولكنهم سرعان ما غادروها إلى كتابة الرواية. كما انتقل بعض من الذين عُرفوا شعراء في أطول شطر من حياتهم إلى تجريب الكتابة الروائية ومنهم: “عز الدين ميهوبي” الذي كتب(اعترافات أسكرام) و”ربيعة جلطي”( الذروة) و”أحمد حمدي “( حومة الطليان). لأن الرواية أصبحت الجنس الأدبي الذي يُعوَّل عليه سواء لأنه يتسع للفكر والتعبير أو لأنه مَعْبر إلى اكتساب شهرة أدبية. وتبقى طبيعة العمل الأدبي هي التي تحدِّد حظه من النجاح.

لعل الميزة الأساسية في تطور النص السردي عموما والروائي منه على وجه الخصوص  أنه استمر لصيق التحولات الجارية في البلاد. فبرزت القضايا الاجتماعية والسياسية ( الثورة، المرأة، التناقضات المختلفة….) في “ريح الجنوب” و”نهاية الأمس” لـ “ابن هدوقة”. ثم تقدم الخطاب السياسي/الإيديولوجي إلى الواجهة لدى “الطاهر وطار” في “اللازّ حيث لم تبق الثورة  المسلحة خطابا تمجيديا، بل راح الكاتب يبحث عن الطرف المُغَيَّب في الحرب وهو دور الحزب الشيوعي ممثلا ببطل الرواية”زيدان”،ولكنها كتابة يهيْمن فيها السارد العارف ويدعو القارئ إلى إعادة قراءة التاريخ. يقول “عبد الحميد عقار:

((وتنهض الواقعية الملحمية بوصفها الاتجاه العام الذي يؤطر رواية “اللاز” فخصائصها الفنية ومقومات البناء فيها مؤسسة على جمالية المحتمل والتمثيل أين يقع الماثل الافتراضي بين العالم اليومي للقارئ ، وعالم التخييل ، ويهَيْمن السارد العليم الذي يضطلع بوظيفتيْ السرد والتأويل ويتم توظيف عدد كبير من الشخصيات تعنى الرواية بمتابعة مصائرها . ومن هذه الزاوية قد نجحت”اللاز”في بناء نموذج للشخصية الإشكالية بالمعنى الذي يتصوره لوكاتش أي بما هو نمط يجسد القوى الاجتماعية المؤهلة للتأثير في سيرورة التاريخ ، وبالمعنى الذي يعطيه باختين للبطل بوصفه وجهة نظر محددة عن العالم وعن الذات معا . وأهم ما  يطبع  عالم الأبطال من هذا النوع هو التناقض بين الرغبة والواقع))([ii]).

وهو الموضوع الذي سيتكرر وفق رؤيا مختلفة لدى “رشيد بوجدرة” في روايته”التفكُّك”، لأنه لا يبقى في حدود التعاطف مع أبطاله الشيوعيين، بل يطرح أسئلة نقدية واخزة:

((لماذا لم يقودوا الثورة المسلحة ؟ كان ذلك شيئا ممكنا ، مر القطار وهو يترقبون بنيتهم الحسنة في قاعة الانتظار يترقبون تفجر الثورة العالمية . هل فاتتْهم طبيعة الاستعمار ؟ هل سبب هذا الخلل الهائل : كان عدم وجود طبقة عاملة قوية وواعية ؟ هل كان لا بد للثورة الوطنية من مرحلة انتقالية تقودها البرجوازية الصغيرة وأحزابها ؟ ))([iii])

  فأما “واسيني الأعرج” فإنه عندما كتب ( ما تبقى من سيرة لخضر حمروش) فقد أراد أن  يقول شيئا آخر غير الذي يقوله “وطار”. إذ المناضل الشيوعي لا يذبحه خصمه السياسي ، بل يُجبَر صديقه على تنفيذ العملية . وزيدان في تقديره  يعاني من جمود عقائدي ، يقول : (( إنها التركيبة لتي لم أفهمها وفهمها زيدان وليد عمي الطاهر .. في البداية لم أقتنع بموته ..قلت في نفسي ، لماذا لم يتصرف  تصرفا آخر ..على كل حال ، تصرف يضمنه شرفه وشرف حزبه وشرف قناعاته .تصورت أنه بقدر ما كان عظيما ، كان جامدا عقائديا.(…) أنا متأكد أنه لو آل الأمر إلى لخضر حمروش كان تحرك غير حركة زيدان))([iv])

على نحو ما، كانت رواية “اللاز” مرجعا يحضر في أذهان الكُتاب ليس بسبب ما نالته من شهرة وحسب، بل أيضا لأن الواقع المستجد وتأثير الفكر الماركسي-يومئذ-حمل الكُتاب على مراجعة التاريخ الوطني فلم يكن “ابن هدوقة بعيدا عن هذا التوجه عندما وظَّف  اللون الأحمر في ( الجازية والدراويش) ولا “أمين الزاوي” عندما كتب ّصهيل الجسد”.

فأمَّا رواية”الزلزال” لـ:”الطاهر وطار” فيكفي عنوانها إعلانا ترحيبا بالثورة الزراعية ويواصل في روايته “العشق والموت في الزمن الحراشي”  هذا المنحى الواقعي بأنْ عبَّر عن الصراع بين أنصار التوجُّه الاشتراكي والثورة الزراعية تحديدا وخصومهم من الإسلاميين. وقد تمثل ” الحوات والقصر”  طفرة نوعية يثبت فيها “الطاهر وطار ّ أنه قادر على التحليق في عوالم الخيال، كما هي الحال بالنسبة لـ”ابن هدوقة” في ” الجازية والدراويش”.

صورة الثورة في أعمال “الطاهر وطار ورشيد بوجدرة وواسيني الأعرج وأمين الزاوي ومرزاق بقطاش و”الحبيب السائح” – على تفاوت فيما بينهم – لم تحضر بوصفها رقعة أرجوانية تزيّن النص الأدبي ولا كجسر يمكّن الكاتب من العبور إلى اكتساب الشرعية الأدبية، وإنما الارتداد إلى صورة الحرب يمثل مرتكزا نقديا نقيضا لشرعية تاريخية يكرِّسها الخطاب الرسمي بشكل ميتذل. وهنا يتداخل السياسي والاجتماعي والنفسي والتاريخي وتقْصر أية مقاربة نقدية عن ملامسة الإشكالية التي يطرحها النص إذا هي اعتمدت منطلقا أحاديـا، وإذا هي لم تتسلح بوعي واقعي وتاريخي.

بينما هناك  كتابات لم تتعدَّ الفهم الموْروث السائد عن حرب التحرير من حيث هي صراع بين مستعمِر ومستعمَر .

   كان العالم يخضع للتقاطب بين الرأسمالية والاشتراكية ، ونشط الجيل الجديد من الناشئين في تجريب الفنون الأدبية المختلفة تحت مظلة الخطاب الاشتراكي ، فكان من الطبيعي بالنسبة لشباب يُقْبلون على الكتابة مع ما يحملونه من حلم وإخلاص للوطن ، وذكريات الثورة وتضحيات الشهداء مازالت تلاحقهم ، وبما لديهم من تصوُّر عن قداسة الكتابة ، كان من الطبيعي أن يطمح الكاتب الناشئ إلى أن يرى اسمه على صفحة جريدة أو على غلاف كتاب ولو أن ما يكتبه ليس سوى صدى للخطاب الرسمي أو أنَّ البُعْد الأيديولوجي هو الذي يتقدم إلى الصدارة على سواه . ولكن مهما  ينشأ من عملية الانعكاس الآلي  من عيوب ، فلا  ينبغي أن يغيب عن البال أنها الفترة التي انتعشت فيها اللغة العربية وأثبت فيها الحرف العربي – رغم قِصَر تجربتنا – قدرته المطواعة على احتضان أعمق  الفلسفات ومعانقة أرقى الفنون شعرا ونثرا، علما بأن ما كان يتلقَّاه هذا الشاب في المنظومة التربوية لم يكن يؤهِّله إلى ذلك المستوى من العطاء . فكانت تلك الفترة  عتبة ضرورية للانتقال إلى ما هو أكثر تميُّزا .

فالكُتّاب المبتدئون في فترة السبعينيات من القرن المنصرم، وحتى غير المبتدئين من الذين يستعملون اللغة العربية كانوا يكتبون تحت مظلة الخطاب السياسي/الأيديولوجي السائد، ورأَوْا في هذا الخطاب ما يجسد قيم العدالـة الاجتماعية التي صارت حلم الأغلبية المفقّرة. إلا أن انعكاس هذا الخطاب بوعي أو بغير وعي في أعمالهم، لم يُنْجِهم من الفجاجة والتسطيح إلى حدّ تغييب أدبية الأدب، حتى ليبدو العمل حاملا لفكرة أو موقف لا للذات المبدعة بوجدانها ومشاعرها.

كانت سبعينيات القرن الماضي هي الفترة التي برز فيها البعد الاجتماعي في الإبداع وفي المحاولات النقدية على حدّ سواء، إلى درجة أن الخطاب الرسمي- وهو الخطاب الاشتراكي يومئذ- قد انعكس بطريقة شبه آلية أو آلية في كثير من الأعمال، مثل :(الأكواخ تحترق 1982) لـ”محمد زتيلي” و( الشمس تشرق على الجميع1978) لـ “اسماعيل غموقـات” و(الزلزال 1974 ) لـ “الطاهر وطار”)و(زمن النمرود 1985) لـ “لحبيب السائح” وبعض كتابات “واسيني الأعرج” و”الزاوي أمين” و”عمار بلحسن” وعمار يزلي. . . “

ويكفي أن نلتفت اليوم إلى بعض الأسماء المعروفة في الساحة الأدبية من الذين واصلوا الكتابة واستطاعوا أن يقوموا  بمراجعة مفاهيمهم بنوع من ممارسة النقد الذاتي الأدبي لنتأكَّد من أنها كانت مرحلة حُبْلى بأقلام الواعدة .

وبفعل التحولات العالمية وبتأثير مما تسرَّب إلينا من المدارس النقدية المعاصرة، عادت نخبة من الكُتاب إلى مراجعة وظيفة الأدب الالتزامية فلم يعد الكاتب الراوي خارج السرد ولا المضمون يحتل الصدارة، يقدر ما أصبحت الذات الكاتبة صوتا مركزيا تتمحور حولها أصوات متعددة. لأن  الجيل الذي عاش الثورة ضد المُستعمِر وكان يطمح- بفضل التضحيات الجسام- إلى أن يرى بلدا ينهض ويُشيَّد على أسس تضمن الحرية والعدالة والمساواة بين المواطنين ، بلدا يدخل إلى عصر  العلم والمعرفة والتنافس الحضاري ، ذالكم الجيل والذي لحقه أصيب بالخيْبات والإحباطات وتحتَّم عليه أن  يراجع الالتزام الواقعي الذي طالما تشبث يه بفعل فورة الحماس والأمل . ولـ((ذلك فإن مفهوم الالتزام والشكل الواقعي اللذيْن رافقا تلك المرحلة سرعان ما بدآ يفسحان المجال لتجريب أشكال وطرائق مجددة في كتابة الرواية ، خاصة بعد السبعينات عندما أسفرت الاستقلالات عن خيبات وإحباطات جعلت القيم تهتز، وأجهزة القمع للدولة الوطنية  تستأسد وتكشر عن أنيابها…))([v])

وبما أن الكاتب صار يهتم أكثر بالبناء الروائي وبالاشتغال على اللغة، فقد استرجع النصُّ روْنقَه الأدبي كما في رواية “السعيد بوطاجين”أعوذ باللهّ، وفي رواية “زهوة” لـ “الحبيب السالئح” ، مما يمكن أن يُدرج في الكتابة الحداثية والتي تتميز بما يلي:

  1. يبدو الكاتب مُقلاّ، يمنح الوقت الكافي لخلق الأجواء والاشتغال على اللغة
  2. تحضر الذات الكاتبة موزَّعة على مختلف الشخصيات في حركتيْ مدّ وجزر تؤول في النهاية إلى رؤيا أو موقف يختفي خلف حجاب أدبي يستوقف القارئ قبل اختراقه إلى غيره.
  3. يستدعي فعل الكتابة المخزون الثقافي المتعدد، التراث الوطني والعربي الإسلامي والإنساني.
  4. ينكسر العمود التقليدي بتداخل الأزمنة وتعدد الأصوات ما يضطر المتلقي إلى إعادة ترتيب الأحداث وإعادة القراءة ليتمكَّن من تحريك النص في رحابة ذهنية.
  5. إنها كتابة منفتحة على جملة من الاحتمالات والتأويلات.

   ثم سنشهد في تسعينيات القرن الماضي عودة واضحة إلى الخطاب المباشر، كتابات أقرب إلى التقارير الصحفية منها إلى الأعمال الروائية الناضجة لذلك ظهر الحديث عن الأدب “الاستعجالي”  . ولعل أول ما يتبادر إلى الذهن عند سماعها أنها وصف لأدب لا يرقى إلى المستوى المنشود من المقاييس الأدبية كما يتصوَّرها القائلون بها . فهي صفة الغرض منها الانتقاص من قيمة هذه الكتابات لأنها كَثُرت أو لأن أصحابها يكتبون على عجل .

فإذا ما نظرنا بعيْن واقعية إلى ما عشناه من آلام في تلك الفترة ، فخير للمرء أن يكتب من أن يصمت .فالكتابة في ظرف عصيب قد تكون المتنفَّس الوحيد ، والشحنة الضاغطة أشبه بقنبلة إذا هو لم  يُفْرغها انفجرت عليه ودمَّرته.

وربما كان مصدر صفة الاستعجالية أولئك الذين يريدونها ردَّ فعل دفاعي على انتقاد تجربة السبعينيات . في حين ليست المسألة  أن جيلا يزاحم آخر ليُلْغيه ويحل محلَّه، بل هي طبيعة الحركة الأدبية في مسارها استمرارا لا انقطاعا ، وكما كانت الفترة السابقة  حبلى بأسماء واعدة  أثبتت حضورها ، فلا نعدم أن نجد في الفترة اللاحقة محاولات أدبية راقية ، إذا نحن أقبلنا فعلا على قراءة  هذه الأعمال ولم نبقَ فريسة لتصريحات نرجسية لا موضوعية فيها .

وفي كل الأحوال فإن  النص السردي الجزائري قد استطاع في فترة قصيرة أن يجرب تقنيات الكتابة الجديدة من ارتداد ومناجاة وسخرية إلى خلخلة التسلسل الزمني ، كما تمكَّن من توظيف التراث على نحو جمالي . وبعدما كان التراث الوطني المحلي هو الغالب ، أصبح الكاتب يعانق  التراث العربي الإسلامي والإنساني مستفيدا من المعارك الفكرية التي امتدَّت طوال القرن العشرين.

 

إحالات:

(1)حكاية العُشاق في الحب والاشتياق وما جرى لابن الملك الشائع مع زهرة الأنس بنت التاجر  ،محمد بن إبراهيم (الأمير مصطفى) ،تحقيق الدكتور أبو القاسم سعد الله- المؤسسة الوطنية للكتاب، الطبعة الثانية الجزائر، 1983.

2) عبد الحميد عقار”تحولات الرواية في الجزائر ط – آفاق مجلة اتحاد كتاب المغرب،العدد1-1990،ص: 46

3) رشيد بوجدرة :”التفكك” الشكة الوطنية للنشر والتوزيع،الطبعة الثانية-الجزائر1982، ص:172

4) واسيني، الأعرج – ما تبقى من سيرة اخضر حمروش –دار الجرمق ، ص : 128.

5) محمد برادة :الرواية في المغرب العربي ،الأدب المغاربي اليوم،قراءات مغاربية،مجموعة من الباحثين،منشورات اتحاد كتاب المغرب،2006ص:7



 

 

 

 

 

 

 

 

 


أضف تعليق