مشكلة الاندماج الوطني في نيجيريا: بوكو حرام أنموذجا / مهند عبد الواحد النداوي

مقال نشر بالعدد الاول من جلة جيل الدراسات السياسية والعلاقات الدولية ص 29 من إعداد الدكتور مهند عبد الواحد النداوي بغداد – العراق ، للإطلاع على كل العدد يرجى الضغط على غلاف المجلة:

 JiL Politic 1

المقدمة:
شهدت القارة الأفريقية اضطرابات وأزمات عدة منذ العقد الأخير من القرن العشرين، على العكس مما كان يظن البعض آنذاك، من ان انهيار نظام ثنائي القطبية، سوف يقلل من حدة الازمات والنزاعات المسلحة. اذ تغيرت طبيعة المنازعات في القارة الأفريقية، وشهدت انتقالاً من الصراعات والمنازعات الدولية التي كانت تقوم بين العديد من الدول الأفريقية، لأسباب عدة، الى زيادة كبيرة في نسبة اندلاع المنازعات المسلحة الداخلية في العديد من دول القارة.
وتعد نيجيريا من ضمن الدول التي شهدت ظاهرة اندلاع العديد من المنازعات المسلحة على الصعيد الداخلي، بدوافع مختلفة، منها: اثنية ودينية واقتصادية…، على الرغم من اتجاه البلاد منذ بدايات القرن الحالي، الى غياب ظاهرة الانقلابات العسكرية، و إقامة الانتخابات الديمقراطية، ومحاولة تطبيق النظام الفيدرالي كشكل للحكم.
وتعد حركة بوكو حرام، من ضمن الحركات “الإسلامية” التي برزت في نيجيريا منذ القرن الحادي والعشرين، على الرغم من ان صداها بدأ بالبروز منذ العقد الثاني من القرن نفسه. وقد اتخذت الحركة طابع استخدام العنف المسلح في سبيل تحقيق اهدافها في البلاد، مما ادى الى دخول الجزء الاكبر من البلاد في دوامة العنف المسلح.
هدف الدراسة :
تهدف الدراسة الى التعريف بطبيعة النظام السياسي القائم في نيجيريا، ومدى تأثير وانعكاس ذلك على مدى استقرار الاوضاع السياسية في البلاد.
فرضية الدراسة :
ان الفرضية التي ستحاول الدراسة الاجابة عليها ، تتمثل في بيان، مدى تأثير النظام الفدرالي في نيجيريا على تزايد ظاهرة اندلاع المنازعات المسلحة على الصعيد الداخلي، لا سيما مع ظهور حركة بوكو حرام المسلحة، وما تأثير ذلك على مستقبل العلاقة بينهما.

هيكلية الدراسة:
في ضوء فرضية البحث ، فقد تم تقسيم الدراسة الى أربعة محاور، وكما يلي:
أولا: نيجيريا: القدرات والإمكانات.
ثانياً: تزايد ظاهرة العنف المسلح في نيجيريا: الأسباب والدوافع.
ثالثاً: تأسيس حركة بوكو حرام.
رابعاً: مستقبل العلاقة بين النظام السياسي النيجيري وحركة بوكو حرام.
1. نيجيريا: القدرات والإمكانات
تعد نيجيريا احدى القوى الإقليمية الفاعلة على الساحة الأفريقية بصفة عامة، وفي غرب افريقيا بشكل خاص. وتستمد قوتها من مجموعة من المقومات او عناصر القوة التي تتمتع بها. كما وتعد من الدول التي تتمتع بمكانة جيوستراتيجية مهمة في افريقيا، والتي كان ولا يزال لها دور مهم في تطبيق نظام الحكم الفدرالي ، رغم العقبات والتحديات التي لا زالت تواجهها ، وعليه ، فسنعمد الى تناول الدراسة وفق الاتي :
1.1. نبذة تعريفية :
تقع نيجيريا في وسط غرب افريقيا، وتبلغ مساحتها قرابة (923،773)كم2، وبسبب حجمها الكبير، فأنها تحوي على الكثير من الخصائص المتنوعة، سواء في جغرافيتها الطبيعية أم البشرية أو الاقتصادية( ).
وتعد من اكبر الدول الافريقية سكاناً، اذ يبلغ عدد سكانها (166,6) مليون نسمة ، وهي بذلك تمثل (55%) من سكان غرب افريقيا، وسبع سكان قارة افريقيا البالغ عددهم (1,068,444) حسب تقديرات عام 2012( )، وتعد اللغة الانكليزية اللغة الرسمية للبلاد ، فضلا عن ذلك يتوزع سكانها على اكثر من (100) لهجة محلية ، حتى ان بعض الكتّاب قدّر عدد لهجات هضبة جوس (Jus) النيجيرية باكثر من (100) لهجة محلية( ).
يشكّل المسلمون نحو (50%) من سكان نيجيريا ، ويتمركزون بصورة اساسية في الشمال والوسط، وتمتد الى الجنوب الغربي للبلاد، بينما تصل نسبة المسيحيين الى قرابة (40%) ، ويتمركزون في الجنوب، بينما اصحاب المعتقدات الاثنية الاخرى يشكلون (10%) ، ولا تعتمد الدولة في الدستور اي دين رسمي للبلاد ( ).
وتعد القبيلة العنصر الاهم في المجتمع النيجيري، وهو الاساس الذي اسهم في تحديد هوية العلاقات الاجتماعية لمواطني البلاد طوال القرون السابقة، وقد أشارت بعض المصادر الى انها تضم اكثر من (374) مجموعة قبلية، في حين تذهب مصادر اخرى، الى وجود اكثر من (400) مجموعة قبلية واثنية في نيجيريا( ). وبالمقابل ذكرت مصادر اخرى، الى انها _اي نيجيريا_ تضم اكثر من (250) مجموعة قبلية تتباين في اوزانها النسبية وقوة تأثيرها على الصعيد السياسي والاجتماعي، وتمثل كل من قبائل الهوسا والفولاني او ما يعرف بـ الهوسا_فولاني في الشمال ، واليوروبا في الجنوب الغربي ، والايبو في الجنوب الشرقي من ابرز المجموعات القبلية الرئيسة في البلاد ( ).
2.1. الاقتصاد والثروات :
تتوافر نيجيريا على العديد من الخصائص المتنوعة في جغرافيتها الطبيعية ، بسبب سعة المساحة وموقعها الاستراتيجي في غرب افريقيا، والمتمثلة في الاراضي الزراعية ووفرة المياه، لا سيما في الاقاليم الجنوبية منها، وتمثل الاراضي الصالحة للزراعة والرعي اكثر من (50%) من مساحة البلاد، وتغطي الغابات ما يقارب الثلث من مساحتها، مما جعلها تحتل المرتبة الثامنة عالمياً في انتاج الخشب( ).
أما من حيث الموارد المعدنية ، فيبلغ حجم الاحتياطي النفطي بحسب تقديرات منظمة اوبك ما بين (27_31،5) مليار برميل ، تصدر منها اكثر من (2) مليون برميل يومياً ، مما جعلها تحتل المرتبة الثامنة في قائمة اهم الدول المصدرة للنفط عالمياً [ يمثل النفط النيجيري قرابة 20% من الناتج المحلي الاجمالي و 95% من اجمالي حجم تجارتها مع العالم الخارجي و 65% من مدخولات ميزانية الدولة ]، في حين يبلغ حجم الاحتياطي من الغاز الطبيعي قرابة (4،5) تريليون قدم مكعب ، وتصدر يومياً اكثر من (7،5) مليار قدم مكعب من الغاز الطبيعي على هيئة غاز مسال ، فضلا عن انتاجها قرابة (100) الف طن من الفحم سنوياً ، و الحديد (5 مليون) طن سنوياً، والقصدير (7) آلاف طن سنوياً ( ).
3.1. القدرات العسكرية:
تمتلك نيجيريا قدرات عسكرية تفوق قدرات العديد من الدول الافريقية، اذ تحتل المركز الثاني على المستوى العسكري في افريقيا جنوب الصحراء، بعد جنوب افريقيا، مما اهلتها للقيام بدور رئيسي في العديد من مهام حفظ السلام داخل القارة وخارجها، حتى عدت اكثر دول القارة اسهاماً في الكثير من المسؤوليات لحفظ السلم والاستقرار على الصعيدين الاقليمي والدولي، وكذلك على الصعيد الاقليمي الفرعي، كما في مساهمتها في اقامة فريق الرصد (ECOMOG) التابعة للجماعة الاقتصادية لدول غرب افريقيا (ECOWAS)، والتي كان لها دور بارز في ادارة الصراع في كل من سيراليون وليبيريا وغينيا بيساو، حتى عدت نيجيريا المحرك الاساسي في اداء الـ(ECOMOG) فيما يتصل بهذه الصراعات( ).
4.1. النظام السياسي النيجيري:
حصلت نيجيريا على الاستقلال من الاستعمار البريطاني في تشرين الاول/اكتوبر من عام 1960، وبموجب الدستور الاول من العام نفسه ، تم تبني النظام الفدرالي كنظام حكم للبلاد منذ الاستقلال، من خلال تقسيم البلاد الى ثلاثة اقاليم كبرى – تمثل المجموعات القبلية الرئيسة الثلاث آنذاك – على الرغم من ان جذور الفدرالية تعود الى فترات سبقت الاستقلال ، وذلك عندما كانت البلاد اصلاً مقسمة جغرافياً بين القبائل الرئيسة، وكان الاستعمار البريطاني آنذاك يتعامل مع الكتل الاثنية كمجموعات مختلفة ومستقلة عن بعضها البعض، مستغلة الطبيعة القبلية لتلك المجموعات ( ).
وعليه ، كانت الاقاليم الثلاث التي تقطنها المجموعات القبلية الرئيسة الاساس في تشكيل الدولة الفدرالية النيجيرية الحديثة، التي انطلقت منذ الاستقلال باعتماد النظام الفدرالي من ثلاثة اقاليم . وان التقسيم الجغرافي لم يعتمد على المعيار الديني وانما المعيار القبلي ، وذلك نتيجة للعلاقات القبلية وأولوية الولاءات القبلية عن الولاء للدولة لدى اغلب الشعوب الافريقية .
وقد عرفت الفدرالية في نيجيريا محطات مهمة، تبلورت بتعاقب المراحل التي شهدتها البلاد لتداول السلطة، سواء كانت عن طريق الانقلابات العسكرية ام من خلال الانتخابات( ).
وعلى الرغم من ان النظام النيجيري الحالي عرف (5) دساتير منذ الاستقلال ، بينها فترات من الحكم العسكري اللادستوري، الا ان الدستور الاخير الصادر في عام 1999، حدد شكل الدولة الحديثة، اذ نصت الفقرة الاولى من المادة الثانية، على ان “نيجيريا دولة موحدة ذات سيادة غير قابلة للحل ولا للتقسيم وتعرف بأسم جمهورية نيجيريا الفدرالية” ( ).
وتنقسم في الوقت الحاضر الى (36) ولاية فدرالية فضلا عن العاصمة ابوجا( ).
وبموجب دستور عام 1999، يتكون النظام السياسي في البلاد من( ):
1- السلطة التشريعية: وتتألف من:
مجلس الشيوخ: ويتألف من (109) اعضاء [ 3 اعضاء لكل ولاية وعضواً واحداً يمثل العاصمة ابوجا ]، ويتم انتخاب الاعضاء بالاقتراع العام المباشر لمدة اربع سنوات .
مجلس النواب: يتألف من (360) عضواً ينتخبون لمدة اربع سنوات قابلة للتجديد عن طريق الاقتراع العام المباشر
مجالس الولايات : تضم كل ولاية من الولايات الـ(36) مجلساً منتخباً يعرف ببرلمان الولاية، وينتخب أعضاءه من بين سكان الولاية بالاقتراع العام المباشر لمدة (4) سنوات قابلة للتجديد.
2- السلطة التنفيذية:
يمثلها رئيس الجمهورية الذي ينتخب بالاقتراع العام المباشر لمدة (4) سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة . ويجمع رئيس الجمهورية بين منصبي رئيس الدولة ورئيس الحكومة .
وعلى مستوى الولايات : فأن حاكم الولاية يمثل السلطة التنفيذية فيها ، ينتخب لمدة (4) سنوات قابلة للتجديد ، ويتمتع بصلاحيات محلية واسعة .
3- السلطة القضائية:
تتمثل في المحكمة الفدرالية العليا الموجودة في العاصمة ابوجا، وتتولى الفصل في المسائل المستأنفة اليها من كل اقاليم الدولة ، ويرأسه قاض يعينه رئيس الجمهورية مع (21) قاضياً، كما توجد محاكم خاصة في كل الولايات .
والنظام القانوني في نيجيريا يعتمد على القانون البريطاني، فضلا عن قانون الشريعة الاسلامية المطبق في بعض الولايات الشمالية ، كما ان هناك قوانين اخرى خاصة بكل اقليم .
وقد عمل دستور 1999 ، على تنظيم العلاقة بين الحكومة الفدرالية وحكومة الولايات ، التي اتسمت بالفتور خلال تناوب الحكم العسكري على البلاد، من خلال منح المزيد من الاستقلال الذاتي للولايات في تسيير الشؤون المحلية، وكذلك تفويض الصلاحيات للتصرف في موارد الولايات الاقتصادية ، رغم ذلك فان هناك العديد من العقبات التي ما زالت قائمة وتقف بالضد من تنظيم العلاقة بين الحكومة الفدرالية وحكومة الولايات ، من ابرزها( ):
– ان تبني النظام الفدرالي في نيجيريا لم يأتي عن طريق التفكك و/او التوحد ، وانما ورثت شكلاً من اشكال الادارة الاستعمارية للتنوع الاثني في شكل اقاليم غير متجانسة ثقافياً ولغوياً ودينياً .
– على الرغم من اعتراف انظمة الحكم المتعاقبة على نيجيريا بالنظام الفدرالي كنظام للحكم، الا انها كشكل للدولة لم تطبق فعلياً الا في فترات متقطعة، نتيجة خضوع نيجيريا للحكم العسكري ، وغلبة المؤسسة العسكرية على المؤسسات المدنية.
– عملت الحكومات النيجيرية على تطبيق نموذج خاص بها كنظام للحكم ، من خلال تقسيم الولايات الى وحدات صغيرة، عرفت باسم ” مجالس الحكم المحلي ” ، ليبلغ عدد المجالس المحلية في الوقت الحاضر نحو (774) مجلساً، من اجل السيطرة على ادارة الاقاليم، الا ان هذه الاستراتيجية لم تحقق النتائج المرجوة منها، نظراً لاعتماد النظام الانتخابي في نيجيريا على مبدأ الاغلبية الذي يفرز دائماً نتائج لصالح الجماعات الاثنية الاكثر عدداً .
– ان مشاركة المواطنين النيجيريين سواء على المستوى الفدرالي ام على مستوى الولايات، كانت ضعيفة جداً، نتيجة الى فترات الحكم العسكري التي احتكرت فيها السلطة وهمشت الولايات، اذ تميزت فترات الحكم العسكري بإلغاء دور المجالس المنتخبة ، واللجوء الى التشريع بإصدار المراسيم في معظم الحالات لضمان الهيمنة على السلطة.
– على الرغم من ان من سمات النظم الفدرالية (الاستقلالية) ، الا انه في حالة نيجيريا، لا تتمتع الولايات باية استقلالية، نتيجة تدخل السلطة المركزية في رسم حدود الولايات وفق تصورها واهدافها ، ومن دون الرجوع الى رأي تلك الولايات، مما ادى الى تكريس جماعات معينة على جماعات اخرى .
2. تزايد ظاهرة النزاع المسلح في نيجيريا: الاسباب والدوافع
تعد نيجيريا اليوم من ضمن الدول الافريقية الموسومة بالتوجهات الديمقراطية، نظراً الى انها اقامت انتخابات رئاسية وبرلمانية في الاعوام 1999 و2003 و2007 و2011، وغياب ظاهرة الانقلابات العسكرية التي كانت ترزخ بها البلاد في الفترات السابقة.
وبالمقابل، لا يزال النظام السياسي في البلاد، حاله كحال العديد من الدول الافريقية جنوب الصحراء، يواجه ظاهرة اندلاع المنازعات المسلحة الداخلية، لا سيما بين الحكومة المركزية وجماعات متمردة في نيجيريا. ولا تزال مشكلة الاندماج الوطني قائمة، واخذ ظهورها اشكالاً متعددة، فمرة تبدو في شكل صراع اقليمي ، واخرى في شكل صراع اثني ، وثالثة في شكل صراع ديني ….
وقد تعددت الاسباب لتزايد ظاهرة اندلاع المنازعات المسلحة في دول القارة الافريقية، ومن بينها نيجيريا، وفي ذلك، بين السكرتير العام السابق للامم المتحدة (كوفي عنان)، في التقرير الذي قدمه الى مجلس الامن الدولي في عام 1999، الى ان من اسباب النزاعات المسلحة في افريقيا، لا سيما على الصعيد الداخلي، وغياب الاندماج الوطني بين مكوناته( ):
– التركة الاستعمارية: التي رسمت الحدود بين الدول الافريقية من دون مراعاة للاعتبارات الجغرافية والاثنية التي تخص المجتمعات الافريقية.
– الاسباب الداخلية: من خلال اقناع الافارقة انفسهم، ان اللجوء الى النزاع المسلح هي الوسيلة الوحيدة التي من خلالها يتم الحصول على الثروة والسلطة والنفوذ السياسي في افريقيا.
– الاسباب الاقتصادية: من خلال دور تجار السلاح والباحثون على الموارد المعدنية النفيسة التي تحتويها القارة وبكميات كبيرة، في دعم استمرار النزاعات والحروب الاهلية في افريقيا.
– الاسباب الخارجية: لا سيما بعد انتهاء الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي آنذاك، حيث تضاءلت اهمية القارة، واصبح من الصعب على النظم الحاكمة توفير الغطاء الشرعي الذي كان يحمي وجودها ويساندها للاحتفاظ بالسلطة من قبل القوى الكبرى، وهذا الوضع ادى الى تزايد حالات النزاع المسلح والاضطرابات المرتبطة بالصراع على السلطة و/او المرتبطة بالاختلافات العرقية والاثنية، والتي سنحت الفرصة لها الان لتبرز بوضوح اكثر.
كل هذه تعني ان هناك العديد من الاسباب وراء تزايد ظاهرة اندلاع النزاعات المسلحة على الصعيد الداخلي، وتفاقم مشكلة الاندماج الوطني في العديد من دول القارة الافريقية، ومن بينها نيجيريا، وان اسبابها الداخلية اكثر منها خارجية.
وتعد نيجيريا صورة مصغرة لافريقيا، ذلك ان حجم التناقضات والاختلافات فيها متعددة ومتنوعة في الدرجة والكثافة، مما حدا الى اتجاه الحكومات المتعاقبة الى تقسيم الاقاليم النيجيرية الكبرى_ الشمال والشرق والغرب_ اكثر من مرة حتى وصل عددها الى (36) ولاية فدرالية فضلاً عن العاصمة ابوجا ، وذلك بغية اضعاف قدرتها على مقاومة السلطة المركزية.
وعلى الرغم من ان تفتيت الاقاليم الكبرى، وان كانت قد ادت الى توارى احتمالات بزوغ حركات انفصالية، الا ان مظاهر الازمة لم تزل قائمة، بل والأخطر من ذلك، ان مسارها بدأ يتحول على شكله التقليدي من صراع اقليمي/اثني الى صراع ديني( ). فبدلاً من ان يؤدي تطبيق النظام الفدرالي الى دفعة في مجال تحقيق الاندماج الوطني، فأنه ادى الى الحفاظ على الانقسامات التقليدية، وترك البلاد مقسمة الى وحدات صغيرة مختلفة (تعددية اثنية، دينية، لغوية، ثقافية، اقتصادية، اقليمية…)، وطالماً ان العناصر المحافظة داخل السلطة التقليدية قد استفادت من هذا النظام، فقد اصبح لها مصلحة مباشرة في الحفاظ على الوضع القائم، مما اسفر عن عزل الاقاليم وزيادة الفجوة فيما بينهما، ورافق ذلك عوامل داخلية وخارجية عدة( ). وعليه، تعاني نيجيريا، كما هو شأن العديد من الدول الافريقية، من اشكالية الاندماج الوطني بين مكوناته، وادارة التعددية الاثنية، وتنامي الولاءات التحتية (الدينية والقبلية والجهوية)، على الولاء الوطني للدولة النيجيرية، وما يرتبط بها من سيولة حدودية، لكون العديد من تلك الاثنيات عابرة للدول من ناحية، وتوازي تلك الانقسامات الاثنية والدينية في الواقع النيجيري بشكل مركب من ناحية اخرى، فضلاً عن الاخفاق في تحقيق التنمية السياسية والاقتصادية، وما يترتب عليها من اشكاليات، وقد تجلى هذا التأثير في الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي النيجيري( ).
وعليه، تعد نيجيريا من ضمن الدول الافريقية التي شهدت تزايد حدة النزاعات الداخلية، واتخذ النزاع اشكال متعددة، وهي قديمة ومستمرة. كما حدث اثناء اندلاع النزاع المسلح بين قبائل الهوسا واليوروبا والايبو الذي ادى الى قيام حركة انفصالية في مناطق الايبو والتي ينتمي افرادها الى المسيحية في اقليم بيافرا خلال سنوات 1967_1970 ، علماً ان اقليم بيافرا هو من اكثر المناطق ثراء في نيجيريا بالنفط، وراح ضحية النزاع اكثر من (1) مليون شخص، حتى استطاعت الحكومة المركزية من القضاء عليه( ). وكذلك الصراعات في دلتا النيجر، والتي ما زالت مستمرة بين الجماعات المحلية التي تعاني التهميش من جانب والحكومة النيجيرية من جانب اخر( ). ويمثل الصراع مع جماعة بوكو حرام اخر فصول هذه النزاعات المسلحة، وهو ما سيتم تناوله بشيء اكثر تفصيلاً.
3. تأسيس حركة بوكو حرام:
تعد حركة “بوكو حرام” من الحركات الاسلامية التي انبثقت منذ إرهاصات عصر العولمة في نهايات القرن العشرين. وقد تنوعت تسمية الجماعة اعلامياً ما بين “بوكو حرام” و “طالبان نيجيريا” و “جماعة التكفير والهجرة”، في حين ان الاسم الرسمي للحركة هي “جماعة اهل السنة للدعوة والجهاد”( ). اما كلمة “بوكو حرام” المشاعة، فهي كلمة مركبة من لغتي الهوسا واللغة العربية، وتعني “بوكو” بلغة الهوسا “نظام التعليم الغربي”، واذا اضيفت لها كلمة “حرام” من اللغة العربية، أصبح معناها “نظام التعليم الغربي حرام”( ).
وقد تأسست الحركة في عام 2002 كجماعة محلية على يد “محمد يوسف”. واتخذ من ولاية “بور” النيجيرية مقراً للحركة. وقد تنامى تأثير الحركة في العديد من ولايات الاقليم الشمالي لنيجيريا، لا سيما في بورنو ويوبي وكاتسينا وكادونا وكانو( ).
تتركز الملامح الفكرية للحركة على عدد من الاصول، من بينها: اثبات الحاكمية لله تعالى وحده وتطبيق الشريعة الاسلامية، وتحريم القوانين الوضعية لمضادتها للاسلام، وعدم جواز العمل في الاجهزة الامنية والحكومية في الدولة، وفرض سيطرتها على شمال نيجيريا واستعادته ممن تعتبرهم “مسلمين زائفين” وفق معاييرها، فضلاً عن تغيير نظام التعليم في البلاد بحجة ان التعليم في البلاد يتعارض مع تعاليم الاسلام، بدعوى ان المستعمرين والمسيحيين المنصرين هم الذين أسسوا هذه المدارس منذ البدء لتخدم غايتهم في تنصير الامة المسلمة، فضلاً عن انتشار التبرج والاختلاط بين الجنسين في المؤسسات التعليمية( ). وقد اكدت الجماعة على لسان قادتها، ان تحقيق اهدافها وتأكيد مبادئها لا يمكن ان يحدث الا من خلال السلاح والمواجهة لإزالة الحكومة الظالمة _حسب تعبيرهم_، فمثلاً ورد في محاضرة لمؤسس الحركة (محمد يوسف) بعنوان “رسالة مفتوحة الى الحكومة الفدرالية” والتي اعلن فيها بدء الجهاد ضد الحكومة النيجيرية( ).
وقد مرت العلاقة بين حركة بوكو حرام والحكومة النيجيرية بمرحلتين( ):
الاولى: اتسمت تلك المرحلة بالانكفاء على الذات للبناء والتشكل _على الرغم من تجدد المواجهات المسلحة مع الحكومة النيجيرية بشكل متقطع في فترات مختلفة_، اذ سعت الحركة منذ تأسيسها في عام 2002 وحتى عام 2009، الى العمل على فك الارتباط رسمياً مع مؤسسات الدولة النيجيرية على كافة المستويات، وتأسيس ذراع اعلامي للجماعة، وتأسيس هياكل مؤسسة اسلامية في كافة المجالات لخدمة أعضائها، فضلاً عن اعتماد ترتيب هرمي للادارة عبر تعيين امراء يدينون بالولاء والطاعة لامير الجماعة وذلك في الولايات الشمالية في نيجيريا وبعض دول الجوار الجغرافي كتشاد والنيجر.
الثانية: بدأت منذ عام 2009، وقد عدت الاكثر تأثيراً في المستوى المحلي والدولي، اذ اتسمت بمرحلة المواجهة والصدام المسلح مع الحكومة النيجيرية، لا سيما بعد مقتل مؤسس الحركة “محمد يوسف” عقب اعتقاله في احد مراكز الشرطة النيجيرية في 30 تموز/يوليو من عام 2009. اذ اعلنت الحركة عقب مقتل زعيمها في آب/اغسطس من العام نفسه، عن عزمها على مواصلة العنف المسلح ضد الدولة على خطى مؤسسها، وانها سوف تلتحق بتنظيم القاعدة،_ وهو ما اكده الناطق الرسمي باسم الحركة “موسى تنكو” في النشرة الهوساوية بإذاعة BBC من انضمام بوكو حرام الى تنظيم القاعدة_، وانها تنوي شن سلسلة من الهجمات ضد الاهداف الحكومية والمصالح الغربية في مختلف ربوع نيجيريا، وهو ما اعاد تأكيده الزعيم الجديد للجماعة “ابو بكر شيكاو” والذي اصبح يلقب بالامام.
ومع مطلع العام 2012، وسعت “بوكو حرام” من نطاق عملها كماً وكيفاً، واصدرت تحذيرات للمسيحيين الموجودين في شمال نيجيريا، بأخلاء الشمال كليا، لا سيما بعد وصول “غودلاك جوناثان” الى رئاسة البلاد في نيسان/ابريل من عام 2011، فقد اثار انتخابه استياء الحركة، على اساس ان غودلاك مسيحي الديانة، وقد جاء خلفاً للرئيس السابق المسلم (عمر يارادوا) _حسب تعبيرهم_•. وقد قدر المراقبون، انه منذ العام 2009، خلفت الهجمات التي قامت بها بوكو حرام، اكثر من (1500) قتيل. ووفقاً لتقارير وسائل الاعلام التي رصدتها منظمة “هيومن رايتس ووتش”، الا انه قتل اكثر من (815) شخص خلال الأشهر التسعة الاولى من عام 2012، وذلك في نحو (275) هجمة المشتبه في قيام الجماعة بها( ). في حين قدرت مجموعة الازمات الدولية، الى ان عدد الذين قتلوا على يد هذه الجماعة اصبح يتعدى الـ(4) آلاف شخص في نيجيريا منذ ان بدأت الحركة تمردها في عام 2009 وحتى العام 2013( ). وفي الرابع عشر من نيسان/ابريل من عام 2014، اقدمت الحركة على اختطاف (234) طالبة من مدرسة ثانوية في بلدة (شيبوك) الواقعة في الشمال الشرقي من البلاد( )، وصرح زعيم الحركة ابو بكر شيكاو، الى انه خطف الطالبات “لان التربية الغربية يجب ان تتوقف، وان على الفتيات ترك المدرسة والزواج”( ). وقد اثارت موجة الاختطاف، الرأي العام العالمي، ونددت اغلب دول العالم بالحادثة، وفي ذلك صرح (كوفي عنان) الامين العام السابق للامم المتحدة: “ينتابك شعور احياناً ان المجتمع الدولي والقوى الكبرى يركزون على ازمة واحدة فقط في وقت ما. انتقلنا من سوريا الى اوكرانيا…، لكن الازمة الوحيدة التي نالت قدراً من الاهتمام ونجحت في كسر الهيمنة الاوكرانية هي اختطاف جماعة بوكو حرام لفتيات من نيجيريا”( ). في حين اشار (ادوتي اكويي) المدير الاداري للعلاقات الحكومية في منظمة العفو الدولية: لا شك ان هذه كانت حركة جريئة من بوكو حرام في خضم الصراع الدائر في نيجيريا، قصدت منها تعزيز نفوذها في بلد يحاول تجاهل هذه الجماعة المسلحة ويتمنى الخلاص منها. واضاف: لقد اكسبت عملية الاختطاف بوكو حرام صيتاً بأنها الاكثر وحشية واثارة للرعب، لان هناك تنافساً بين الجماعات المسلحة لاثبات من هي الجماعة الاقدر على ترويع الناس وارهابهم( ).
وهكذا، فقد عملت الحركة، لا سيما بعد مقتل زعيمها في عام 2009، الى زيادة استخدام العنف المسلح ضد الاهداف الحكومية والمدنية معاً، في محاولة منها الى اثارة الرعب في صفوف الحكومة والشعب النيجيري على السواء، واثبات قدرتها على فرض سياسة الامر الواقع.
4. مستقبل العلاقة بين النظام السياسي النيجيري وحركة بوكو حرام:
تمثل الصراعات الاثنية والدينية والقبلية السمة الغالبة على كثير من المجتمعات الافريقية، والتي يراد لها ان تعيش دائماً في أتون صراعات تمنع الاستقرار، مما يسهل على الطامعين في مقدرات هذه الدول من استغلال وسرقة خيراتها. وما يحدث في نيجيريا هو حلقة من حلقات هذا الصراع، لا سيما وان نيجيريا تعد _كما سبق ذكره_ من اكبر وأغنى البلدان الافريقية، وهي تعد من ضمن الدول الغنية بالبترول، ومع ذلك تعد من افقر بلدان العالم.
اذ ساهم تزايد العنف من جانب حركة بوكو حرام واتساع نطاقه، عن تجدد العنف الديني بين المسلمين والمسيحيين، ومن بينها، اسفرت احداث بوكو حرام، عن قيام جماعة مسلحة مسيحية بقتل اكثر من (550) شخص مسلم، وفقاً لمنظمات حقوقية، في قرية “كورا كرانة” التابعة لمدينة جوس عاصمة ولاية بلاتو في وسط نيجيريا في التاسع عشر من كانون الثاني/يناير من عام 2010( ). فضلا عن مطالبة بعض الاصوات بتقسيم نيجيريا الى دولتين في الشمال والجنوب، وكانت جماعة ايبو الاثنية في مقدمة المطالبين بذلك، لا سيما مع الهجمات التي اخذت تشنها بعض الجماعات المسيحية المتشددة ضد المسلمين في الولايات الجنوبية( ).
وقد اتخذت الحكومة النيجيرية اساليب عدة لمواجهة الحركة، من بينها: الحملات الامنية والاعتقال لاعضاء الحركة•، ودعوة الجماعة للهدنة والحوار، فضلاً عن الاستعانة بخبرات الدول الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا في مجال مكافحة الارهاب، بالاضافة الى سعي علماء السنة الى مواجهة الجماعة فكرياً من خلال ألقاء المحاضرات واصدار الكتيبات وعقد المناظرات التي تفند افكار ومبادئ الحركة ( ). اذ تصدى علماء السنة في نيجيريا، للمنهج الذي اتخذته “جماعة اهل السنة للدعوة والجهاد” منذ بدايتها، وبينوا ان الامر يحتاج الى اتباع الحكمة والموعظة الحسنة وليس الاخذ بمنهج العنف ولغة السلاح، ومن جانب اخر، يرون هذه الحوادث فتنة تحتاج الى وئدها ووضع الحلول المناسبة لها. واما عامة المسلمين، فأن موقفهم لم يتغير عن موقف العلماء، لكنهم لا يشعرون تجاه القوات الامنية النيجيرية بأسى او تحسر لما يصيبها، ويرون انه قصاص لما يلاقيه الشعب على يد رجال الامن من التعذيب والتصفية الجسدية( ).
وقد عمد بعض الاحزاب والشخصيات السياسية، لا سيما المتنفذة في السلطة، الى استغلال احداث العنف المسلح من قبل بوكو حرام، من خلال تصفية خصومها السياسيين، مما سيؤثر ذلك في المستقبل على الاستقرار السياسي لنيجيريا، وقد تبين ذلك من تصريح الرئيس النيجيري غودلاك جوناثان، اذ اشار عقب مشاركته بقداس في العاصمة النيجيرية ابوجا، انه يعتقد بوجود متعاطفين داخل حكومته وفي الاجهزة الامنية مع جماعة بوكو حرام. واضاف: “بعضهم موجود داخل الذراع التنفيذية للحكومة وبعضهم في الذراع التشريعية (البرلمان)، بينما البعض الاخر في سلك القضاء”. واردف بقوله: “البعض منهم موجود ايضاً في القوات المسلحة وفي الشرطة والاجهزة الامنية”( ). وعلى الرغم من صحة بعض اقواله، الا ان هناك عوامل اخرى كثيرة تستتر خلف هذا الصراع وتحركه، ابرزها: العوامل الاثنية والاقتصادية، فكما اشرنا فيما سبق، فان نيجيريا تتكون من عدد كبير جداً من المجموعات القبلية والاثنية، ويستخدم السياسيون غالباً هذه العصيات القبلية والاثنية في تحقيق مآربهم السياسية البراغماتية، مستغلين الفرصة لتصفية مؤسسات الدولة من القيادات المناهضة لسياساتهم الخاصة. فضلا عن ان القدرات الاقتصادية الهائلة لنيجيريا تتركز في يد قلة قليلة من المسئولين، ولا تنعكس على الاوضاع المعيشية لغالبية المواطنين، اذ لا يزال اكثر من (70%) من السكان يعيشون تحت خط الفقر، ويمثل الصراع في دلتا النيجر خير مثال على القتال من اجل الحصول على الحقوق الاقتصادية. كما ينتشر الفساد بصورة كبيرة في مؤسسات الدولة وبين المسئولين الحكوميين، اذ يسعى اغلبهم للحصول على المناصب السياسية لانها تمثل الطريق الآمن للاستحواذ على الثروة مما يفجر صراعاً طبقياً نتيجة لسوء توزيع الثروات، لا سيما عائدات النفط( ).
وعلى الرغم من المحاولات المستمرة للقضاء على النعرات الاثنية و/او الطائفية، الا ان هذه الاخيرة لا زالت تحدد هوية النيجيري، فالصراعات وفقدان الثقة تجاوزت القبائل الثلاث الرئيسة في نيجيريا، واصبحت الاضطرابات الناتجة عن النزاعات الاثنية والدينية اموراً عادية في كل البلاد، كما صارت اعمال العنف الاثنية من الامور الثابتة في البلاد.
وهكذا، فان استمرار اعمال العنف من قبل حركة بوكو حرام في نيجيريا، واتخاذها طابع عنف شديد وعلى نطاق واسع، لا سيما منذ العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، سيضع البلاد امام تحديات خطيرة للحفاظ على وحدة البلاد( ). وان الصراع بين الحكومة وبوكو حرام مؤهل للاستمرار في المستقبل القريب، سيخفت احياناً وتشتد جذوته احياناً اخرى، ما دامت مبرراته قائمة، فستظل حالة الصراع مستمرة، ومن الممكن ان يمتد الى الجنوب. لا سيما في حال استمرار سياسات الحكومات المتعاقبة في نيجيريا، على استخدام العنف المفرط تجاه الحركات السياسية المناوئة لها، اذ ان مثل هكذا سياسات، ساعد بشكل رئيسي على نجاح حركة بوكو حرام في كسب العديد من الانصار في اوساط الشباب النيجيري، وان تكسب تعاطف بعض المسلمين بسبب عمليات القتل البشعة والخارجة على القانون، والتي ترتكبها الشرطة النيجيرية في حق بعض من يحسب على بوكو حرام، مما سيخلق نوعاً من التعاطف تجاه الحركة وتقديم العون والمساندة لها ويوفر لهذا التنظيم ارضية خصبة للنمو والتوسع هناك. كما حدث في عام 2009، وذلك اثناء وقوع المواجهات بين الحركة من جهة والشرطة والجيش من جهة اخرى، شملت عدة ولايات شمالية، حيث سقط اثناء الصدامات المسلحة، المئات من الضحايا من المدنيين، واعلن الجيش النيجيري وقتها استتباب الامن بعد ان تم اعدام نحو (1000) شخص من اعضاء الحركة في الشوارع ومن دون محاكمات، بما في ذلك مؤسس الحركة (محمد يوسف). الا ان الذي حصل العكس، اذ ان الحركة زادت من هجماتها المسلحة تجاه الدوائر الحكومية والجيش والشرطة( ).
وعليه، فأن النظام الذي يغلق ابواب الاصلاح السلمي والمشاركة الفعالة والتعبير الايجابي عن الذات في وجه الشباب، ويتم استخدام العنف المفرط بوجه الشباب اذا طالبوا بالتغيير…الخ من الحقوق المسلوبة، فلنا ان نتوقع قيام مثل تلك الحركات بل وانتشارها وزيادة التعاطف معها، من قبل العديد من الشباب الحانق على النظام، رغم عدم الموافقة على نهجها واسلوبها في التغيير.
ومن خلال ما تقدم يتبين، ان الحكومة النيجيرية، لن تنجح بسهولة في المستقبل القريب في القضاء على الحركات المتطرفة في البلاد، وفي مقدمتها بوكو حرام، بسبب سياسات حكوماتها المتعاقبة، التي تغذي العنف الطائفي من اجل مصالح سياسية واقتصادية. وان لم تعمل الحكومة النيجيرية على تصحيح مسارها في التعامل مع الشباب، والانفتاح عليهم، وتوفير سبل العيش الكريم لهم، وتقر لاصحاب الحقوق حقوقهم، وتحاول ان تتجاوب مع اطروحات العقلاء منهم، فان مصير البلاد معرض للدمار بمسلميها ومسيحيها( ).
وفي ذلك صرح (داود عمران ملاسا) رئيس جمعية تعاون المسلمين في نيجيريا: الى انه يعتقد هو والكثير من علماء المسلمين في البلاد، الى ان الهجمات المسلحة ضد مراكز الشرطة دائماً ما تكون منفذة من قبل ميليشيات اسلامية تابعة لجماعة بوكو حرام، اما التفجيرات الاخرى فبعضها تنفذها قوى داخلية وبعضها الاخر قوى خارجية. واضاف: الى ان جماعة بوكو حرام هي جماعة سنية وسلفية متشددة في بعض المسائل الفقهية، وهي تدعو الى اقامة الدولة الاسلامية على تراب نيجيريا…، وانه سبق (اي داود ملاسا) وقال للحكومة النيجيرية الى ان مواجهة جماعة بوكو حرام بالاسلحة لن يحل مشاكل الدولة، ولكن هناك جهات خارجية تشجع الحكومة وتحرضها ضد هذه الجماعة لتحقيق نواياهم السيئة في البلاد. وان كل الحركات الاسلامية في نيجيريا، الصوفية منها والسلفية ضد مواقف جماعة بوكو حرام وعملياتها. وكل الحركات الاسلامية النيجيرية ضد التفجيرات والهجمات المسلحة ضد غير المسلمين.
وهذه التفجيرات ان لم تتوقف قد تسبب حرباً اهلية او تقسيم الدولة، وقد تبين ذلك في تصريحات القادة المسيحيين وتهديداتهم الخطيرة، بالاضافة الى ان مليشياتهم المتطرفة تقتل المسلمين وتهاجم المساجد( ). واضاف ملاسا: الى ان من بين الحلول المطروحة للخروج من الازمة والصراع الطائفي في البلاد، الى انه يجب على الحكومة ان تقوم بخطوات جدية لنزع اسلحة هذه الجماعات المسلحة، وان لا تكون منحازة الى جهة دون اخرى من المنازعين، ويجب عليها القضاء على مشكلة البطالة والتعطل عن العمل، كما يجب على الحكومة ان تبتعد عن اسرائيل وامريكا والدول الغربية التي تعمل لفرض هيمنته( ).
ومن خلال ما تقدم، فان الحكومة النيجيرية ستواجه في المستقبل عدداً من التحديات الحقيقية امام مشكلة الاندماج الوطني بين مكوناته، وعملية بناء مؤسسات ديمقراطية حقيقية، فثمة اشكالية للفقر والعنف في عدد من الولايات النيجيرية الغنية بالنفط، كما ان هناك انقساماً دينياً واثنياً حاداً، يعمقه خطاب ديني مسيس، كما هو الحال في خطاب تطبيق الشريعة الاسلامية في الولايات الشمالية من البلاد. بالاضافة الى ذلك، فثمة فساد سياسي عارم، اذ اضحت الوظيفة العامة مجالاً مهماً لتحقيق التراكم الرأسمالي. وعليه، فأن آليات مكافحة الفساد لم تعد تقوى على النيل منه في ظل وجود بيئة اجتماعية وسياسية متقبلة له( ).
وأثبتت الاحداث، ان من ضمن التحديات التي ستواجه الدولة النيجيرية في المستقبل، هو تحدي جماعة بوكو حرام. ومن الممكن ان تعمل الحكومة النيجيرية على الحد من التحديات التي تواجهها في المستقبل، ومن اهمها، تزايد العنف المسلح من جانب الحركات المتطرفة، لا سيما حركة بوكو حرام، في حال سعيها (اي الحكومة النيجيرية)، العمل على القضاء على التحديات التي تواجه واقع التفاعل بين القوى الاسلامية والدولة في نيجيريا، حتى لا تعمل الحركات المتطرفة على استغلال تلك التحديات ضد الحكومة المركزية، ومن ابرزها( ):
– اشكالية تواضع تأثير الاسلام سياسياً: فعلى الرغم مما للاسلام من وضعية مهمة في الواقع النيجيري _كما اشير سابقاً_ الا ان ذلك لم ينتج عنه تأثير مماثل في المعادلة السياسية. ومن ثم فأن تنسيق جهود الحكومة النيجيرية على المستوى الرسمي والمنظمات والجمعيات والاحزاب على المستوى غير الرسمي، انما تعد احد آليات الارتقاء بتلك الوضعية.
– اشكالية ادارة التعددية في نيجيريا: ان بناء الدولة وإدارتها، يشكل تحدي كبير امام عدم اقصاء اي طائفة سياسية او قبلية او اثنية، وهو ما يسعى الساسة في نيجيريا الى تجاوزه عبر مساومات سياسية، الا ان تلك المساومات مؤقتة بطبيعتها، لعدم قدرتها على تحقيق معادلة حل دائم ومتوازن، تحقق طموحات الغالبية المسلمة في نيجيريا، وهو ما يفسر الاخفاق السياسي المتعاقب في الداخل النيجيري.
– اشكالية تقاسم الثروة والسلطة: اذ تمثل اشكالية تقاسم الثروة والسلطة احد ابرز المعوقات الرئيسة في بناء الدولة الافريقية بشكل عام، والدولة النيجيرية بشكل خاص.
وهكذا، فمشكلة الاندماج الوطني ما تزال قائمة في نيجيريا، وان اخذ ظهورها اشكالاً متنوعة، فمرة تبدو في شكل صراع اثني، ومرة اخرى في شكل صراع ديني…. وقد طغى على هذا الصراع احياناً ابعاداً سياسية واحياناً اخرى ابعاداً اقتصادية واخرى ثقافية.
واذا كانت نيجيريا منذ استقلالها، قد آثرت الاخذ بالشكل الفدرالي للدولة كأسلوب لحل مشكلة الاندماج، الا انه تجب ملاحظة ان الفدرالية في ذاتها ليست حلاً لمشكلة الاندماج، وانما هو مجرد اسلوب رضائي لا اكراهي يستهدف تحقيق قدر من الاستقرار في الجسد السياسي على نحو يسمح لكافة العوامل الاخرى _اقتصادية، واجتماعية، وثقافية_، بأن تؤدي وظائفها في عملية التفاعل والاحتكاك السلمي وصولاً الى الاندماج الوطني. على ان التجربة النيجيرية قد اثبتت _الى حد ما_ ان تسييس العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، خدمة لاغراض إقليمية او أثنية، قد ابطل مفعول الأسلوب الفدرالي في تحقيق الاستقرار وتهيئة المناخ اللازم لحل مشكلة الاندماج( ).

الخاتمة:
نجد مما تقدم، ان نيجيريا، لا زالت تواجه حالها كحال العديد من الدول الافريقية، مشكلة الاندماج الوطني بين مكوناته، مما اثر سلباً على الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي للبلاد.
وتعد بوكو حرام من ضمن الحركات المسلحة التي عملت على استخدام العنف المسلح، من خلال تفجير العديد من المقرات الحكومية، واعدام كل من يثبت تعامله مع الحكومة، فضلا عن استخدام اسلوب خطف الاطفال وزجهم في الصراعات وغيرها من الاعمال المنافية للدين الاسلامي وقيمه، والتي اصبحت تعد من جرائم الابادة الجماعية والجرائم ضد الانسانية، لا سيما منذ العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، من اجل تحقيق اهدافها وسياساتها في البلاد.
وعلى الرغم من جهود الحكومة النيجيرية والمنظمات والجمعيات غير الرسمية ورجال الدين، الا ان الازمة لا زالت مستمرة، ولم يستطيع الطرفان التوصل الى صيغة مقبولة، لا سيما وان بوكو حرام ترفض اصلاً الاعتراف بالحكومة النيجيرية كممثل شرعي للبلاد، وترى انها الاحق بحكم البلاد وفق ما تدعيه _حسب الشريعة الاسلامية_.
وعليه، لا بد ان تعمل الحكومة النيجيرية الى القضاء على تحدي بوكو حرام، من خلال التفاعل الايجابي مع القوى الاسلامية المعتدلة في البلاد، واتخاذ العديد من الخطوات، من بينها: تحسين الواقع الاجتماعي والاقتصادي في البلاد، والقضاء على المحسوبية والمنسوبية والفساد المستشري، والعمل على تحسين الواقع المعاشي للعوائل الفقيرة، واستخدام لغة الحوار في مواجهة الافكار المتطرفة، وتحشيد الشعب النيجيري للوقوف بحزم تجاه اي جهة تحاول زعزعة الاستقرار، واستخدام قوة القانون ضد كل من يحاول العبث بامن واستقرار البلاد، فضلا عن التعاون مع المنظمات والجمعيات ورجال الدين، من اجل ابراز الاسلام الحقيقي، ورفع الشبهات عما حصل من تشويه من قبل بعض الاطراف المحسوبة على المسلمين، بالاضافة الى دعوة جميع طوائف المجتمع النيجيري لاحترام الاخر وعدم التعدي على خصوصياتهم وعاداتهم وتقاليدهم.


أضف تعليق