مقولات نظرية التلقي: بين المرجعيات المعرفية والممارسة الإجرائية / محـمد عبـد البشير

مقال نشر بالعدد الرابع من مجلة جيل الدراسات الأدبية والفكرية ص 83، من إعداد الدكتور محـمد عبـد البشير  مسـالتي/ جامعة سطيف02- الجزائر

 للاطلاع على كل العدد يرجى الضغط على غلاف المجلة: 

 

JiL Literary 3

 

ملخص :

  إن ما تتغيا هذه الدراسة بلوغه بوساطة الإجرائية التفكيكية هو الوقوف على أبرز المرجعيات والخلفيات الفلسفية والفكرية في التأسيس النظري لمقولات نظرية التلقي ؛ هذا ولا يخفى على أهل النظر أنّ موضوع القراءة وإشكال العلاقة بينها وبين النّص الأدبي/النّقديّ، يعدّ من المواضيع الأكثر حداثة والأكثـر تعقـدا في ميدان البحث النّقديّ الحاليّ، وهي على كل حال ضـرورة تحقيقـيّة وإنتاجيـّة Productivité، تنهض على مجموعة من الإواليّات والاشتغالات النّفسيّة والثّقافيّة والاجتماعيّة والجماليّة وغيرها. ولذلك فقد نظر إليها وإلى حركيتها من زوايا مختلفة، فكانت هناك أبحاث في سيكلوجيّة القراءة وفي سوسيولوجيّة القراءة وفي جماليّة التّلقيّ وما إلى ذلك. فاعتبرت القراءة بمثابة نشاط نفسيّ أو استجابة داخليّة، واعتبرت بمثابة ظاهرة اجتماعيّة وتاريخيّة، واعتبرت بمثابة تجليّات ديناميّة لمعطيات ثقافيّة ومعرفيّة….

الكلمات المفتاحيـة: القراءة، التأويل، الفهم، نظرية التلقي،النص.

مهاد نظري:

      يتأكد التذكيرُ في البدء أنّ نظرية التّلقّي جاءت رداً على الاتجاهات النّقديّة، التي كانت سائدة، بحيث ركّز بعضها على مبدع العمل الأدبيّ، وركّز بعضها الآخر على النّص، فأهملوا بذلك العنصر الثّالث الهام من عناصر العمليّة الإبداعيّة، وهو القـارئ أو المتلقّي؛ ولم يلقَ القارئ الاهتمام الكافي إلا بعد أن قامت مدرسة كونستانس  Constance الألمانيّة، في أوائل السّبعينيّات، بأكبر محاولة لتجديد دراسات النّصوص، على ضوء القراءة، ونادى رائـداها، هانز روبرت ياوس (Hans Robert Jauss)، وفولفجانج إيرز (Wolfgang Iser) بالانتقال في الدّراسة، من العلاقة بين الكاتب ونصّه، إلى العلاقة بين القارئ والنّص.

لقد وضع ياوس وإيزر رائدا مدرسة كونستانز الألمانيّة هيكلاً نظريـّاً لما يُسمى بجماليّة التّلقيّ Reception  Esthetique de la وهي نظريـّـة «توفيقيّة تجمع بين جماليّة النّص وجماليّة تلقيه، استناداً إلى تجاوبات المتلقي وردود فعله باعتباره عنصراً فعالاً وحيّاً ، يقوم بينه وبين النّص الجماليّ تواصلٌ وتفاعلٌ فنيٌّ ينتج عنهما تأثر نفسيّ ودهشة انفعاليّة، ثمّ تفسير وتأويل، فحكم جماليّ استناداً إلى موضوع جماليّ ذي علاقة بالوعي الجمعيّ»(1).

من المعروف أنّ الإشكاليّة المحوريّة التي تطرحها نظريّة التلقيّ هي العلاقة بين النّص والقارئ، فما شكل تلك العلاقة ؟

من منظور نظريّة التّلقي يصعب، إن لم يكن مستحيلا، الفصل بين حدود النّص وحدود القارئ؛ إذ«من الصّعب التّمييز أو وضع حدود دقيقة بين الوّاقعة والتّأويل(2)، أو بين ما يمكن أن يقرأ في النّص وبين ما هو مقروء منه فعلا»(3) ، حيث إنّ العلاقة بين القطبين علاقة حوار وتداخل وتفاعل، وليس بالإمكان تصور تلك العلاقة إلا على تلك الصورة؛ إذ لا يمكن الفصل بين فهمنا للنص وبين النّص ذاته، و بما أنّ النّص والقارئ يندمجان في وضعية واحدة فإنّ الفصل بين الذّات والموضوع حسب إيزر «لم يعد صالحا، ومن ثمة فإنّ المعنى لم يعد موضوعا يستوجب التّعريف به، وإنّما أصبح أثرا يعاش»(4)، وناتجا عن التّفاعل الحاصل بين النّص والقارئ، فلو أنّ النّصوص لا تحمل سوى المعنى المختبئ الذي يكشف عنه التأويل، لما تبقى «أما القارئ الكثير ليفعله، ولن يكون عليه حينئذ سوى قبول التّأويل أو رفضه، الأخذ به أو تركه » (5)؛ ولهذا ينبغي لنا، من هذا المنظور، أن نسلم بأنّ المعاني نتاج تفاعل نشط بين النّص والقارئ ، وليست موضوعات مختبئة في النّص.

لقد أنكر إيـزر استمرار مفهوم التأويل التّقليديّ الكليّ الذي كان يبحث في العمل الأدبيّ عن معنى خفيّ، بينما أصبح الفن L’art جزئياً لا يدّعي امتلاك الحقيقة.

لكن هل نستطيع أن نمضي مع طروحات إيزر إلى أنّه لا وجود لنتيجة يتوخاها قارئ النّص غير سيرورة التفعيل التي يضطلع بها، مادام هذا النّص لا يحمل معنى محددا أو معنى مرجعياً ؟!

1- فعل القراءة وبناء المعنى عند إيزر:

انصب اهتمام  إيرز على القارئ الفرد، وعلى كيفية أن يكون للنّص معنى لدى القارئ، وفي أيّ الظّروف، ورأى «المعنى بوصفه نتيجة للتّفاعل بين النّص والقارئ أي بوصفه أثراً Trace يمكن ممارسته، وليس موضوعاً يمكن تحديده»(6). فالعمل الأدبي ليس نصاً تماماً، وليس ذاتية القارئ تماماً، ولكنّه يشملهما مجتمعين، ولكي يصف إيزر التّفاعل بين النّص والقارئ، يقدّم مفهوم «القارئ الضمني» ضمن كتاب يحمل هذا الاسم، وعرّفه بقوله: «إنّ المصطلح يدمج كلاً من عملية تشييد النّص للمعنى المحتمل، وتحقيق هذا المعنى المحتمل من خلال عملية القراءة… إنّ جذور القارئ الضّمنيّ مغروسة بصورة راسخة في بنيّة النّص… إنّه بنيّة نصيّة، تتطلع إلى حضور متلق ما»(7). هذا يعني أنّ النّص لابدّ أن يضبط مسيرة القارئ إلى حد ما.

وهكذا، لم يهتم إيزر بما هو متكوِّن وإنّما بما يمكن أن يتكون، أي بتشكل النّص في وعي القارئ الذي يسهم في بناء معناه، ولذلك فللأدب حسبه قطبان، هما القطب الفنيّ وهو النّص كما أبدعه المؤلف، والقطب الجماليّ وهو التّفعيل الذي ينتجه القارئ. وهذا يعني أنّ الإنتاج الأدبيّ لا يتطابق مع النّص الأصلي ولا مع القراءة، وإنّما هو الأثر الذي يحدث نتيجة تفاعل القارئ مع ما يقرأه، ومن ثمّ لا ينبغي البحث في النّص عن معنى مخبوء، وإنّما ينبغي استطلاع ما يعتمل في نفس القارئ عندما يقرأ. وهو إذ يقرأ فإنّما يقرأ على هديٍ من النّص، وبإرشاد التّرسيمات التي يوفرها له والتي تتكفل القراءة بتنفيذها. فهو إذن قارئ مُقَدَّر في بنيّة النّص ذاته.

يتضح من خلال المفاهيم والفرضيّات التي اعتمدها إيزر في نظريّة التّلقيّ، أنّه يشدّد على أهميّة التّلقيّ في تحديد الموضوع الجماليّ، موضحاً أنّ النّص وحده بعيداً عن المتلقي؛ وعن ردود فعله لا ينتج عنه شيء ويظلّ عملاً جامداً، يبقى في حاجة إلى فعل يتحقق به ويخرج به إلى الوجود؛ ولا يتأتى ذلك إلا بعنصر القراءة. وهذا ما يشير إليه إيزر في قولـه الآتي: «عن الشيء الأساسيّ في قراءة كلّ عمل أدبيّ هو التّفاعل بين بنيته ومتلقيه، لهذا السبب نبهت نظريّة الفينومينولوجيا بإلحاح إلى أنّ دراسة العمل الأدبيّ يجب أن تهتم، ليس فقط بالنّص الفعليّ بل كذلك وبنفس الدّرجة بالأفعال المرتبطة بالتّجاوب مع ذلك النّص. فالنّص ذاته لا يقدم إلا “مظاهر خطاطيّة” يمكن من خلالها أن ينتج الموضوع الجماليّ للنّص بينما يحدث الإنتاج “الفعليّ” من خلال فعل التّحقق. ومن هنا يمكن أن نستخلص أنّ للعمل الأدبي قطبين، قد نسميهما: القطب الفنيّ والقطب الجماليّ، الأوّل هو نص المؤلف، والثّانيّ هو التّحقق الذي ينجزه القارئ. وفي ضوء هذا التّقاطب يتضح أنّ العمل ذاته لا يمكن أن يكون مطابقاً لا للنّص ولا لتحققه بل لابد أن يكون واقعاً في مكان ما بينهما»(8).

وفحوى كلام إيزر كما وقف على ذلك الباحث حبيب مونسي ينمّ عن «ثلاثة نصوص تتمظهر من خلال عملية التواصل الجمالي، يحتل فيها نص المؤلف مكان “العلامة الدالة”، ونص القارئ مكان “التحقيق الجمالي” لها. أما قيمة العمل الأدبي فتتموقع بينهما مادام العمل ذاته، هو نتيجة تحقيق التفاعل بين القطبين، أو النصين، فلا يمكن اختزاله في واقع النص، ولا في ذاتية القارئ»(9).

إنّ النص وحده بعيداً عن المتلقي؛ وعن ردود فعله بفهم إيزر لا ينتج عنه شيء ويظل عملاً جامداً، يبقى في حاجة إلى فعل يتحقق به ويخرج إلى الوجود؛ ولا يتأتى ذلك إلا بعنصر القراءة. ونستطيع ـ من خلال نص إيرز ـ أن نميز بين بنيتين اثنتين: هما بنية النص وبنية الفعل، وأن العلاقة بينهما هي علاقة لزومية، إذ الحديث عن جمالية النص قرين بفعل القراءة التي تصدر عن المتلقي وما يصاحب ذلك من تجارب وتفاعل. وهكذا يكون. فعل القراءة منطلقاً من الذات نابعاً منها، وأن النص يثير قارئيه ويوجههم لبناء معناه Reconstruction وهذا يدل على أن الذاتية عنصر أساسي في هذا البناء، وكذا في تحقيق جماليته وتعيينها، بمعنى أن تحديد ما هو موضوعي يمر من خلال ما هو ذاتي.

هكذا، ومن على شرفة هذا الفهم تتعارض فهومات إيزر مع ما شيّدته المقاربات المشدودة إلى النّص والمعنية بتحليل النّص الأدبي في ذاته ولذاته، وذلك كما هو عند الشّكلانيين الرّوس والنقد الجديد والبنويّة وغيرها، حيث كان التّأكيد دائما ينصب على النظر إلى النّص بوصفه شيئا موضوعيا، يملك وجودا مستقلا عن أي أشكال الارتباط، سواء أتعلق الأمر بالقارئ أم بالمجتمع أم بالمؤلف. فقد كان النّص، بحسب أشهر استعاراته، عبارة عن جرّة حسنة الصّنع، أيقونة لفظيّة، أي موضوع مرئيّ مستقل بذاته له أبعاده الخاصة والمحدودة، وعلى هذا الأساس لا يمكن الحديث عن أيّة امتدادات للنّص خارج حدوده، ولما كان ذلك كذلك فإنّ الوسيلة المثلى للتعامل مع هذا النّص بالمنطق البنوي هي دراسته بصورة وصفية محايثة Immanence، تهدف، قبل كل شيء، إلى الكشف عن بنياته وشكله وأنساقه وكيفية تركيبه ووحدته الفنيّة المتجانسة.

لقد كان لهذا التّصور الأيقوني الشائع عن النّص دور كبير في توجيهه مقولات النقد الحديث إلى الاهتمام بالنّص في ذاته ولذاته، وإلى الوقوف عند مستوى الكلمات والأصوات والتراكيب والمقاطع…، غير أنّ الحال قد انقلبت، وما لبثت الاعتراضات أن انهالت على هذا التصور من كل حدب وصوب، وفي الواقع أن أغلب تلك الاعتراضات كانت كامنة في هذا التصور ذاته.

إنّ دراسة النّص بوصفه شيئا موضوعيا يفترض إمكانية وصفه بصورة محايثة، وبوفاء تام دونما تدخّل من ذات القارئ أو المؤول، حيث لا يتم الوفاء التام للنص إلاّ على حساب امحاء القارئ بصورة تامة، فأي تهاون في الوفاء للنص إنّما يقود حتما إلى محذور شدّد عليه النقاد الجدد بوصفه خطأً في التقويم والتأويل، وهو ما عُرف بالـمغالطة التأثيرية، أي الخلط بين ما هو للنص وما هو من نتائجه وتأثيراته في القارئ، وهي التأثيرات التي كانت نظرية التلقي تجادل بأنّ فهم النّص غير ممكن بمعزل عن هذه التأثيرات(10). بيد أنّ النقاد الجدد عدّوا تدخل هذه التأثيرات في تحليل النّص محذوراً علينا تجنبه، ولتجنبه يلزمنا نقد موضوعي، حيث الناقد لا يصف تأثيرات العمل في نفسه، بل يركز على تحليل أدوات العمل وسماته المميزة، لكن هل بالإمكان حقاً أن يتحقق التعامل مع النّص دون الوقوع في شرك تلك الـمغالطة؟ وهل بالإمكان أن نكون أوفياء للنص بصورة تامة؟ وهل بالإمكان أصلاً أن نجعل النّص يتكلم بنفسه دونما تدخل من القارئ؟ وهل بالإمكان أصلا دراسة النّص دون إسقاطه خارج ذاته؟

من أجل الإجابة عن ذلك يمكننا أن نسترشد بما كتبه تزفتان تودوروف T. Todorov في سياق دفاعه عن الشعرية البنيوية والنقد الداخلي المحايث للنص الأدبي، يرى تودوروف أنّ الهدف الأساس من التفسير أو التأويل أو القراءة أو التحليل أو النقد هو جعل النّص يتكلم بنفسه، وحديث النّص بنفسه لا يتم إلا على حساب التّخلي عن الذات، مؤلِّفة كانت أم قارئة، غير أنّ المشكلة في هذا التصور، من منظور تودوروف، أنّه لن يقدّم لنا إلا النّص نفسه مكررا تكراراً حرفياً كلمة كلمة، حيث إنّ «تأويل عمل أدبي أو غير أدبي لذاته وفي ذاته دون التخلي عنه لحظة واحدة ودون إسقاطه خارج ذاته، لأمر يكاد يكون مستحيلاً، أو هذه المهمة بالأحرى ممكنة، لكن الوصف لن يكون حينئذٍ إلا تكرارا حرفيا للعمل نفسه، فهو يلاحق عن قرب أشكال العمل بحيث لا يكوّن الاثنان شيئاً واحدا. فالوصف الأفضل للعمل هو العمل نفسه»(11)، ولما كان تكرار النّص حرفيا ليس غير محاولة متطفلة عبثية، فإنّه يلزمنا لتجاوز حالة التطفل العبثي هذه أن نعاين النّص من منظور آخر، حيث يكون للقارئ دور في جعل عملية «تكلّم النّص» أمرا ممكنا، فالنّص يتجاوز ذاته بالضرورة، وإسقاطه خارج ذاته أمر ضروري لتحقيقه، وهو، وإن كان شرّاً، أمر لا مهرب منه.

ليست القراءة إذن وصفا موضوعيا للنّص، وما ينبغي لها أن تكون كذلك، بدليل أنّ قراءتين لنّص واحد لا يمكن أن تتطابقا أبدا؛ إذ إنّنا «نخطّ أثناء قراءتنا كتابة سلبية؛ فنضيف إلى النّص المقروء أن نحذف ما نريد أو ما لا نريد أن نجد فيه. فما إن يوجد قارئ حتى تبتعد القراءة عن النّص»(12)، أو بالأحرى تقترب وتتداخل وتتكامل؛ إذ القارئ دائما يقول شيئا لا يقوله النّص، أو يقوله النّص بصورة ملتبسة خاطفة. وفي هذا التداخل بين ما يقوله النص وما يقوله القارئ يتحقق، من منظور فولفغانغ إيزر فعل القراءة بوصفه تفاعلا ديناميا بين النّص والقارئ، حيث النّص يجاوز نفسه ممتدا في القارئ، والقارئ يخرج عن ذاته ممتدا في النّص.

2- مقولـة الفراغات والأثر الظاهراتي:

عدّت جمالية التلقي تقنية “الفراغات” بنية ديناميكية في النص لأنّها المجال الخصب الذي تتولى القراءة إثراءه في ضوء لعبة الضياء والظلام التي يثيرها النص، في اعتماده الكشف والخفاء، التصريح والسكوت، والإشارة والإهمال، لأنّ الشيء المفقود: «في المشاهد التي تبدو تافهة، والثغرات التي تبرز من الحوارات هو ما يحث القارئ على ملء الفراغات بالانعكاسات. يجذب القارئ داخل الأحداث ويضطر إلى إضافة ما يفهم مما لم يذكر، وما يذكر لا يكون له معنى إلا كمرجع لما لم يذكر. إنّ المعاني الضمنيّة وليست ما يعبر عنه بوضوح هي التي تعطي شكلاً ووزناً للمعنى»(13). وقد عدّ إيزر هذه الفراغات Les vides مفاصل حقيقية للنص لأنّها تفصل بين الخطوط العريضة والآفاق النّصية، وأنّها في نفس الوقت تثير التّخيّل لدى القارئ، وعندما ترتبط الآفاق بالخطوط العريضة تختفي الفراغات(14).

إنّ الفراغات هي بالتّحديد ذلك المكان الذي يكون فيه الشّخص القارئ الذي تناط به مسؤولية إعادة تركيب النّص ، وبتعبير آخر هي منطقة عمل القارئ داخل النّص، حيث يتكون هذا الأخير من مناطق مبهمة غير محددة، كما لو كانت بياضا شاغرا يجب ملؤه ليتحقق النّص، بل لتتحقق القراءة، حيث الفراغات هي بالذات ما يعطي لفعل التحقق والقراءة انطلاقته، وهي ما يتحكم في حركة التفاعل بين النّص والقارئ، فعلاقة القارئ بالنّص تفترض التفاعل، بيد أن هذه الفراغات والفجوات توقف هذه الإمكانية، فلتحقيق التفاعل يلزمنا ملء هذه الفراغات والفجوات. وهكذا، فالنّص من منظور إيزر بنية مليئة بالفراغات تتطلب من القارئ ملئها، بل إنّها تحفز القارئ على ملئها، حيث إنّها «تشتغل كمحفز أساسي على التواصل. وبطريقة مشابهة فإنّ الفراغات…هي التي تحدث التواصل في عملية القراءة »(15).

ولَعَلَّنا لا نبتعدُ عن الصَّواب إذا صدحنا بأنّ الاتساق والتوازن في فهم النّص، حسب ما يفيد به إيزر لن يتأتى إلا بعد سدّ تلك الفجوات، وملء تلك الفراغات، حيث لا يمكن  بلوغ التوازن إلا عندما تملأ الفراغات، « فالتواصل بين النّص والقارئ لا يبدأ إلا بعد إتمام تلك المهمة، أو قل إلا من خلالها،  الحلقة ذات الأهمية العظيمة التي تربط بين النّص والقارئ»(16)، وبما أنّ الفراغات لا يمكن أن تملأ من قبل النّص ذاته، فقد لزم أن يتدخل طرف آخر ليقوم بتلك المهمة، إنّه القارئ.

والحق أنَّ الفراغاتِ، من منظور إيزر، ليست شيئا موضوعياً، أو واقعا وجوديا معطى، لكنه موضوع يتم تشكيله وتعديله من قبل القارئ حين يدخل في علاقة تفاعل مع النّص؛ إذ السمة المميزة لتلك الفراغات أنّها ذات طبيعة مبهمة غير محددة، وعدم التحديد هذا هو بالذات ما يكثّر من تنوع التواصل الممكن بين النّص والقارئ(17)، وهو ما يجعل النّص مفتوحا لإمكانيات عديدة لتحققه، وعملية «تحقق النّص» Concrétisation هذه عملية غير محددة ولا منتهية، ومن ثّم فإنّها مختلفة من قارئ لآخر، ومن عصر لآخر، حيث النّص، من هذا المنظور، يقبل وجود إمكانية تحققه بطرائق شتَّى ومتغايرة.

لقد اعتمد إيزر اعتماداً كبيرا على ما قدّمه الناقد البولندي رومان إنجاردن(18) Ingarden) Roman-) في كتابه «العمل الأدبي الفني»، وخاصة حديثه عن بنيّة اللاتحديد والتحقق والتجسيم، ونلحظ أنّ إنجاردن يـميِّز  في العمل الأدبي الفني بين وضعين، الوضع الأول وضع أنطولوجي فنـي، والآخر وضع معرفـي جـمالـي، الأول يخص نص المؤلف، والثاني هو النّص الذي يحققه القارئ. وهذا التمييز يستند من حيث الأصل إلى تمييز آخر، كان إنجاردن قد استوحاه من ظاهراتية(19) هوسرل (Husserl)، حيث يتم التمييز بين نوعين من الموضوعات، الموضوعات الواقعية، والموضوعات المثالية، إذ إنّ «الموضوعات الواقعية ينبغي فهمها، والموضوعات المثالية ينبغي تكوينها، وفي كلتا الحالتين فالنتيجة نهائية من حيث المبدأ فالموضوع الواقعي يمكن فهمه بشكل تام والموضوع المثالي يمكن تكوينه أيضا بشكل تام»(20). أما العمل الأدبي فإنّه يقع خارج هذه القسمة، فلا هو موضوع واقعي يمكن فهمه بصورة نهائية تامة، ولا هو موضوع مثالي يمكن تكوينه أيضاً بصورة نهائية تامة؛ صحيح أنّ النّص موضوع واقعيّ، لكنّه غير محدد بصورة نهائيّة تامّة، كما أنّه يعتمد على فعل الوعي، فهو إذن غير مستقل بذاته، حيث الموضوعات القصدية لا وجود تاماً لها إلا بفعل الوعيConscience  والإدراك Perception ، فالموضوع القصدي ينقصه التحديد الكامل والاستقلال التام.

يقول الباحث سمير حميد «وتبقى مفاهيم إنجاردن حول العمل الفني والأدبي من أكثر المفاهيم حضوراً في نظرية إيرز، فقد أمدته بإطار للعمل مفيد، ويتجلى ذلك في تركيزه على فعل القراءة بوصفه نشاطاً عملياً وذهنياً؛ يساهم أولاً في إنتاج المعنى؛ وثانياً في بناء موضوع جمالي متناغم ومتلاحم. ويعني هذا أن إيرز ينظر إلى النص، مثل إنجاردن على أنه هيكل عظمي أو “جوانب تخطيطية”، توجد بها فراغات بيضاء وأماكن شاغرة، يسميها إنجاردن بالفجوات أو عناصر اللاتحديد. وهي التي تؤدي إلى عدم التوافق بين النص والقارئ، ثم تتحول إلى تفاعل واتصال متبادل بينهما. أي أن هذه الفراغات هي التي تعيق تماسك النص مما يستدعي استجابة القارئ، تتجسد في شكل معان وموضوعات جمالية تضمن للنص التماسك والانسجام» (21)

ورغم استفادة إيزر من طروحات إنجاردن إلا أنه انتقد تصوره(22) لـمفهوم المواقع غير المحددة، وتحققات النّص، من جهة أنّه يجعل العلاقة في اتجاه واحد، من النّص إلى القارئ فقط، في حين أن تحقق النّص يتطلب تفاعلا متبادلا بينه وبين قارئه، أي علاقة تتم في اتجاهين، من النّص إلى القارئ ومن القارئ إلى النّص وهكذا. يقول إيزر: «لم يكن التحقق بالنسبة لإنكاردن تفاعلا بين النّص والقارئ، بل كان مجرد تحيين/ترهينActualisation  للعناصر الكامنة في العمل. ولهذا السبب لا تؤدي «مواقع اللاتحديد» عنده إلا إلى إتمام غير دينامي في مقابل عملية دينامية، حيث يُلزم القارئ بالانتقال من منظور نص إلى آخر»(23)، حيث القارئ هو الذي يؤسس الروابط بين تلك «المظاهر الخطاطية» التي تحدّث عنها إيزر، أو «العلامات السود» بمفهوم جان بول سارتر(24).

يعادل جهد القارئ، من منظور سارتر، جهد المؤلف؛ إذ النّص حسبه «خذروف عجيب لا وجود له في الحركة، ولأجل استعراضه أمام العين لا بد من عملية حسية تسمى: القراءة. وهو يدوم مادامت القراءة، وفيما عدا هذا لا يوجد سوى علامات سود على الورق»(25) لا وجود لها في ذاتها إلا من خلال الوعي والإدراك، أو قل القراءة والتأويل.

إنّ هذه «العلامات السود» التي يتحدث عنها سارتر هي، على وجه التحديد، ما يظهر عليه النّص قبل أن يطاله فعل القراءة. فالنّص قبل القراءة – أي قبل تعلق الوعي به – مجرد هيكل لا يقدّم إلا «مظاهر خطاطية» يمكن من خلالها أن ينتج الموضوع الجمالي للنص، بينما يحدث الإنتاج «الفعلي» للنص من خلال فعل القراءة أو الوعي.

وفي هذا السياق يؤكد سارتر على أنّ «العمل الفني لا وجود لـه إلا حين النظر إليه»(26). وهذه إشارة يفهم منها أن العمل الفني هو عمل مشترك، يتوزع بين نص المؤلف وما يحققه القارئ من إنجاز فعلي؛ يتمثل في موضوع جمالي؛ يكون بمثابة «تعاقد كريم حر بين المؤلف والقارئ، فيثق كل منهما في الآخر ويعتمد عليه ويتطلب منه ما يتطلبه من نفسه»(27)، وفي موضع آخر من كتاب “ما الأدب” يذكر سارتر صراحة أن العلاقة بين الكتابة والقراءة هي علاقة لزومية وتضمنية، يقول: «إنّ عملية الكتابة تتضمن عملية القراءة لازماً منطقياً لها. وهاتان العمليتان تستلزمان عاملين متميزين، الكاتب والقارئ. فتعاون المؤلف والقارئ في مجهودهما هو الذي يخرج إلى الوجود هذا الأثر الفكري، وهو النتاج الأدبي المحسوس الخيالي في وقت معاً. فلا وجود لفنٍ إلا بواسطة الآخرين ومن أجلهم»(28)

وإجمالا فإنّ فعل القراءة أو إواليات بناء المعنى وإنتاج الدلالة التي استخلصها إيزر تصب كلها في مفهوم المشاركة واستحلاب النص الذي هو قادر على استقطاب القارئ ودفعه إلى تحقيق هويته وبناء معناه، الشيء الذي يجعل العمل الأدبي شركة بينهما ولا يبلغ مداه إلا بتعاونهما.

هكذا إذن، تمثل القراءة في نظر إيزر بنية الفعل فهي التي ترفع انغلاق النص وتملأ فراغه؛ وتصوغه في شكل كلام؛ ثم تعيده إلى قلب التواصل الحي. بمعنى أن فعل القراءة هو الذي يجعل النص مفتوحاً، قابلاً لإعادة الإنتاج، يملك قدرة أصيلة على استعادة ذاته بشكل متجدد؛ وذلك من خلال عمليتي التفسير والتأويل. ويبدو أن اهتمام إيزر بقضية القراءة والتفسير بوصفهما إبداعاً للمدلول، هو ما جعل نظريته أكثر ارتباطاً بالاتجاه الظاهراتي وبهرمينوطيقا إنجاردن على وجه الخصوص، لكن السؤال المهم الذي يطرح نفسه هنا هو: كيف يمكننا أن نجعل هذا التفاعل موضوعا لدراسة منهجية ملموسة؟ فإذا كان من المهم القول إنّ عملية القراءة هي ما يضمن تحقق النّص، فإنّه من المهم أيضاً أن يكون في الوسع تجاوز مستوى التوصيف النظري المجرد لفعل القراءة. وتبعا لهذا التصور؛ كيف يتأتى لنا تجاوز ذلك لدراسة فعل القراءة أثناء تحققه الفعلي في لحظة تاريخية محددة؟ وهل بالإمكان الحديث عن قراءة جماعية لنصوص أدبية، حيث تكون تحققات النّص متشابهة لدى قرّاء كثر ينتمون إلى لحظة تاريخية محددة؟ بمعنى آخر: هل يمكننا تصور القراءة وهي تشتغل في الزمان، وتتحرك في الواقع؟ و من ثم كيف يمكننا دراسة العلاقة بين قراءة جيل وقراءة جيل آخر سابق أو لاحق؟ وكيف يمكننا  كذلك تحديد النّص أو معناه عبر التتابع التاريخي لتحققاته أو تجسداته؟

  إنّ أسئلة مثل هذه لن تجد إجاباتها عند إيزر؛ إذ ما يشغل إيزر هو فعل القراءة وآلياته واستراتيجيته وأنشطته في صورته المجردة، فهو يشدّد على عملية القراءة بدرجة أكبر من تشديده على التلقي التاريخي للعمل.

3-  القراءة وسيرورة التأويل عند ياوس:

إنّ الاهتمام بالقارئ الفعليّ، وبالتواصل الأدبي الحاصل بينه وبين النّص في اللحظات التاريخية المتعاقبة سنجده لدى منظِّر آخر من منظري جماليّة التلقي، وهو هانز روبرت ياوس(Hans Robert Jauss) إنّ كل القراء يعيشون في ظروف تاريخية (Historicité) واجتماعية، ولهذا فإنّ طريقة تأويلهم للأعمال الأدبية تتشكل من خلال هذه الحقيقة. ويوضح ياوس أنّ الغاية من جمالية التلقّي هو إخضاع التجربة الجمالية لقوانين الفهم التاريخي، دون أن تدعي أنّها نموذج بل إنّها ليست إلا «تفكيراً جزئياً قابلاً لأن ينضم إلى مناهج أخرى ويكتمل بها»(29).

وتبعا لهذا، فقد تغيا ياوس لنظريته التي سمّاها (جماليات التلقي)، أن تكون طريقاً ثالثاً وسطاً، بين الماركسية Marxisme)) والشكلانية Formalisme))، إذ كانت الأولى ترى في الأدب انعكاساً للواقع الاجتماعي، وتعد الثانية الأدب منظوماتٍ مغلقةٍ، فجاء بنظريته لتواجه الأدب بوصفه نشاطاً تواصلياً(30)، ولتعيد النظر في طرائق دراسة تاريخ الأدب، فرأى «أنّ الأدب ينبغي أن يدرس بوصفه عملية جدل بين الإنتاج والتلقي»(31) لأنّ النّص عنده، لا يتضمن معاني مطلقة ونهائية، بل يتضمن دلالات، ولكي تتحقق لابدّ من قارئ يقيم حواراً مع النّص، من هنا، وجد أنّ «الأعمال الأدبية تختلف عن الوثائق التاريخية الصرف، لأنّ هذه الأعمال تقوم بدور أكبر من مجرد توثيق حقبة زمنية بعينها، وتظل قادرة على الكلام، إلى حد أنّها تحاول حل مشكلات الشكل والمحتوى، وأن تمتد على هذا النحو، إلى مدى بعيد، وراء مخلفات الماضي الأثرية الصامتة»(32). وعلى هذا، فإنّ التاريخ الأدبي «هو تاريخ جماهير القراء المتعاقبة، أكثر من تاريخ العمل الأدبي نفسه»(33). وهو لذلك يؤدي دوراً واعياً، يصل الماضي بالحاضر «لأنّه يُعيننا على فهم المعاني السابقة بوصفها جزءاً من الممارسات الراهنة»(34).

هكذا، بات من الواضح أنّ الشيء الأساس في نظرية التلقيّ بتعبير ياوس هو التواصل الأدبي بين النّص والمتلقي؛ ومن ثمّ فقد ارتكزت أطروحته على نقد كلِّ من الماركسية والشكلانية الروسية، لأنّهما لم ينظرا إلى الحقيقة الأدبيّة إلا ضمن دائرة مغلقة لم تشمل بعدا خطيرا، وهو التلقّي ومدى تأثير النّص في القارئ والسامع، وبعبارة أخرى فإنّ محاولتي: الماركسية/الشكلانية، كما يشير ياوس «لم تفلح بعد، في إعطاء ميلاد لبعض التواريخ الكبرى للأدب»(35).

وبخلاف إيزر(36) نجد أنّ هانز روبرت ياوس قد سعى إلى موضعة الأعمال الأدبيّة ومجموع التلقيات معاً في آفاقها التاريخية وسياقاتها الثقافية. فالـموضوع الأثير لدى ياوس هو التلقّي بوصفه حدثا يجري في الزمان ويتحرك في أسيقته التاريخية والثقافية، لهذا كان طبيعيا أن يكون اهتمام ياوس بالتلقّي منطلقا من حقل «تاريخ الأدب»؛ وذلك رغبة منه في تطوير هذا الحقل الأخير من خلال تأسيس تاريخ أدبي جديد، يقوم أساسا على أخذ مجمل عناصر التواصل الأدبي بعين الاعتبار. وقد ألحّ ياوس، مثل إيزر، على أهمية التواصل بين النّص والمتلقي. فـ«تاريخ تأويلات عمل فنيّ عبارة عن تبادل تجارب… أو حوار أو لعبة أسئلة وأجوبة»(37) متبادلة بين النّص والمتلقّي، أو بين المتلقّي السابق واللاحق، فـتاريخيّة الأدب، تستلزم حوارا وعلاقة متبادلة بين العمل والجمهور والعمل الجديد، الذي يتكوّن في علاقة بين الرسالة والمستقبل، كما بين السؤال والجواب، والمشكلة والحل؛ حيث التلقّي تجربة Expérience  لا تتحقق إلا من خلال هذا الحوار المتبادل بين النّص والمتلقّي، بين الأسئلة التي يثيرها المتلقيRécepteur  والأجوبة التي يقدّمها النّص في أفق تاريخي محدد.

إن هذا التصور لطبيعة العلاقة بين النّص والمتلقي سيمكّن ياوس من النّظر إلى تاريخ الأدب من خلال أفق الحوار بين النّص والتلقي الذي شكّله وحفظ استمراريته، كما سيسمح له بإعادة التفكير بشأن الوظيفة الاجتماعيّة للفن والأدب، فالتّطور الأدبيّ ينبغي «أن يُحدّد بوظيفته في التاريخ، وبتحرر المجتمع، كما أن تتابع الأنظمة الأدبية ينبغي أن يدرس ضمن تعالقه مع المسلك التاريخي العام»(38).

وعلى هذا، فليس بالإمكان من منظور ياوس الحديث عن الوظيفة الاجتماعية للنص وللتواصل الأدبي إن نحن تجاهلنا العلاقة الحوارية بين النّص ومستقبليه، والمستقبلين فيما بينهم، أو إن نحن اختزلنا التجربة الجمالية المتداخلة للذة النّصوص.

  وهكذا، نصل مع ياوس إلى أنّ دراسة تاريخ التواصل الأدبيّ لن تتطور ما دامت تتجاهل أهم ركن في حدّث التواصل، أي المتلقّي الذي أهمل لصالح المؤلف أو النّص، حيث كان تاريخ الأدب والفن عامة «لزمن طويل جدا تاريخا للمؤلفين والمؤلفات. لقد اضطهد أو تناسى من اعتبروا مجرد سوقة (غير نبلاء) وهم القارئ أو المستمع أو المشاهد المتأمل، إذ يندر أن يتحدث عن الوظيفة التاريخية للمتلقي برغم ما بدا من ضرورتها على الدوام. ذلك أن الأدب والفن لا يصير صيرورة تاريخية ملموسة إلا بواسطة تجربة أولئك الذين يتلقون المؤلفات ويتمتعون بها، ويقوّمونها ومن ثم يعترفون بها أو يرفضونها، يختارونها أو يهملونها»(39). وعلى هذا الأساس كان اهتمام ياوس منصبا على المتلقّي الفعليّ والجمهور الذي يستقبل النّص ويقومه بناء على مصالحه التّاريخيّة وخبرته بالتّقاليد والأعراف الأدبيّة، وبما أنّ طموح ياوس هو تجديد حقل التاريخ الأدبيّ من خلال الاهتمام بقطب التلقي والمتلقي الذي يحيّن الأعمال الأدبية طبقا لحاجاته التاريخيّة وبناءً على أفقه الخاص، فقد لجأ، من أجل بلوغ هذا الطموح، إلى مفهوم «أفق التوقع» أو «أفق الانتظار»(40)L’horizon d’attente

4- مقولة أفق الانتظار وتعدد الأنساق/المرجعيات:

 يحتل مفهوم أفق الانتظار دورا مركزيا في نظرية التلقي عند ياوس فهو، «الركيزة المنهجية لنظريته»(41)، ويشير هذا المصطلح إلى «منظومة من المعايير والمرجعيات لجمهور قارئ، في لحظة معينة، يتمّ انطلاقاً منها قراءة عمل وتقويمه جمالياً، ويمتلك هذا العمل أيضاً أفقه للتوقع»(42).

وعلى الرغم من تعدّد جذور هذا المصطلح واختلاف أصوله، فإنّه يظّل، حتى عند ياوس، مفهوما غامضا ملتبساً، وقد تكون سلسلة الأصول تلك هي ما يجعل من هذا المفهوم يبدو على تلك الصورة من الغموض والالتباس؛ إذ يلاحظ روبرت هولب R . Holub  أنّ المشكلة في استخدام ياوس لمصطلح الأفق هي في «أنّه عرّفه تعريفاً غامضاً للغاية، إلى درجة أنّه قد يتضمن – أو يستبعد – أي معنى سابق للكلمة…، يضاف إلى هذا أنّ هذا المصطلح يظهر ضمن جملة من الألفاظ والعبارات المركبة. فياوس يشير إلى «أفق التجربة»، و«أفق تجربة الحياة»، و«بنية الأفق»، و«التغيّر في الأفق»(43) Changement d’horizon ، أضف إلى ذلك أنّ ياوس نفسه يستخدم المصطلح بصورة متباينة، فحينا هو عنده بمعناه عند هانز جورج غادامير(44)Gadamer  ، أي بوصفه مدى الرؤية الذي يشمل كل شيء يمكن رؤيته من موقع بعينه، وحيناً يستخدمه بمعنى مجموعة من المعايير والمقاييس، أي نظام مشترك من التقاليد والأعراف الثقافية والأدبية التي يستعين بها القارئ في مواجهة النّص، وهو يتمثل بصورة أوضح في نظام النوع الأدبي الذي يختزنه القارئ ليتناول به النّص، ويرصد من خلاله أشكال الانحراف التي يأتي بها.

يبدو أنّ استخدام ياوس المبكر لهذا المفهوم كان محددا في الوجه الأخير، أي أفق الانتظار بوصفه مجموعة المعايير والخبرات والأعراف الأدبية والجمالية، وقواعد النوع الأدبي التي يتمثّلها القارئ في تناوله للنص وقراءته. فإذا كان كل نص ينتمي إلى نوع أدبي، فإنّه بالضرورة «يفترض أفق انتظار، بمعنى مجموعة القواعد السابقة الوجود لتوجيه فهم القارئ (الجمهور) وتمكينه من تقبّل تقييمي»(45).

 وعلى هذا الوجه يكون الأفق عبارة عن مجموعة من خبرات وكفاءة يختزنها القارئ الفعلي حين يتناول نصاً من النّصوص، لكنّه ليس أي قارئ، القارئ الذي يفترضه هذا المفهوم هو قارئ كفء ، ذو حظ كبير من المعرفة المكتسبة من طول فحصه ومعالجته للنصوص قراءة وتحليلاً؛ إذ القارئ الكفء وحده من يستطيع أن يرصد بحساسية عالية أي تحريف أو تشويش يحدثه النّص المقروء في بنية الأفق العامة. ومن هنا كان ستاروبانسكي، في مقدمته للطبعة الفرنسية من كتاب ياوس الموسوم «نحو جمالية للتلقي»، يقول: «إنّ هذا المنهج يقتضي ممن يطبقه أن يكون في مستوى معرفة المؤرخ الفقيه في اللغة المتمرس بالتحليلات الشكلية الدقيقة للانزياحات والتغيرات. إنها فيما يبدو الصعوبة التي يواجهها عالم تفشّى فيه زهو المعرفة الناقصة، فجمالية التلقي ليست مبحثاً مباحاً للمبتدئين المتعجلين»(46)؛ إذ إنّها تتطلب معرفة واسعة بالفهم القبلي pré-compréhension  بكل معاييره المقررة وأعرافه المرضية، ذلك أنّ علاقة النّص بسلسلة النّصوص السابقة عليه تابعة لسيرورة متوالية من إقامة الأفق وتعديله أو تحطيمه فالنّص، حتى لو تظاهر بأنّه جديد، لا يقدّم نفسه كما لو كان جديدا بصورة مطلقة.

وبهذا الشكل فإنّ إعادة تأسيس تاريخ الأدب Histoire de la littérature، أو تاريخ التواصل الأدبي تتم بناء على تتبع مسار الأفق من إقامته حتى كسره وتحطيمه أو تعديله وتصحيحه؛ إذ إنّ معرفة استجابة جمهور معين لنّص محدد لا تتحقق إلا بمعرفة الأفق الذي استأنس به ذاك الجمهور حين كان يقرأ النّص، مما يؤكد أنّ العلاقة بين النّص والقارئ علاقة جماليّة وتاريخيّة معاً(47). وبهذه الطريقة أمكن لياوس أن يوظّف مفهوم أفق الانتظار بوصفه أداة لإعادة تركيب تاريخ تلقيّ الأعمال الأدبيّة.

بيد أن المنزلق الخطير الذي سيترتب على سوء توظيف أفق الانتظار، هو أن يعامل هذا المفهوم كما لو كان مقياسا تقويمياً لجمالية الأدب، حيث يمكن باستخدام هذا المفهوم قياس مدى جمالية نص من النّصوص، أو ما عرف عند ياوس بـ «المسافة الجمالية» «La distance esthétique»، أي «المسافة الواقعة بين انتظارات القارئ عن العمل… وبين قدرة العمل الفعلية على الوفاء لتلك الانتظارات»(48). وعلى هذا الأساس ستكون جمالية العمل مرهونة بمدى كسر العمل لأفق انتظارات وتوقعات القارئ، أي بمدى خرقه وخيانته لهذا الأفق، وهكذا كما لو كنا أمام صياغة جديدة لمفهوم الانزياح(49)  L’écart  أو العدول في الشعرية البنيوية.

لقد أثار هذا الاستخدام لمفهوم أفق الانتظار اعتراضات كثيرة، فهو كما يبدو يتضمن عودة جديدة للنقد الحُكمي الذي تلعب فيه المعايير المقرّرة دورا كبيرا في تحديد جمالية أي نص من النّصوص، كما أن قياس المسافة الجمالية أمر ليس سهلاً دائما، فليس بالإمكان تحديد تلك المسافة بين العمل والأفق بكل دقة وفي كل الأحوال، أضف إلى ذلك أن خرق الأفق وكسره ليس مقياساً صالحا أو كافيا في كل الأحوال. «فإذا أخذت الكتابة العشوائية لحيوان الشامبانزي على الآلة الكاتبة ونشرت على أنها رواية مثلا، فالمؤكد أنها ستبتعد عن توقعات جمهور القراء…وبعبارة أخرى فإنّ المسافة الواقعة بين الأفق والعمل تعد معياراً غير كاف لتحديد القيمة الأدبية»(50)، بدليل أنّ هذا المعيار لن يصطفي إلا تلك الأعمال التي كان خرق الأفق مطلبا أساسياً لها، أما غير ذلك فإنه لن يحظى بالتقدير والاعتراف.

وفي الواقع أنّ خرق الأفق، أي جدة العمل الأدبي واختلافه لم يكن هو المطلب الأساس في كل أدب وفي كل عصر، بل إنّ بعض العصور والمجتمعات كانت تتحدد عندها جمالية الأدب بمقدار وفائها لقواعد النوع الأدبي ولأفق انتظار القراء. ولهذا كان روبرت هولب يذهب إلى أنّ أساس المأزق الذي وقع فيه ياوس يرجع إلى اعتماده الكبير على الشكلانيين الروس، وذلك فيما يتصل بمفهوم «الإغراب» الذي أنيط به مسؤولية تأسيس القيمة الجمالية للعمل. يرى هولب كذلك أن ليس ثمة ما يبرر هذا الاعتماد عند ياوس، ويوجز روبرت هولب العوامل المؤثرة في تكوين نظرية التلقي في خمسة مؤثرات هي على التوالي(51):

-          الشكلانية الروسية

-          بنيوية براج

-          ظواهرية رومان انجاردن

-          هيرمينوطيقا غادامير Gadamer

-          سوسيولوجيا الأدب في نهاية الأمر

كما وجد هولب أنه ليس من الصعب العثور على إرهاصات لهذه النظرية في كتاب فن الشعر لأرسطو، باشتماله على نظرية التطهير التي تعد أقدم تصوير لنظرية تقوم فيها استجابة الجمهور المتلقي بدور أساسي. كما وجد في التراث البلاغي كلّه وعلاقاته بنظرية الشعر، إرهاصاً بالنظرية أيضاً، بفضل تركيزه على أثر الاتصال  بالقارئ(52). لكن الإرهاصات التي ركّز عليها هولب، وخصص لها الفصل الثاني من كتابه، هي تلك الاتجاهات أو النظريات، التي ظهرت خلال الستينيات، وهيّأت المناخ الفكري لازدهار نظرية التلقي(53).

على الرغم من تلك الاعتراضات التي أثيرت ضد مفهوم أفق الانتظار، فإنّه يبقى من أهم المفاهيم لكل من يريد دراسة تاريخ التلقيّ، أو التّواصل الأدبيّ في مجتمع من المجتمعات، وذلك إذا أمكن تخليصه من التبسيط المخل الذي انتهى إليه، أي معاملته كما لو كان معياراً لقياس جمالية العمل الأدبي. وفي هذا الشأن يذكر روبرت هولب(54) أنّ اهتمامات ياوس فيما بعد عام 1970 قد انصرفت بعيدا عن تلك الاهتمامات التي ظهرت في تلك الدراسة المبكرة، كما أنّ المفهوم الواعد لأفق الانتظارات قد توارى، وأخذ يتقلّص بصورة لافتة في كتابات ياوس اللاحقة. والحقيقة أن ياوس لم يتخّل عن مفهوم أفق الانتظار بصورة جذرية كما تُوهِم بذلك ملاحظة هولب، فـياوس في كتاباته اللاحقة قد تخلَّى عن فكرة أن مفهوم أفق الانتظار يمكن توظيفه كمعيار حاسم في تحديد جمالية الأعمال الأدبية، فكسر أفق الانتظار ليس إلا مجرد حالة في تاريخ التلقي الممتد، وهو لا يعدو كونه شكلاً واحدا من أشكال التلقّي المحتملة للنص. وقد سبق لياوس نفسه أن استدرك على مفهوم أفق الانتظار في بحث له منشور سنة 1975، حيث ذهب إلى أن «مفهوم أفق التوقعات لم يصبح خلال السنوات الأخيرة أمراً شائعا فقط، وإنما نتجت عنه في تطبيقاته المنهجية أخطاء أجد نفسي مسئولا عن جزء منها»(55).

إنّ معاملة أفق الانتظار بوصفه مقياسا معياريا يفرّغه من كل معاني التواصل التي كان ياوس نفسه يلحّ عليها. فإذا كانت جمالية نص تقاس بمقدار كسره لأفق توقعات القراء، فإن هذه الجمالية تحدد لنا ما يحدثه النّص في القارئ فقط، أما ما يحدثه القارئ في النّص فأمر لا اعتبار له، في حين أن موضوع جمالية التلقي، من منظور ياوس وإيزر، هو ذلك التفاعل والتواصل بين النّص والقارئ أو الـمتلقي.

ومن هنا كان ياوس يشير إلى القصور في هذه الصورة الأولية لجمالية التلقي، وذلك حين ذهب إلى القول بأن جمالية التلقي كانت في البداية تقدّم نفسها «كجمالية مستقلة محيلة على الأعمال الفنية التي تتجاوز أفق انتظار جمهورها بفضل قيمها البريئة أو «السلبية»، وبفضل معانيها التي تثير فيما بعد تاريـخاً تأويلياً غنيا. وفي حدود طرح جديد لمشاكل الوظائف الاجتماعية للفن، على حقل الأبحاث أن ينفتح على تقاليد أدبية لما بعد القترة المستقلة للفن وخارج المفهوم الإنساني للنهضة وعلى التواصل في اتساع لكل الوظائف»(56).

ومع ذلك يبقى مفهوم أفق الانتظار استراتيجية Stratégie تعين الباحث على دراسة طبيعة التلقي وخصوصيته في أيّة لحظة من تاريخ التلقيّ، وذلك بشرط أن نضع تطورات المفهوم بعين الاعتبار. ففي مقابل مفهوم أفق الانتظار كما عرضه ياوس عام 1967، حيث كان التركيز منصبا على أفق الانتظار بوصفه نظاما من المعايير والخبرات، يمكن تحديده وموضعته، في مقابل ذلك نجد ياوس يستخدم مفهوم الأفق لاحقا بصورة أشمل من كونه مجرد نظام من المعايير والخبرات بالنّصوص المقروءة سلفاً، بل إنّه يشمل هذا النّظام، كما يشمل خصوصيات اللحظة التاريخيّة ودور الثقافة والأخلاق ومجمل الشروط المحيطة بحدث التلقي.

لقد عاد ياوس سنة 1970 وما بعدها ليعطي أفق الانتظار أبعاداً أشمل مـما قرّرها سابقا، فهو عنده بمثابة «تهيؤ قارئ العمل الأدبي تهيُّؤاً ناتجاً عن توقعات مرجعها إلى الثقافة أو الأخلاق أو التراث الأدبيّ نفسه (الجنس الأدبي، الأسلوب، الثيمات)، في لحظة ظهور العمل زمنياً»(57).

يتضح من هذا التصور الأخير أنّ مفهوم الأفق ينبثق عن التراث الأدبيّ، كما ينبثق عن مجمل الأعراف الثقافيّة والاجتماعيّة والأدبيّة والشروط التاريخيّة المحيطة بالقارئ، والتي توجّه، إلى حد كبير، قراءته واستراتيجياتها، حيث الأفق يتحكم، بقدر كبير، في تحديد مدى الرؤية الذي يجعل القارئ قادراً على رؤية مناطق معينة، في حين تحجب عنه مناطق أخرى(58).

وينبغي التأكيد والإقرار في هذا السياق بأنّ ثمّة صعوبة كبيرة في التمييز بين ما هو للنص في أول ظهوره، وبين ما هو من إضافات التلقيّات التي تعاقبت عليه. إنّ هذه الصعوبة ناتجة من حقيقة أنّ النّص لا يقدّم نفسه لأي قارئ بصورة مباشرة شفّافة، فهو لا يظهر إلا مصحوبا بجملة التلقيّات التي قرأتهPré-compréhension ، وإلى حد كبير كانت تعيد تصنيعه وإنتاجه من خلال تلك القراءة. فأهمية النّص وقيمته ليست موجودة في النّص ومقتصرة عليه فحسب، بل إنّها تعتمد، بدرجة كبيرة، على القارئ والأفق التاريخي الذي يقرأ النّص من خلاله. ومن هنا ندّد ياوس، كما فعل قبله غـادامير(59)Gadamer ، بأوهام التاريخيّة «التي تدعو إلى العودة إلى المنابع والإخلاص للنصوص، وتقود المؤول إلى تجاهل حدود أفقه التاريخي، وتجاهل ما عليه أن يقوم به تجاه تاريخ استقبال نصّه، وإلى الحد الذي لا يرى فيه غير سوء التّفاهم في عمل سابقيه، وعلى أهبة للاعتقاد في علاقة خالصة ومباشرة بالنّصوص التي تمتلك وحدها المعنى الحقيقيّ»(60).

وهكذا، فالنّص هو حصيلة تلك العلاقة الجدليّة والتّفاعل النَّشط بينه وبين القارئ، كما أنّه حصيلة هذا التفاعل النّشط بين المتلّقين أنفسهم. فأن تعرف ما هو النّص هو أن تعرف كيف قُرِئ، وتاريخ النّص هو، على وجه التحديد، تاريخ تلقيّه وتجسداته المتلاحقة عبر التّاريخ  L’histoire، حيث النّص لا يفهم دون أخذ تحققاته وتجسداته بعين الاعتبار.

ولا نجافي الصواب إذا قلنا إنّ اهتمام ياوس كان منصبا على إعادة تركيب آفاق الانتظار؛ كي يتسنى له تأسيس تاريخ أدبي جديد، يضع منظور المتلقي في صلب اهتمامه، وبما أنّ النّص يدخل في علاقة مع سلسلة من النّصوص السابقة عليه، فإنّ اكتشاف أفق انتظار كل جيل يعتمد على قدرة الباحث على تحديد نمط تلك العلاقة التي يقيمها النّص المقروء مع تلك السلسلة من النّصوص السابقة.

ويمكننا أن نصدح بأنّ توظيف مفهوم الأفق عند ياوس، ارتبط بغاية تأسيس تاريخٍ أدبيّ جديد أكثر مما ارتبط بتأسيس تاريخ تلقٍ جديد للأدب؛ إذ ينظر ياوس إلى النّص في علاقته بسلسلة النّصوص السابقة، والتي تشكل النوع الأدبيّ، وهذه العلاقة تابعة لسيرورة متوالية من إقامة الأفق وتشكيله، أو كسره وتحطيمه، أو تعديله وتصحيحه، وهذا ذاته ما طالب ياوس بتجاوزه فيما بعد من خلال التركيز على التواصل بين النّص والمتلقي، وبين المتلقي السابق واللاحق وهكذا.

يقول حسن البنا: «يستخدم ياوس مصطلح أفق التوقعات محددا به مجموعة من المعايير الثقافية والطروحات والمقاييس التي تشكل الطريقة التي يفهم بها القراء ويحكمون من خلالها على عمل أدبي ما في زمن ما ويمكن أن يتشكل هذا الأفق من عوامل مثل الأعراف السائدة وتعريفات الفن(مثل الذوق) أو الشفرات الأخلاقية السائدة ومثل هذا الأفق خاضع للتغير التاريخي»(61).

جمُاع القول:  هذا، وعلى الجملة، فإنّ الشيء الجديد الذي حملته نظريات التلقي والقراءة –وقد تم تنزيل مقولاتها في سياقها المعرفي- ولم ينتبه إليه النقد الأدبي من قبل، هو أن تحديد الأدبية (62)  Littérarité لا يعتمد في هذه النظريات بالضرورة على بنية النص، بل يقوم على تحليل تجربة الفهم عند القارئ وتحليل النشاط الّذي يقوم به لتفسير الآثار الجمالية التي يستشعرها أثناء القراءة. لعل تحليل تجربة القارئ الجمالية أن يمثل اعترافا بأن المعنى لا يوجد في النص، بل في منطقة التفاعل بين القارئ والنّص. هكذا تدعو هذه النظريات المحلل إلى الاهتمام بفعل القراءة نفسه باعتباره نشاطا جماليّا، بدل الاهتمام بالنص في حدوده الذاتية. ولعل هذه الفكرة أن تعيد النظر في التصور التقليدي الذي يرى أن النص وحدة مطابقة لذاتها في جميع الأحوال. على هذا النحو يكون النقد الأدبي قد نقل محور اهتمامه من المرسل والنص إلى المتلقي؛ أي إن التأويل الذي صيغ في هذه النظريات يقوم مفهومه على الانشغال بتفسير ما يحدث في أثناء القراءة كما يرى إيزر(63)، أو الانشغال بالكشف عن التشكل الجدلي لمعنى العمل الأدبي تاريخيا وفق فهم تحاوري بين العمل وسلسلة القرّاء المتعاقبين كما يرى هانس روبرت ياوس.

وإجمالا فالأساس في نظرية التلقي هو الكشف عن دور القارئ وفعاليته في تفسير الأعمال الأدبية والإسهام في إعادة تقويمها وإعطائها معنى وفق مجموعة من العوامل المتصلة بطبيعة وعي هذا القارئ وعصره وثقافته، وقد أصبح القارئ الآن صاحب سلطة لا تنازع في توجيه النّص وتحديد قيمته، حيث إنّ كل نص يتوجه إلى القارئ ويحيل إليه.

 

الهوامش:

1- حميد سمير: النص وتفاعل المتلقي في الخطاب الأدبي عند المعري، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2005، ص14.

2- إن مرجعية مصطلح التأويل فيما يذهب إليه تودوروف T.Todorov «هي استخلاف أي نص بنص آخر. وهي كل إجراء يحاول الكشف عبر النسيج النصي الظاهر، عند نص ثان أكثر موثوقية» تودوروف: كيف نقرأ، ت: محمد نديم خشفة ، مجلة  الآداب الأجنبية، اتحاد الكتاب العرب بدمشق العدد 98 ربيع 1999 السنة الرابعة والعشرون، ص138، وبتعبير آخر فالتأويل هو حمل اللفظ على غير مدلوله الظاهر منه مع احتمال له بدليل يرجّحه، ويركّز التأويل عادة على النصوص الأدبية الغامضة أو التي يتعذّر فهمها من القراءة الأولى، وهو ينطوي على شرح خصائص النص وسماته، كالجنس الأدبي الذي ينتمي إليه، وعناصره، وبنيته، وغرضه، وتأثيراته. والتأويل آلية تفكير ونهج للتعامل مع النصوص الإشكالية.

3- أحمد بوحسن: نظرية التلقي والنقد الأدبي العربي الحديث، ضمن كتاب :نظرية التلقي إشكالات وتطبيقات، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 1993، ص23.

4- فولفغانغ إيزر: وضعية التأويل، الفن الجزئي والتأويل الكلي، تر: حفو نزهة وبوحسن أحمد، مجلة دراسات سيميائية أدبية لسانية، ع 6، ص76.

5- نادر كاظم: المقامات والتلقي: بحث في أنماط التلقي لمقامات الهمذاني في النقد العربي الحديث، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 2003. ص24.

6- روبرت هولب: نظرية التلقي، تر: عز الدين إسماعيل، النادي الأدبي والثقافي بجدة، 1994، ص202. وقد مهّد عز الدين إسماعيل لكتاب هولب بمقدمة طويلة عن نظرية تلقي الأدب، يقول : «عندئذ قد يختلط مفهوم التلقي ومفهوم الفاعلية التي يحدثها العمل، وإن كان الفرق بينهما كبيراً، حيث يرتبط التلقي بالقارئ، والفاعلية بالعمل نفسه. ومن هنا يختلف تاريخ التلقي عن     تاريخ الفاعلية، كما تختلف جماليات التلقي عن جماليات التأثير. ونظرية التلقي ـ كما يعرضها المؤلف ـ تشير إجمالاً إلى ذلك التحول، في الاهتمام، إلى النّص والقارئ» ص7.

7- المرجع نفسه، ص204-205.

8- فولفغانغ إيزر: فعل القراءة، نظرية جمالية التجاوب، تر: حميد الحميداني والجلالي الكدية، منشورات مكتبة المناهل، ص12. استطاع الباحث حميد سمير ـ من خلال نص إيرز ـ أن يميز بين بنيتين اثنتين: هما بنية النص وبنية الفعل، وأن العلاقة بينهما هي علاقة لزومية، إذ الحديث عن جمالية النص قرين بفعل القراءة التي تصدر عن المتلقي وما يصاحب ذلك من تجارب وتفاعل. وهكذا يكون. فعل القراءة منطلقاً من الذات نابعاً منها، وأن النص يثير قارئيه ويوجههم لبناء معناه. وهذا يدل على أن الذاتية عنصر أساسي في هذا البناء، وكذا في تحقيق جماليته وتعيينها، بمعنى أن تحديد ما هو موضوعي يمر من خلال ما هو ذاتي. ينظر: حميد سمير : النص وتفاعل المتلقي في الخطاب الأدبي عند المعري ، ص37.

9- حبيب مونسي: في القراءة والتأويل ، مجلة الموقف الأدبي، أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق، العدد440، كانون الأول، السنة السابعة والثلاثون 2007، ص60.

10- ينظر: نادر كاظم: المقامات والتلقي. ص25.

11- تزفيتان تودوروف: الشعرية، تر: شكري المبخوت ورجاء بن سلامة، دار توبقال للنشر، ط2، 1990، ص21.

12- المرجع نفسه، ص ن.

13- فولفغانغ إيزر: فعل القراءة ، ص10.

14- ينظر: المرجع نفسه ، ص ن.

15- المرجع نفسه، ص98.

16- نادر كاظم: المقامات والتلقي. ص25.

17- ينظر: فولفغانغ إيزر: فعل القراءة، ص99.

18- كان أحد تلامذة أدموند هوسرل (Husserl  فيلسوف الظاهراتية الكبير،‏ وإليه يرجع مفهوم أفق التوقع الذي يستعمله لتحديد التجربة الزمنية ينظر: جان ستاروبانسكي: نحو جمالية للتلقي، تر: محمد العمري، ضمن نظرية الأدب في القرن العشرين، ترجمة وإعداد محمد العمري، ط02، 2005، ص151

19- تعتقد الظاهراتية بأنّ الأشياء بذاتها لا تعدو أن تكون مجرد ظواهر مدركة عن طريق التجربة المباشرة وهي إشارات وتأثيرات للغة، وتعتقد الظاهرية أيضا بأن “الوعي” وليس الشيء ، هو الشيء الواقعي الوحيد بالنسبة لنا، أي إن حقيقة الأشياء تظهر من خلال وعينا لها وإلا فهي غير متحققة وهذا ما يدعى “القصدية”L’intention  التي تعني أن وجود الأشياء لا يتحقق إلا إذا أدركها الإنسان بأن وجه إليها قصده في الوعي ، أي إنه يقصد وعيها فعلا لتكون متحققة في الوجود، وتنتمي هذه الفلسفة إلى أصل أكبر هو الفلسفة التشكيكية التي ركزتها نسبية البرت انشتاين وأسندتها فلسفة الألماني نيتشه العدمية ، وهي جميعا تلتقي عند نقطة حركة المعنى أو عدم ثباته.

20- فولفغانغ إيزر: فعل القراءة ، ص 102.

21ـ حميد سمير : النص وتفاعل المتلقي في الخطاب الأدبي عند المعري ، ص26.

22- لقد أراد إيزر من خلال انتقاده لتصور إنكاردن حول مفهوم المواقع أن يوضح أنّ هذا الأخير لم يكن يفكر في «مواقع اللاتحديد»Indétermination  أو في التحقق باعتبارهما مفهومين للتواصل بين النّص والقارئ، وهذا هو بالتحديد، بحسب إيزر، ما أوقع إنكاردن، على الرغم من أهمية تصوره، في منزلق خطير، هو المفاضلة بيت تحققات النّص، حيث يكون ثمة تحققات صحيحة ملاءمة، وأخرى خاطئة غير ملاءمة، فمن منظور إنكاردن يتحتم علينا أن نشكّ في صحة التأويلات حين تختلف في عمل أدبي فني واحد. فنحن لا نستطيع أبداً أخذ كل تحققات النّص المحتملة بعين الاعتبار، بل يجب أن نقيد أنفسنا ببعض التحققات النموذجية التي يمكن استقصاؤها، وهذا على خلاف ما شدّد عليه إيزر ومعظم النقاد المهتمين بالتلقي والقراءة.ينظر: المرجع نفسه،ص ن

23- فولفغانغ إيزر:  فعل القراءة ، ص112-113.

24- ولد في باريس عام 1905، أتاحت له إقامته في برلين تعلم علم الظواهر على يد هوسرل Husserl  عام 1936، نشر مقالاً عن «التخيل» ثم آخر عن «الخياليّ» عام 1940، كما نشر عام 1939 كتاباً بعنوان  Esquisse d’une théorie des émotions ، أما أهم عملين فلسفيين له فكانا: «الوجود والعدم» L’être et le néant عام 1943 ثم «نقد في العقل الجدلي» la critique de la raison dialectique   عام 1960، قامت فلسفة سارتر على رفض المنطلقات الفلسفية التي تقوم عليها جمالية كانط، حينما كانت تفرق بين الوجود الأول للعمل الفني؛ وبين وجود ثان يرتبط بنظرة المتلقي.

25- جان بول سارتر: ما الأدب؟، تر: محمد غنيمي هلال، نهضة مصر، د.ت، ص 43.

26ـ  المرجع السابق ص 55.

27- المرجع نفسه، ص 61.

28- المرجع نفسه، ص 49.

29- Hans Ropert Jauss: Pour une esthétique de la réception, P. 244

30- ينظر: دانيي، هنري باجو: الأدب العام والمقارن، ترجمة غسان السيد، منشورات اتحاد الكتاب العرب 1997،ص77.

31- ينظر: روبرت هولب: نظرية التلقي، ص 152.

 32ـ المرجع نفسه، ص172.

33- حسن مصطفى سحلول: نظريات القراءة والتأويل الأدبي وقضاياها، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق 2001، ص 10.

34- روبرت هولب: نظرية التلقي، ص154.

35- Hans Robert Jauss: Pour une esthétique de la réception, p31.

36- رغم أنّ إيزر كان على وعي بالبعد الاجتماعي للقراءة، بيد أنّه ركز انتباهه بصورة كبيرة على الأبعاد «الجمالية» بخلاف ياوس؛ بمعنى أن اهتمامه كان منصباً أكثر على العلاقة بين مكونات النص الداخلية وبين التلقي والقراءة بصفتهما فعلاً إبداعياً، يكوّن أو يولّد الدلالة النصية التي لا تقدم إلا على أنها نتيجة للحدث المتبادل بين الإشارات النصية وأفعال كفاءة القارئ.

37- هانز روبرت ياوس: جمالية التلقي والتواصل الأدبي ، ص 107.

38- هانز روبرت ياوس: أدب العصور الوسطى ونظرية الأجناس الأدبية، ضمن: نظرية الأجناس الأدبية، تر: عبد العزيز سبيل، النادي الأدبي الثقافي بجدة، ط1، 1994، ص 86. والذي يفهم من نص ياوس أنه كان يتوسم تاريخا يؤدي دورا واعيا يصل الماضي والحاضر، وذلك بهدف بناء منظومة مركبة من العصور والأجيال المتتالية، لتوضيح كيفية تشكل المراحل وتحول الأذواق.

39- جان ستاروبانسكي: نحو جمالية للتلقي، ص 148. ويذهب جان ستاروبانسكي  إلى أنّ اهتمام ياوس بالمتلقي الذي يستجيب للمؤلف ويُحينه يربط فكر هذا الأخير (ياوس) بطروحات سابقة أرسطية وكانطية «ذلك أنّ أرسطو وكانظ كانا الوحيدين تقريبا اللذين استطاعا في الماضي إقامة جمالية (خاصة بكل منهما) تأخذ أثر الفن في المتلقي بعين الاعتبار بصورة منهجية. لقد عرف ياوس ذلك جيدا ولم يتردد في دعم أطروحاته حول التجربة الجمالية ضمن عمل له حديث بنقل نصوص لكانط يقارن فيها الدعوة التي يوجهها المؤلَف الفني إلى الإجماع الحر والتواصل الكوني في العقد الاجتماعي» المرجع نفسه ص ن.

40- يطرح هذا المصطلح النقدي في جمالية الاستقبال إشكالية نظرية من حيث الترجمة والنقل إلى المدونة النقدية العربية؛ إذ نجد هذا المصطلح في الكثير من الدراسات العربية قد ترجم إلى أفق الانتظار وفي القليل منها نجده قد ترجم إلى أفق التوقع. ينظر: في هذا السياق: خير الدين دعيش: أفق التوقع ما بين الجمالية و التاريخ، ص 90 (الإحالات).

41- روبرت هولب: نظرية التلقي، ص154.

42  -دانيي هنري باجو: الأدب العام والمقارن، ص77.

43- روبرت هولب: نظرية التلقي، ص155.

44- أهم ما قدمه غادامير في هذا السياق هو تحليل الطبيعة التاريخية لعمليات الفهم الأدبي، ويصف حدث الفهم في واحدة من أشهر استعاراته بأنه امتزاج الأفق الخاص بالفرد المتلقي بالأفق التاريخي المستقبل لنص أدبي ما، فعندما نضع وعينا التاريخي نفسه خلال الآفاق التاريخية فإنّ هذا حسب غادامير «لا يستطيع العبور على عوالم غريبة لا ترتبط على أي نحو بعالمنا، ولكنها مجتمعة تكون الأفق الواحد  الكبير الذي نتحرك من داخله والذي يعانق فيما وراء الحاضر الأعماق التاريخية لوعينا الذاتي، إنه أفق واحد في الحقيقة ذلك الذي يعانق كل شيء احتواه الوعي التاريخي». صلاح فضل: في النقد الأدبي، اتحاد كتاب العرب،2007، دمشق،ص83.

45- هانز روبرت ياوس: أدب العصور الوسطى ونظرية الأجناس الأدبية، ص 55.

46ـ جان ستاروبانسكي: نحو جمالية للتلقي، ص 150-151.

47- تكمن العلاقة الجماليّة في حقيقة أنّ التلقيّ الأول للعمل من قبل القارئ يتضمن اختبارا لقيمته الجماليّة بالمقارنة مع أعمال أخرى قد قُرِئت من قبل، أما العلاقة التاريخيّة الواضحة لذلك فهو أن فهم القارئ الأول سيدعم ويُغنَى بسلسلة من التلقيّات من جيل إلى آخر، وبهذه الطريقة تتقرر دلالة العمل التاريخيّة، وتتضح قيمته الجماليّة.

48 ـ نادر كاظم: المقامات والتلقي. ص35.

49- هو خرق للقواعد، وخروج على المألوف، واحتيال من المبدع على اللغة اللاّشعورية لتكون تعبيراً غير عادي عن عالم غير عادي، فاللغة يبدعها الكاتب/المبدع ليقول كلاماً لا يمكنه قوله بشكل آخر، ولا يكون الانزياح هدفاً في ذاته، خوفاً من الانبهام التام، وإنما هو وسيلة لخلق الجمالية الشعرية، ويؤدي الانزياح وظيفته الدلالية والشعرية إذا كان مقبولاً من المتلقّي.

50 ـ روبرت هولب: نظرية التلقي، ص161-162.

51- صلاح فضل: في النقد الأدبي، ص81 إنّ هذا التنوع لمصادر نظرية التلقي الذي ذكره هولب ليفسر بوضوح طابع المرونة، الذي ميزها بوصفها منهجاً سجالياً يقوم على مبدأ الحوارية؛ ومناقشة المناهج الأخرى، مع ما يقتضيه ذلك من نقد وتجريح لبعض آلياتها وتجاوز لبعضها الآخر.

52- روبرت هولب: نظرية التلقي، ص65-66.

53- ينظر: المرجع نفسه، (الفصل الثاني، المؤثرات والإرهاصات)، ص 65-142.

54- ينظر: المرجع نفسه، ص176 و177.

55- حامد أبو أحمد: الخطاب والقارئ، نظريات التلقي وتحليل الخطاب وما بعد الحداثة ،مركز الحضارة العربية،القاهرة، ط02،  2002، ص 84.

56- هانز روبرت ياوس: جمالية التلقي، والتواصل الأدبي، ص 112.

57- السيد إبراهيم: النظرية الأدبية ومفهوم أفق التوقع، مجلة علامات، ع 32، 1999، ص 184.

58- والمقصود هنا أنّ كل قارئ إنّما يقرأ النّص وهو محكوم بأفقه الخاص، ومنطوٍ على أعراف قرائيّة قد تمثّلها، واستراتيجيات في القراءة قد تمت المصادقة على نجاحها، أي إنّ ما يمكن أن نقرأه في النّص هو، إلى حد كبير، محدد سلفا من خلال الأفق الذي يسمح بالرؤية والفهم، فما يمكن رؤيته وفهمه هو بالتحديد ما يكون مندرجا في أفق أو نظام يمكن أن يفهم من خلالهما، وبما أنّ هذا الأفق في تغيّر مستمر من مجتمع لآخر، ومن عصر لآخر، فإنّ هذا الفهم لن يكون ثابتاً ومستقراً أبداً، فهو في حالة تكوّن مستمرة.

59- ونرى أنه من المناسب هنا أن ننقل كلام غـادامير يقول: «يتشكل أفق الحاضر في ارتباط بالضرورة الدائمة لوضع  مسلماتنا موضع اختبار ، فمن مثل هذا الاختبار  ينشأ أيضا اللقاء مع الماضي وفهم التقليد الذي نصدر عنه، ومن ثم فإنّ أفق الحاضر لا يمكن أن يشكل بتاتا في انقطاع عن الماضي. لا وجود لأفق حاضر في انفصال عن الماضي، ولا لآفاق تاريخية  يمكن عزلها، بل يكمن الفهم بالأحرى في عملية دمج هذه الآفاق ندعي فصل بعضها عن بعض» H.G. Gadamer ; Vérité et méthode, trad, E. Sacre, rev , par p. Ricoer, parl 156156,   نقلا عن جان ستاروبانسكي: نحو جمالية للتلقي، ص 151. ويعلق جان ستاروبانسكي على نص غادامير بقوله: «ويمكن القول بأنّ هذا الاندماج بين الآفاق هو موضع مرور التقاليد، فالمؤلفات الكلاسيكية هي التي تقوم حسب غادامير بالوساطة عبر المسافة الزمنية La distance Temporelle وهي فكرة لا يسايره فيها ياوس». المرجع نفسه ص ن.

60-  هانز روبرت ياوس: جمالية التلقي والتواصل الأدبي، ص 108.

61- حسن البنا عز الدين: قراءة الآخر/قراءة الأنا نظرية التلقي وتطبيقاتها في النقد الأدبي العربي المعاصر،الهيئة العامة لقصور الثقافة،القاهرة ، ط01، 2008، ص28.

62- هي مجموعة القوانين والخصائص التي تجعل من نصٍّ ما نصّاً أدبيّاً، وتحوّل الكلام من حدوده العادية إلى جماليات لغوية، ولذلك فإنّ أصحاب هذا المصطلح ركزوا في دراساتهم على أدبية النصوص الإبداعية دون النظر إلى علاقتها بما هو خارجي عنها، كحياة الأديب، والواقع الاجتماعي والاقتصادي، فالدارس الأدبي، من وجهة نظر هؤلاء، يبحث في مجال اللغة، ويدع لعالم السيرة وعالم الاجتماع والاقتصاد وسواهم البحث في المجالات الأخرى. ومصطلح “الأدبية” مقتبس من الشكلانيين الروس، ومن أبرزهم رومان ياكبسون، وقد مهدّت هذه المصطلحات وأمثالها لسلطة النّص في البنيوية.

63- Wolgang Iser: L’Acte de lecture, Pierre Mardaga, Bruxelles, 1997, p. 43- 44.

 

مراجــــع الدراســـــة:

-     بالعربية:

-     الكتب

-     حميد سمير: النص وتفاعل المتلقي في الخطاب الأدبي عند المعري، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2005.

-     أحمد بوحسن: نظرية التلقي والنقد الأدبي العربي الحديث، ضمن كتاب :نظرية التلقي إشكالات وتطبيقات، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 1993؟

-     نادر كاظم: المقامات والتلقي: بحث في أنماط التلقي لمقامات الهمذاني في النقد العربي الحديث، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 2003.

-     حسن مصطفى سحلول: نظريات القراءة والتأويل الأدبي وقضاياها، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق 2001.

-     صلاح فضل: في النقد الأدبي، اتحاد كتاب العرب،2007، دمشق.

-     حامد أبو أحمد: الخطاب والقارئ، نظريات التلقي وتحليل الخطاب وما بعد الحداثة ،مركز الحضارة العربية،القاهرة، ط02،  2002.

-     حسن البنا عز الدين: قراءة الآخر/قراءة الأنا نظرية التلقي وتطبيقاتها في النقد الأدبي العربي المعاصر،الهيئة العامة لقصور الثقافة،القاهرة ، ط01، 2008.

 

-     المفالات:

-     حبيب مونسي: في القراءة والتأويل ، مجلة الموقف الأدبي، أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق، العدد440، كانون الأول، السنة السابعة والثلاثون 2007

-     خير الدين دعيش: أفق التوقع عند ياوس ما بين الجمالية و التاريخ، مجلة مخبر وحدة التكوين والبحث في نظريات القراءة ومناهجها، العدد الأول، جوان، 2009.

-     السيد إبراهيم: النظرية الأدبية ومفهوم أفق التوقع، مجلة علامات، ع 32، 1999.

-     كتب ومقالات مترجمة:

الكتب:

-     روبرت هولب: نظرية التلقي، تر: عز الدين إسماعيل، النادي الأدبي والثقافي بجدة، 1994

-     فولفغانغ إيزر: فعل القراءة، نظرية جمالية التجاوب، تر: حميد الحميداني والجلالي الكدية، منشورات مكتبة المناهل،

-     تزفيتان تودوروف: الشعرية، تر: شكري المبخوت ورجاء بن سلامة، دار توبقال للنشر، ط2، 1990

-     جان بول سارتر: ما الأدب؟، تر: محمد غنيمي هلال، نهضة مصر، د.ت

-     دانيي، هنري باجو: الأدب العام والمقارن، ترجمة غسان السيد، منشورات اتحاد الكتاب العرب 1997.

-     هانز روبرت ياوس، أدب العصور الوسطى ونظرية الأجناس الأدبية، ضمن الكتاب الجماعي: نظرية الأجناس الأدبية،، تر: عبد العزيز سبيل، النادي الأدبي الثقافي بجدة، ط:1، 1994، ص 86.

المقالات:

-     تودوروف: كيف نقرأ، ت: محمد نديم خشفة ، مجلة  الآداب الأجنبية، اتحاد الكتاب العرب بدمشق العدد 98 ربيع 1999 السنة الرابعة والعشرون،

-     فولفغانغ إيزر: وضعية التأويل، الفن الجزئي والتأويل الكلي، تر: حفو نزهة وبوحسن أحمد، مجلة دراسات سيميائية أدبية لسانية، ع 6،

-     جان ستاروبانسكي: نحو جمالية للتلقي، تر: محمد العمري، ضمن نظرية الأدب في القرن العشرين، ترجمة وإعداد محمد العمري، ط02، 2005

-     هانز روبرت ياوس: جمالية التلقي، والتواصل الأدبي. مدرسة كونستانس الألمانية، تر: سعيد علوش، مجلة «الفكر العربي المعاصر»، ع:38، 1986.

-     كتب أجنبية:

-           Hans Ropert Jauss: Pour une esthétique de la réception, Gallimard, Paris, 1987,

-           Wolgang Iser: L’Acte de lecture, Pierre Mardaga, Bruxelles, 1997,

 

 

روايات عماد الدين خليل قراءة في( البنية والدلالة)

د. سعاد عبد الله أبو ركب

أستاذ مساعد/جامعة حائل

الملخص

تهدف هذه الدراسة إلى قراءة روايات عماد الدين خليل قراءة في (جماليات البنية والدلالة)، و بيان مدى قدرتها على تحقيق الرؤية الإبداعية والفكرية للمبدع؛ وقد كشفت الدراسة عن مواكبة الروائي للتطور في البناء الفني الروائي، حيث انتقل من السرد التقليدي، إلى السرد متعدد الأصوات، والتداعي والمونولوج الذي اعتمده في رواية (السيف والكلمة)، أما من الناحية الفكرية فرواياته بمجملها تهتم بالقضايا التاريخية والقومية، التي كانت نقاط تحوّل في الحياة العربية.

 

Imaduddin Khalil’s Novels: On Structure and Sense

Dr. Suad Abdullah Abu Rukab / University of  Hail Abstract

 

This study aims at reading the aesthetics of structure and sense in Imaduddin Khalil’s novels, the capability of which in fulfilling the novelist’s intellectual and artistic vision is demonstrated. 

The study explored the novelist’s keeping abreast with the development of the narrative artistic structure.

The novelist shifted from traditional into polyphonic narration, associations and monologue in his novel ” Assaif Walkalimah ” ( Sword and Word ).On the intellectual scale, Khalil’s novels overall treat historic and  pan-national issues which were turning points in the Arab life.

 

تقديم

عماد الدين خليل كاتب متعدد المواهب، فهو مفكر ومؤرخ وناقد وشاعر وروائي وقاص ومبدع، وكل تلك المواهب اجتمعت في نسيج رواياته، فعالمه الروائي يمتاز بالغنى والثراء، ورواياته يجتمع فيها التاريخ والفن والخيال والفكر واللغة الشعرية؛ ذلك أن الروائي يقول ما يريد قوله بلسان الشخصيات.

وله من الإنتاج الروائي ثلاث روايات، رواية (الإعصار والمئذنة )و( السيف والكلمة )، أما روايته الثالثة فهي( مذكرات جندي في جيش الرسول صلى الله عليه وسلم)، وتستمد هذه الروايات مادتها الأساسية من التاريخ، فأحداثها و بعض شخصياتها مستمدة من التاريخ الواقعي، حيث استعان المؤرخ والروائي  بعلمه الواسع  وقدرته على سرد الوقائع التاريخية بلغة شعرية و بناء سردي شيق يتخلله حوار هادف، كما نلمح الإبداع الفني والبراعة اللغوية، والمزج بين السرد والحوار والتطويع للخيال، بأسلوب يجذب القارئ ويشده منذ بدية الرواية حتى بلوغ النهاية، ورواياته في مجملها تعكس استمرارية الروائي في البحث والتجريب، كما تعكس ثقافته الواسعة، فضلاً عن قدرته على التلاعب بالمفردات ورمزيتها ومعانيها البعيدة من أجل الوصول إلى الهدف الفكري، حيث أن من “ملامح التجريب والحداثة لجوء الكُتاب إلى التاريخ والتراث العربي، واستذكار الحوادث والشخصيات التاريخية وإعادة كتابتها من جديد، والأحداث تحيل القارئ إلى الماضي في محاولة من الكاتب لربط الماضي بالحاضر، وبناء عنصر المقارنة والإسقاط على الواقع المعاش”(1) 

وقد سعى هذا البحث لدراسة البنية الفنية ودلالتها في روايات عماد الدين، حيت تنوعت طرائق السرد لديه،فضلاً عن قدرته الكبيرة في التحكم بالوقفات الوصفية وبراعته في الوصف، وامتلاكه لناصية اللغة، وتمكنه من الأدوات الفنية، وقدرته الفائقة على التجسيد والتشخيص من خلال رسم الشخصيات وصناعتها بمهارة، ومع أن رواياته تمتاز بحجمها الكبير نسبياً، إلا أن حدة التوتر تظل في تصاعد حتى نهاية الرواية، وعلى الرغم من ذلك لا يجد القارئ صعوبة في تحديد هدف الكاتب منذ الصفحات الأولى في القراءة، فمثلا في بداية رواية (السف والكلمة) يعلن الروائي أن الوليد مطارد من المغول:”أعود لأغذ سيري ..ما يعزيني ، والشمس تنغرز في الأفق الغربي، فما تلبث أن تغيب أن مظلة الليل ستحميني من ملاحقة المغول”(2)، وهنا يجد القارئ نفسه في بحث عن السبب، و هو الذي يشدّنا لإكمال القراءة، فضلا عن تعدد الأصوات التي جاءت على ألسنة أبطال الرواية، كلٌ يروي الحدث من وجهة نظره، مستعينا بالاسترجاع حيناً، والتداعي حيناً آخر.

ولأن كل رواية لها بناؤها الخاص، ونسيجها اللغوي ووظيفتها المميزة عن غيرها من الفنون القصصية الأخرى؛ فهي تخضع لأسس وعناصر تتوحد في كل فن قصصي وتختلف في آلية الاستخدام، وتعد هذه شبكة من العلاقات المكونة للنص السردي، ويطلق على هذه العناصر”البناء الفني”(3)، وهي العناصر التي ترقى بالبناء والغرض والشكل، وتتشكل من الحدث والشخصية والزمان والمكان واللغة والسرد.

العنوان جمالية التشكيل وبلاغة الدلالة:

إن كل جزء من الرواية يحمل دلالة أرادها الكاتب:ف”البنية دالة، والشكل يقول”(4)، وكل ” خطاب أدبي يعتبر شكلاُ من أشكال التعبير”(5)، ويعبر عن هدف ما، وقد تطرقت هنا لدلالة العنوان لأن العنوان جزء لا يتجزأ من الرواية، فالعنوان والنص كلاهما مواز للآخر، وقد لقي العنوان  اهتمام كثير من الدارسين باعتباره أحد أجزاء النص، ومؤشراً دالاً على مضمون النص، فالعنوان المتشكل على غلاف الرواية ينعكس تماماً داخل الرواية، ويعبر تعبيراً مقصوداً عن نهايتها، فرواية (الإعصار والمئذنة)تبدأ بالجهاد الإسلامي ضد الشيوعية، وتنتهي بالإعصار الذي يدمر كل شيء، ثم ينتهي الإعصار ويذهب ضحيته المناضلون الشرفاء، وتبقى المئذنة شاهدةً على الحدث لا تهزها رياح  الظلم والعدوان،كما أن هذه النتيجة لا تعني” نهاية الملاحقة الأبدية بين الشعاع والدخان”(6)، وبهذا فقد حقق عنوان الرواية انسجاماً مع المسار العام للسرد.

أما رواية( السيف والكلمة) فلم يأت تشكيل العنوان فيها اعتباطاً، إذ حاول أن يثبت الكاتب أنه”لن يكون بمقدور الكلمة أن تواصل طريقها وسيف المغول مصلت عليها”(7)، كما بين الطريق التي يجب سلوكها هنا وهي أن”علينا أن نحميها من القتل قبل أن نفكر في ممارسة طموحاتنا”(8)،فالكلمة نفسها ترفض أن تتشكل في الظلام.

أما رواية ( مذكرات جندي في جيش الرسول صلى الله عليه وسلم)، فهدفت إلى إحياء الماضي وتمجيده في قالب روائي خدمة لهدف إسلامي(9).

وقد تطابق العنوان في رواية (السيف والكلمة) و(الإعصار والمئذنة ) من حيث البنية، حيث تكوّن العنوانان من اسمين معرفين وحرف العطف الواو، وكلنا يعلم أن حرف العطف الواو يفيد الجمع والمشاركة، وقد نتساءل عن السبب في اختيار الروائي لهذا الرابط ولم يستخدم غيره من حروف العطف، ولعل هذا الاختيار في الجمع بين المتباينين يولّد الانسجام،”فالعالم كله يتكون من عناصر متعارضة”(10) وهنا نجد أن اختيار حرف الواو بين الاسمين المعرفين جاء للجمع والمشاركة في الحدث، والتباين والتضاد أيضاً؛ لأن المبدع عندما يربط بين أشياء متشابهة لا يأتي بجديد، فالأشياء المتشابهة واضحة للجميع، لكن الشعرية تنشأ من استنتاج علاقات متشابهة بين أشياء قد تبدو شديدة التناقض(11) ،وتقديم أحدهما على الآخر قد جاء للأهمية حيث السيادة للقوي ، في زمن اختلت فيه الموازين فتقدّم السيف حين تراجعت الكلمات، وتقدّم الإعصار المدمر على المئذنة التي بقيت صامدة رغم قوة الإعصار؛ وذلك لأن المئذنة لم تقو على المقاومة بالرغم من عدم استسلامها ومحاولاتها التي باءت بالفشل ، في حين يرى رومان ياكبسون أن في تعاقب كلمتين معطوفتين، أن التشكيل الأفضل الممكن للصدارة في الاسم الأكثر قصرا(12).

البنية الدلالية في رواياته:

جاءت روايات عماد الدين خليل محاولة لتوظيف الواقع التاريخي في النصوص السردية، وقد طرحت قضايا هامة في التاريخ العربي و الإسلامي، إذ ناقشت رواية (مذكرات جندي في جيش الرسول صلى الله عليه وسلم) معارك عصر الرسالة في سياق روائي يتحدث عبره البطل وهو سهيل الأنصاري -جندي في جيش رسول الله ( صلى الله عليه وسلم )- عن الأحداث التي شهدها أو سمع بها أبان بدايات الدعوة الإسلامية، مثل معركة بدر وأحد وغزوة الخندق وفتح مكة ومعركة مؤتة وغيرها من الأحداث الهامة التي شهدها في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، كما أشاد بالجهد العسكري الذي قاد في النهاية إلى نشر الإسلام وإقامة دولة إسلامية في بلاد شاسعة، والحقيقة أن البنية الدلالية للرواية تتلخص في أن القيادة الإسلامية القوية هي الوحيدة القادرة على أن تقود الشعوب إلى بر الأمان.

وقد هدفت روايته(السيف والكلمة) إلى إظهار حالة الرعب والجوع والألم والمرض والدمار والقتل والتشرد وإبادة العلم والعلماء التي عانت منها بغداد بالتحديد أبان الغزو المغولي على العراق، حيث وظفت الرواية واقعة الغزو المغولي لبغداد من خلال تنامي الحدث عبر أربعة أصوات هي(الوليد وحنان وعبد العزيز وسليمان) وهي الشخصيات الرئيسة في الرواية.

أما رواية (الإعصار والمئذنة ) فقد تحدثت عن ثورة الموصل التي قام بها الشوّاف في الموصل  ضد المد الشيوعي وأنصار السلام أبان حكم عبد الكريم قاسم للعراق(13)، والرواية تسجّل جانباً من الأحداث العسكرية التي حدثت أبان الثورة، معتمدة على الوقائع التاريخية، يقول محمد رشدي:”يمكن أن نستشف من رواية الإعصار والمئذنة معنى عميقاً ذا شقين، الشق الأول: انكشاف لا جدوى معاكسة التقاطع مع القناعات الإيمانية المستقرة في ضمير هذه الأمة وضرورة العودة من رحلة الاغتراب والجحود والذوبان فيما رضي به الآخر لنفسه من رؤى أو فرض عليه،وثانيها حتمية تولي المتقين المتمرسين المستكملين لشرائط التمكين زمام المواجهة بين حراس المآذن والقافزين على متن الأعاصير”(14).

  وقد جاءت الرواية على شكل فصول، وكل فصل من هذه الفصول يحمل مشهدا من مشاهد الرواية، وقد ساعد تقسيم الرواية بهذا الشكل إلى تنقُل الراوي العليم _الذي جاءت أغلب الأحداث على لسانه_  للحديث عن الشخصيات بضمير الغائب.

وكأني بالروائي يريد أن يقول لنا :” إن التاريخ يعيد نفسه”، فما حدث منذ قرون يعيد نفسه، يقول الراوي متحدثاً عن الخليفة “في إحدى رسائله لهولاكو هدد بأن وراءه ملايين المسلمين، ولن يكون بمقدور الطاغية تحقيق هدفه، فإن دونه المستحيل …كان الخليفة محقاً في هذا، على الأقل على المستوى النظري، لكنه لم يفعل أي شيء لتحويل مقولته إلى قوة ضغط حقيقية يقلم بها أظافر هولاكو ويقطع يده إذا اقتضى الأمر”(15)، وفي هذا نقد لاذع لحقيقة تاريخية تتكرر على مرِّ العصور، وهي عدم ربط القول بالفعل.

السرد والسارد :

قدم عماد الدين رواياته بعدة طرق ، ومن أهمها أسلوب المذكرات بضمير المتكلم، وضمير الهو وخطاب الراوي العليم بالرؤية الخارجية ، وأسلوب السرد الوصفي والحوار ، وضمير الأنا المتكلم المعتمد على تعدد الأصوات .

فالسارد في رواية (مذكرات..) هو المحرك الرئيس للأحداث،وتقع عليه مسؤولية نقلها، إن السرد هنا يستعمل في الغالب ضمير المتكلم وضمير الجماعة ، مؤسساً بذلك لسيرة جماعية، من خلال السرد الاستعادي المعتمد على الذاكرة. فاستعادة تاريخ حياة يخضع في الغالب لشروط زمن الاستعادة، ووعي المستعيد ووجهة نظره، وقد استثمر أسلوب السرد بضمير المتكلم، وطريقة السرد المتنامي في نزوع خفي من المؤلف لاستقصاء جميع الأحداث التي مرّت بالرسول صلى الله عليه وسلم منذ دخوله المدينة المنورة حتى وفاته صلى الله عليه وسلم،

 ونهاية هذه الرواية هي التي تحدد أفق انتظار التلقي حيث أن النهاية معلومة قبيل انتهاء حياة البطل، وهي التي توجه هدف سير القراء إلى هدف محدد أثناء قراءة المذكرات ، وبما أن البطل جندي في جيش الرسول صلى الله عليه وسلم فستنتهي مغامراته وبطولاته بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ويساهم الخيال في إبعاد الرواية عن التاريخية والجمود قليلاً، كما تتخللها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، والأقوال المشهورة، وقد انصب جل اهتمام الراوي على القضايا العامة والأحداث التاريخية التي رافقت بداية الدعوة الإسلامية إلى وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لذا لم تتطرق الرواية إلى الحياة الخاصة للصحابي سهيل الأنصاري.

وفي هذه المذكرات الروائية تظهر الذات الفردية بوصفها المرجعية الأساسية لمادة النص، فكل العناصر الفنية، والمكونات السردية تتصل بتلك الذات، ويظهر  هنا  فعل التخيل، فتقع مزاوجة إبداعية بين الواقعي والتخيلى، وتؤدي الصياغات الأسلوبية وتقنيات السرد الروائي دوراً أساسياً في إضفاء طابع فني على العلاقة المذكورة.

ويتخذ الروائي من أسلوب السرد وتقنياته طريقاً إلى توضيح مراده ،متردداً بين الاسترجاع ومخاطبة النفس، كما يقوم الحوار بدور رائع في تقديم الشخصيات وإبراز المفارقة، فضلا عن اهتمامه بالتمحيص والتدقيق في رسم الشخصية التاريخية، كما كان للحوار دور كبير في التعبير عن رؤية الكاتب من خلال أصوات المتحاورين.

وإذا كانت رواية (مذكرات جندي…) تتميز بالصوت الواحد وهو صوت السارد، فإن رواية (السيف والكلمة )تتميز بتعدد الأصوات، بينما يأتي السرد في رواية (الإعصار والمئذنة)بأصوات الأبطال أحياناً وتدخل الراوي العليم بالحديث نيابة عنهم .

وعلى الرغم من أن عماد الدين في رواية ( السيف والكلمة) قد اختار الأبطال لرواية الأحداث،  حيث تجاوز البناء التقليدي للسرد، ولذا فإن أول ما حققته هذه الرواية في بناء السرد هو أن هذا السرد لم يعد مطابقاً للقصة، وأن المبنى الحكائي لم يعد يعتمد نفس ترتيب الأحداث في المتن . إن السرد هنا لم يعد أفقياً تماماً ، بل صار الحاضر يلتحم بالماضي سواء عن طريق السرد التقليدي وتقنياته أم عن طريق المونولوج والتداعي، وقد جاءت وجهات النظر عن طريق شخصيات الرواية وبأصواتها.

والواقع أن عماد الدين تسلسل في بناء الرواية ووجهة النظر، حيث جاءت روايته الأولى (الإعصار والمئذنة)  بصوت الراوي كلي العلم، ومشاركة الشخصيات بأصواتها عن طريق الحوار، لكن الراوي العليم كان سيد الموقف، ذلك أنه كان قادراً على الولوج في أعماق الشخصيات، وتفسير تصرفاتهم” نهض عاصم من مكانه، واقترب من المدفأة،لكي يتزود بشيء من الدفء..” (16)و”حدّق في الأفق الشرقي بنشوة عارمة،وهو يقول في نفسه ها هي ذي دورة جديدة من التقابل الأبدي”(17).

  أما في روايته( السيف والكلمة) حيث اعتمدت الرؤية على الشخصيات نفسها، لذا فهي تروي الأحداث من منظورها، “فدكتاتورية الراوي الذي يشهد الأحداث من فوق قد انتهت، وأصبحت وجهة نظر الشخصيات وأصواتها ماثلة في القص والحوار”(18) .

 

الشخصيات ودلالاتها:

الشخصية الروائية هي بنية فكرية ووجدانية وعاطفية، تمتلئ بالحياة
وتتحرك داخل الفضاء الروائي بناء على الحركة الكلية التي تسيطر
على النص السردي.

ويميل بعض النقاد”إلى اعتبار التصوير الناجح للشخصيات من أهم علامات نجاح العمل الروائي”(19)، ويأتي اهتمام  عماد الدين بشخصياته، فتأتي على درجة من الذكاء، تعكس عبقرية الروائي وقدرته على رسم الشخصية بالقدر الذي يخدم الرواية.

وقد جاء تقديم الشخصيات  في رواياته معتمداً على الراوي العليم في رواية( الإعصار والمئذنة)، بضمير الغائب ” أنفها وفمها مرسومان بمهارة فائقة، ووجهها ممتلئ بعض الشيء ..” (20)، أما في رواية (السيف والكلمة ) فإنه يقدم الشخصيات بأصواتها، يقول عبد العزيز:”وأغذ السير مباعدا بين خطواتي، ليس من أجل الوصول إلى قاعة الدرس هذه المرة، ولكنه الهروب من الهاجس الذي طالما عذبني، يجلس إلى جواري بين الحين والحين، شاب مثلي في منتصف العشرينات من عمره،يدعى الوليد… لا أدري كيف تأسرني حيويته الفائقة، مثلي تماماً، يبكر في الحضور، ولا يدع درسا واحداً يفوته مهما كانت الظروف”(21).

إن الشخصيات في روايات عماد الدين تحمل قضايا عظيمة، لذا لم يعن الروائي كثيراً برسم الشخصيات في جانبها الشكلي، بقدر ما كان اهتمامه منصباًً على الجانب الفكري، يقول على لسان الراوي في (الإعصار والمئذنة) متحدثا عن شخصية عاصم الدباغ:”أميل إلى الطول، ذو بشرة بيضاء مشربة بقليل من السمرة..وكان الرجل يعنى بهندامه، فيجاوز حد المعقول من التأنق، الذي يستهويه، كان يؤثر – في بعض الأحيان –أن يطوي منديلاً ملوناً، فيضعه في جيب سترته العلوي، لكي يتناظر مع رباطه الأنيق، أما باقة القميص المنشاة البيضاء، فما انحرفت زواياها يوماً عن أماكنها، ولا عرفت بقعة من عرق، أو ذرة من غبار…. “(22) حيث يتبين لنا أن وصف الشخصيات لم يأت عابراً، بل يحمل دلالة عميقة تضاف إلى دلالات الرواية،أما رواية (السيف..)حيث ساعد تعدد الأصوات فيها والحديث بلسان الشخصيات نفسها إلى تجنب الحديث عن الصفات الجسدية، والاهتمام بالجانب الفكري بشكلٍ أكبر.وإمعانا من الكاتب في التركيز على الجانب الفكري في رواية (مذكرات جندي…)؛ فإنه لم يقدم لها أي صفات جسدية.

إن اهتمام الكاتب بالفكر والتاريخ جعل اهتمامه منصباً على الجانب التاريخي الفكري للشخصية، فشخصيات رواياته على قدر كبير من الذكاء، فعاصم الدباغ في ( الإعصار والمئذنة) ” لم يكن يعوزه الذكاء، ولا سرعة البديهة،ولا الخبرة الاجتماعية”(23)، أما سليمان فكان” يستطيع في أشد اللحظات قسوة واكتئاباً، أن يشيع الابتسام، وأن يرسم بالسخرية الذكية، ما تعجز الكلمات الجادة عن أن تقوله”(24) إذ إن كاتبا كبيرا يحمل هم أمة لا يمكن بأية حال أن يأتي بشخصية لا تحمل قضية، بيد أنه لم يهمل الجانب الفني، ولكن هذا الاهتمام بالجانب الفكري كما قلنا سابقا جعل هناك مقاربة كبيرة بين شخصيات الروايات وأبطالها.

والحقيقة إذا عدنا للشخصيات الروائية في رواياته نجد أن رابطا ما  يربط بين تلك الشخصيات، فشخصية عبد العزيز في( رواية السيف و الكلمة) هي نفسها شخصية عاصم الدباغ في رواية (الإعصار والمئذنة)فكلاهما تخاذل في أكثر الأوقات إلحاحاً، وكلاهما غلّب المصلحة الشخصية على قضية الوطن، وكلاهما عاش قصة حب بنهاية مؤلمة، فجاء تدليل الروائي أن الحب والانشغال بالقضايا الشخصية لحظة نداء الوطن لن يجدي شيئاً، يأتي القول على لسان سلمى في رواية (الإعصار..)”لو أن عاصماً يتجاوز_ قليلاً _ إحساسه الذاتي، ينفتح قليلاً على معاناة الأهل والناس…آه لو أن عاصماً كان واحداً من هؤلاء الذين يقفون اليوم على التخوم،يحملون خناجرهم ورشاشاتهم مستجيبين لنداء اللحظة التاريخية، لتحدي القادمين من بغداد”(25) ، ونجد نفس الشخصية في رواية (السيف..) . يقول الوليد:”قَبلَ عبد العزيز أن ينفصل عن الحدث شيئاً فشيئاً أن يعاينه عن بُعد كأنه لا يعنيه…كانت النار تدمر الأهل والولد والأخوة والأصدقاء،وكان الخوف يلاحقهم في اليقظة والمنام وعبد العزيز بارد كالجليد، ينظر من بعيد دون أن يمسه الخوف أو تلفحه النار”(26)  كما أن شخصية حنان في (السيف..)هي نفسها سلمى في(الإعصار..)وكلاهما أيضاً تحمل صورة الفتاة الملتزمة المطيعة لذويها، الذكية، التي يغلب عليها التفكير البناء وتغليب المصلحة العامة على المصالح الشخصية،يأتي صوت الراوي العليم ليتحدث عن سلمى:”كانت تجد نفسها محاصرة بما هو ألعن من الأرق..إحساس بالتمزق بين محبتها لخطيبها، والذهاب معه بعيداً إلى أحضان الأمن والسكينة، وبين إشفاقها على المدينة”(27) ويأتي صوت عاصم ليقول:”ما لها وما يجري في البلد؟ والريح آتية على أية حال، وخير لها أن تأوي إلى مرافئ الحب والحنان والسكينة، من أن تجتاز البحر المرعب”(28)  وكذلك الشيخ الكبير سليمان وما تنطوي عليه شخصيته من حكمة وذكاء وتفاني من أجل الوطن، هو نفسه (محمود في رواية (الإعصار..) الذي حرص على خدمة بلده حتى الموت، فكانت نهايتهما متشابهة الموت لكليهما في نهاية الرواية.

الزمان والمكان ودلالتهما

تحمل روايات عماد الدين تقنيات فنية متماسكة فيما يتعلق بالسرد والفضاء والوصف والحوار، ويبدو المكان مهماً في رواياته؛ لأنه يحوي جميع عناصر الرواية من شخصيات وأحداث وزمان، حيث تتخذ الشخصيات من المكان مسرحاً للأحداث، “ووجود الشخصيات في مكان ما يفرض أحداثاً معينة”(29)،كما يمكننا أن نلمس أثر المكان في الزمان والشخصيات، حيث أنه يسبغ عليها طابعة الخاص من عادات وتقاليد ولباس وغيره.

إن الزمان والمكان يندمجان في روايات عماد الدين خليل من حيث ارتباطهما بالتاريخ، ووضوح المكان في الروايات الثلاث واتساعه يؤكد تنامي الأحداث، فالمكان هو بغداد وشوارعها وأزقتها ومسجدها ومدرسة المستنصرية و نهر دجلة والرصافة والكرخ، و في رواية(السيف والكلمة)، والمكان هو الموصل وشوارعها وأزقتها ومساجدها وبيوتها في رواية(الإعصار والمئذنة)” والموصل بالنسبة لعماد الدين خليل الهوى والغرام والعشق والهيام(30)؛ لذا رسم المكان فيها بفنية بارعة، بينما يمتد المكان ويتسع في رواية(مذكرات..) من المدينة المنورة ومداخلها وشوارعها  إلى مكة المكرمة وجبالها وأوديتها إلى تبوك ومعان وغور الأردن، حيث يشير هذا الاتساع في المكان إلى اتساع الزمن، وإذ يتسع المكان في رواية (مذكرات..) فإنه ينحصر في الموصل وبغداد في روايتي (الإعصار..)و (السيف..) حيث ينحصر زمن الرواية كله في أيام معدودة تتمثل في ثلاثة أو أربعة أيام في رواية (الإعصار ..) وهو يوم الثورة وأيام التحضير لها ثم القضاء عليه في لحظات عن طريق الطيران القادم من بغداد ، ولا يتجاوز زمن رواية ( السيف والكلمة ) بضعة أيام منذ انطلاقة بطلها الوليد هربا من الروم إلى نهاية الرواية عندما أقبل على مشارف فلسطين مع فرسه الشهباء،حيث انتهت الرواية من حيث بدأت، بيد أن التلاعب بتقنيات السرد هو ما أغنى الرواية، حيث جاءت أغلب أحداث الرواية عن طريق الاسترجاع والتداعي والمونولوج الداخلي.

ويأتي تركيز الروائي على المكان المفتوح بشكل أكبر؛ حيث أنه يعالج قضايا تاريخية كبيرة  لها أثر فاصل في حياة الشعوب العربية والإسلامية، لذا لم يتطرق إلى المكان المغلق والبيوت إلا ما ندر، ويمكننا القول إن المكان  من أكثر عناصر البناء وضوحاً في رواياته الثلاث.

الحدث:

الأحداث هي عبارة عن مجموعة الأفعال والوقائع مرتبة ترتيباً سببياً(31)،وقد وضع توماشفسكي مبدأين لنظام الزمن المتعلق بالأحداث، المبدأ الأول هو النظام المنطقي الزمني ، يتحكم بها مبدأ السببية كالبناء المتتابع(32)، وقد جاءت رواية (مذكرات جندي..) ضمن هذا البناء، حيث انتظمت فيها الأحداث وفق التتابع الزمني ومبدأ السببية، أما المبدأ الثاني الذي لا يحفل بالزمن بل بعلاقات التجاور حيث تتداخل الأحداث دون أن تراعي مبدأ السببية وهو ما أطلق عليه بالنظام المكاني(33)، ويمكننا إن ننسب رواية (الإعصار والمئذنة) إلى أكثر من نوع من الأبنية مثل البناء المتتابع والبناء الدائري، أما رواية (السيف والكلمة) فقد اتبعت نظام السرد الدائري حيث انتهت الرواية من حيث بدأت، وما بين البداية والنهاية جاء عن طريق التداعي والاسترجاع .

” إن الرؤى تنهض بمهمة ترتيب النص الروائي إذ إن ترتيب النص يمد الرواية بقوة تركيبية ودلالية، وخاصة فيما يخص الحدث والشخصية”(34) فترتيب الحدث يشكل إحدى المعضلات الأساسية التي تواجه الروائي(35) وأي حدث يخضع لنظام ترتيب معين، فرواية (الإعصار والمئذنة) تقدم عن طريق الرؤية الخارجية في أغلبها بصوت الراوي العليم باستثناء تدخل أصوات الشخصيات من خلال الحوار، إن هذه الرؤية”لا تقتصر على ملامح شخصيات الرواية،إنما تمهد لأفكارها، وتكشف وعيها ومواقفها البطولية”(36) وملامحها الفكرية،كما أنها قامت بترتيب أحداثها،وقدمت الزمان والمكان، “وكأن الرؤية الخارجية المؤلف نفسه”(37).

فرواية (مذكرات..) أحداث منتقاة من حياة البطل سهيل بن حذيفة الأنصاري ، سهيل الذي روى الغزوات التي شهدها مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقصة سير الدعوة الإسلامية في حياة الرسول صلوات الله عليه، ومن خلال هذه المشاهد يتنامى الحدث في الرواية ويتقدم، ومما يدعم ذلك التركيز على ضمير المتكلم –على الأغلب- وهذا النوع من الحدث يمكن يطلق عيه “البناء المتنامي”(38)،الذي ينمو بتسلسل الأحداث.

كما دعّم  الروائي أبنية رواياته  بالبناء الحواري ل”خطورة الدور الذي يحظى به الخطاب الحواري في النص بنائياً ودلالياً”(39)، فضلاً عن دوره في إثراء الأحداث وتنويعها  وتحليل المواقف والكشف عن نوازع الشخصيات(40)، و”تصعيد المواقف درامياً بما يخدم الغرض الذي يهدف إليه المؤلف”(41)،  فقد قامت كثير من المشاهد في روايتي (السيف والكلمة) و( الإعصار والمئذنة) على الحوار، فالحوار ركن أساسي في رواياته، فمن خلاله تتكشف ثقافة الشخصيات الروائية، وتطرح أفكارهم، كما يكسب الرواية قوة الإقناع، ويبعد الرتابة والملل عن القارئ ويشوقه لإتمام الرواية، كما أنه يطور الأحداث ويعمقها.

وتأتي الرواية بضمائر متغايرة يغيب فيها الراوي تماما، وذلك في محاولة لتنفيذ بناء أكثر حداثة في العمل الروائي، وتؤكد يمنى العيد على أهمية هذا البناء في الرواية العربية حيث تقول:”إن القول السردي يكتسب فنية بديمقراطيته، أي بانفتاح موقع الراوي على أصوات الشخصيات، بما فيها صوت السامع الضمني، فيترك لهم حرية التعبير الخاص بهم، ويقدم لنا منطوقاتهم المختلفة والمتفاوتة والمتناقضة”(42) كما يكشف هذا البناء لنا عن طابع سياسي عميق قوامه حرية النطق والتعبير، فضلاً عن أنه يجعل القارئ مهتما  بتحديد موقف خطاب المؤلف.

اللغة

تعد اللغة هاجساً لدى عماد الدين خليل، فعن طريقها يتم التواصل بينه وبين القارئ، ورغم امتلاكه لناصية اللغة إلا أنه يتوق للمزيد، يقول:”أتوق أحياناً وأنا أحترق بنار التجربة، أن أجد اللغة التي تحمل صوتي إلى الآخرين،أن أعثر على صيغة ملائمة للخطاب …لإخراج النار التي تئز في جملتي العصبية لكي أشعل بها وجدان الآخرين”(43).

و لشدة  اهتمامه باللغة والمحافظة عليها يعرض الحوار باللغة الفصحى، ذلك أن الابتعاد عن العامية واللهجات الدارجة يعلي من شأن الأدب، ويرفع من قيمته، وتنزاح اللغة لديه في السرد الروائي لتصل إلى اللغة الشعرية، ذلك أنه يشحنها بالتجسيد والتشبيهات والصور الفنية الساحرة، فالتشبه يعطي الأدب بعداً شعرياً” أيام قد تمتد شهوراً، تشتعل فيها نار الشوق ويتألق جمر الوجدان الخابي”(44) و” الأمن الذي تفككه الصحراء فيتسرب كحبات الرمال”(45) وتخرج اللغة لديه من التوصيل المباشر وتنزاح؛ ذلك لأن الشعرية لا تنبع من التعبير بالأسلوب العادي المألوف،  يقول الراوي في (الإعصار والمئذنة):”كان الوقت مساء، قبل دقائق فحسب، هبطت تلك اللحظات، التي لا تعرف في مدينة الموصل حلا وسطاً، فهي إمّا أن تقطر كآبة، وإمّا أن ترقّ وترق حتى يخيل للمرء أنه يتلقى نفحة من نسيم اللجنة”(46)، ويقول بصوت الوليد في (السيف والكلمة) ” تغرز الشهباء حافرها الأيمن في الأرض، فيتطاير نثار بلون الذهب من تراب الصحراء… لحظات ثم يستقر على الأرض.. ويكون الحافر الآخر قد ارتفع  وشلال الرمل يتصاعد برشاقة ويمطر بهدوء..معجوناً بشعاع الشمس..ملتمعاً .مغسولاً..خطوة..خطوة”(47) فهذه الصورة وغيرها تجعل القارئ يتابع هذا التصوير الدقيق والتشخيص الحي للأشياء  والتلوين والحركة تجعل القارئ يتمثل هذه الصور والأجواء العامة في ذهنه .

إن اللغة الشعرية كما يراها كوهن”انحراف عن قواعد الكلام(48)، كم أنها اللا تجانس بين المسند والمسند إليه (49)، والصفة والموصوف، وهذا الانحراف هو ما يزيد لغته جمالاً،ف” شلال الرمل يتصاعد”، وهو” معجون بشعاع الشمس”،وهذا ما يمكن أن يطلق عليه الوظيفة الجمالية للغة(50)،ومع ذلك لا ينسى الروائي الوظيفة الأساسية لديه وهي الوظيفة الفكرية، بل يزاوج بين الوظيفتين،متجاوزاً “الزخرفة المجانية للغة”(51)، مستخدماً الإيحاء والتلميح والصور السردية المتحركة، كل ذلك يصور الحدث تصويراً بارعاً ويخلق من القارئ مشاركاً فيه يتألم ويحزن ويفرح مع الشخصيات.

خاتمة :

ناقشت هذه الدراسة  قضية البنية والدلالة في روايات عماد الدين خليل،حيث تناولت رواية (الإعصار والمئذنة )ورواية (السيف والقلم) ورواية (مذكرات جندي في جيش الرسول صلى الله عليه وسلم)، كما تحدثت عن  البنية الدلالية في رواياته، وبحثت القول في العنوان وجمالية التشكيل، وتطرقت لعناصر البناء مثل السارد والسرد والحدث والزمان والمكان ، وأخيرا تناولت اللغة الشعرية في أعماله الروائية.

الهوامش:

1-  المؤمني، علي، الحداثة والتجريب في القصة القصيرة الأردنية،2009م ،دار اليازوري العلمية، عمان ، ص83 .

2-  خليل ،عماد الدين 2007م  ،السيف والكلمة ،ط1 ،المركز الثقافي العربي،الدار البيضاء – المغرب ، ص 5-6 .

3- إبراهيم، عبد الله ،1988م البناء الفني في رواية الحرب في العراق،ط1،  الشؤون الثقافية،العراق، ،ص19 .

4- العيد، يمنى،1990م،  تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي ، ط1،دار الفارابي، بيروت-لبنان، ص23 .

5-  المراكشي ، عمر،1991م ،تحليل نصوص سردية، مجلة دراسات سيميائية أدبية لسانية،خريف- شتاء-، المغرب،  عدد 5،  ص66 .

6- خليل ،عماد الدين،2009م، الإعصار والمئذنة،ط1، دار ابن كثير،1، ص 103 .

7- خليل،السيف والكلمة ، ص238 .

8- خليل،السيف والكلمة ، ص238 .

9- عبد الخالق، نادرأحمد،2009م ،الرواية الجديدة،، العلم والإيمان للنشر والتوزيع ،ص22.

10- ياكبسون، رومان، 1988م، قضايا الشعرية ،ترجمة محمد الولي، دار توبقال للنشر،ط1، ص9 .

11- ينظر: ناصر،بشير مطيع  وداود، غيثاء حبيب ،(2003م) اللغة الشعرية،، مجلة جامعة تشرين للبحوث والدراسات العلمية ( سلسلة الآداب والعلوم الإنسانية ) – سوريا , مج 25, ع 18. ص197.

12- ياكبسون ،قضايا الشعرية ، ص32 .

13-يحيى، حاج يحيى،2009م،  قضايا المسلمين في القصص الإسلامي ، الإدارة العامة للثقافة والنشر، ص42 .

14- عبيد، محمد رشدي،1419هـ، مقاربة نقدية لرواية الإعصار والمئذنة،  مجلة الأدب الإسلامي،العدد 21، ص 39.

15-  خليل،السيف والكلمة ، ص 143 .

16- خليل،الإعصار والمئذنة ، ص 11 .

17- خليل،الإعصار والمئذنة، 103 .

18-  العاني ، شجاع،1986م ،تطور البناء الروائي في الرواية العراقية ،مجلة الأقلام ، بغداد، العددان 11-12،ص 18

19-عبيد، محمد رشدي، مقاربة نقدية لرواية الإعصار والمئذنة، ص37 .

20- خليل،الإعصار والمئذنة، ص10 .

21- خليل،السيف والكلمة، ص 22 .

22- خليل، الإعصار والمئذنة، ص 9 .

23- خليل،الإعصار والمئذنة، ص9 .

24- خليل،الإعصار والمئذنة، ص9 .

25- خليل،الإعصار والمئذنة، ص19-20 .

26- خليل،السيف والكلمة، ص 36

27- خليل،الإعصار والمئذنة، ص19.

28- خليل،الإعصار والمئذنة، ص28 .

29- السرور، سهام علي،2010م ،البناء الفني في روايات سهيل إدريس، رسالة ماجستير، جامعة آل البيت، ص 24.

30- قُفة ، حيدر،1417هـ ،نقد تطبيقي ( رواية الإعصار والمئذنة)مجلة الأدب الإسلامي، السنة الثالثة ،العدد الحادي عشر،  ص85 .

31- المرزوقي، سمير و شاكر، جميل،1986م ، مدخل إلى نظرية القصة(تحليلاً وتطبيقاً)،دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ص124 .

32-  فضل، صلاح،1985م، نظرية البنائية في النقد الأدبي، ط3،دار الأفاق الجديدة، بيروت، ص418.

33- فضل،صلاح، نظرية البنائية في النقد الأدبي، ص418.

34-  إبراهيم، عبد الله،1990م،  المتخيل السردي (مقاربات نقدية في التناص والرؤى والدلالة)،ط1، المركز الثقافي العربي، ص 121.

35-  إبراهيم، المتخيل السردي (مقاربات نقدية في التناص والرؤى والدلالة)، ص 121.

36- إبراهيم، عبد الله، المتخيل السردي ،ص 126.

37-  المتخيل السردي ،ص 128.

38- مساعدة ، نوال،2000م، البناء الفني في روايات مؤنس الرزاز،ط1،دار الكرمل،عمان،ص106 .

39- سويدان، سامي،1998م ،الحوار في الرواية ، الفكر العربي، بيروت ،عدد91،ص219 .

40-القط، عبد القادر،1998، فن المسرحية،ط1، الشركة العالمية للنشر، القاهرة، ص27 .

41- أبو شنب، عادل ،1974م ،الرواية الحوارية، مجلة المعرفة ، عدد 146،نيسان، ص149.

42- العيد، يمنى،1986م، الراوي الموقع والشكل،ط1،مؤسسة الأبحاث العربية  ، ص11.

43- خليل، عماد الدين، تأملات في الكتابة والإبداع( حلقة من السيرة الذاتية)، مجلة الأدب الإسلامي ، عدد 69، ص14

44-  خليل،السيف والكلمة ، ص 42 .

45- خليل، السيف والكلمة ، ص 203 .

46-  خليل،الإعصار والمئذنة ، ص8 .

47- خليل، السيف والكلمة ، ص5 .

48- كوهن،جان،1986م، بنية اللغة الشعرية،ط1، ترجمة محمد الوالي ومحمد العمري، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ص 105 .

49- الشوابكة،محمد علي،2006م ، السرد المؤطر في رواية النهايات لعبد الرحمن منيف” البنية والدلالة، منشورات أمانة عمان الكبرى، ص 166 .

50- الشوابكة، السرد المؤطر ص 166 .

51-  الشوابكة، السرد المؤطر ، ص 166 .

المراجع:

  1. إبراهيم، عبد الله ،1988م البناء الفني في رواية الحرب في العراق،ط1،  الشؤون الثقافية،العراق.
  2. إبراهيم، عبد الله،1990م،  المتخيل السردي (مقاربات نقدية في التناص والرؤى والدلالة)،ط1، المركز الثقافي العربي.
  3. أبو شنب، عادل ،1974م ،الرواية الحوارية، مجلة المعرفة ، عدد 146،نيسان، ص149.
  4. خليل ،عماد الدين 2007م  ،السيف والكلمة ،ط1 ،المركز الثقافي العربي،الدار البيضاء – المغرب .
  5. خليل ،عماد الدين،2009م، الإعصار والمئذنة،ط1، دار ابن كثير.
  6. خليل، عماد الدين، تأملات في الكتابة والإبداع( حلقة من السيرة الذاتية)، مجلة الأدب الإسلامي ، عدد 69، ص14 .
  7. السرور، سهام علي،2010م ،البناء الفني في روايات سهيل إدريس، رسالة ماجستير، جامعة آل البيت.
  8. سويدان، سامي،1998م ،الحوار في الرواية ، الفكر العربي، بيروت ،عدد91،ص219 .
  9. الشوابكة،محمد علي،2006م ، السرد المؤطر في رواية النهايات لعبد الرحمن منيف” البنية والدلالة، منشورات أمانة عمان الكبرى.
  10. العاني ، شجاع،1986م ،تطور البناء الروائي في الرواية العراقية ،مجلة الأقلام ، بغداد، العددان 11-12،ص 18 .
  11. عبد الخالق، نادرأحمد،2009م ،الرواية الجديدة،، العلم والإيمان للنشر والتوزيع .
  12. عبيد، محمد رشدي،1419هـ، مقاربة نقدية لرواية الإعصار والمئذنة،  مجلة الأدب الإسلامي،العدد 21، ص 39.
  13. العيد، يمنى،1986م، الراوي الموقع والشكل،ط1،مؤسسة الأبحاث العربية.
  14. العيد، يمنى،1990م،  تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي ، ط1،دار الفارابي، بيروت-لبنان.
  15. فضل، صلاح،1985م، نظرية البنائية في النقد الأدبي، ط3،دار الأفاق الجديدة، بيروت.
  16. القط، عبد القادر،1998، فن المسرحية،ط1، الشركة العالمية للنشر، القاهرة.
  17. قُفة ، حيدر،1417هـ ،نقد تطبيقي ( رواية الإعصار والمئذنة)مجلة الأدب الإسلامي، السنة الثالثة ،العدد الحادي عشر،  ص85.
  18. كوهن،جان،1986م، بنية اللغة الشعرية،ط1، ترجمة محمد الوالي ومحمد العمري، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء.
  19. المؤمني، علي، الحداثة والتجريب في القصة القصيرة الأردنية،2009م ،دار اليازوري العلمية، عمان .
  20. المراكشي ، عمر،1991م ،تحليل نصوص سردية، مجلة دراسات سيميائية أدبية لسانية،خريف- شتاء-، المغرب،  عدد 5،  ص66 .
  21. المرزوقي، سمير و شاكر، جميل،1986م ، مدخل إلى نظرية القصة(تحليلاً وتطبيقاً)،دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد .
  22. مساعدة ، نوال،2000م، البناء الفني في روايات مؤنس الرزاز،ط1،دار الكرمل،عمان.
  23. ناصر،بشير مطيع  وداود، غيثاء حبيب ،(2003م) اللغة الشعرية،، مجلة جامعة تشرين للبحوث والدراسات العلمية ( سلسلة الآداب والعلوم الإنسانية ) – سوريا , مج 25, ع 18. ص197.
  24. ياكبسون، رومان، 1988م، قضايا الشعرية، ط1،ترجمة محمد الولي، دار توبقال للنشر.
  25. يحيى، حاج يحيى،2009م،  قضايا المسلمين في القصص الإسلامي ، الإدارة العامة للثقافة والنشر.


 


أضف تعليق