نظرية التلقي و الأدب الرقمي: حفر في نقاط الاتفاق / خديجة باللودمو

مقال نشر بالعدد الرابع من مجلة جيل الدراسات الأدبية والفكرية ص 123، من إعداد خديجة باللودمو - باحثة أكاديمية، جامعة قاصدي مرباح - ورقلة-الجزائر،  للاطلاع على كل العدد يرجى الضغط على غلاف المجلة: 

 

JiL Literary 3

      الملخّص:

          يتناول البحث بالدّراسة أهم مقولات نظرية التلقي في طبعتها الألمانية  تحديدا، و يحاول ربطها بما جاء به الأدب الرقمي و هو التمظهر الجديد للأدب في الفضاء السيبراني؛ إذ استفاد من المعطيات التكنولوجية المتمثّلة فيما توفّره الوسائط المتعدّدة من معطيات صوريّة و صوتية؛ و لأن هذين التجربتين تشكلتا تقريبا في ذات الظروف و استفادتا من مقولات الحداثة و ما بعدها و من مقولات النظرية البنيوية و ما بعدها. فاتفقتا في الإعلاء من دور القارئ –المتلقّي- و التركيز على دوره الإيجابي في عملية قراءة العمل الإبداعي؛ بل دعته التجربة الرقمية إلى المساهمة في كتابة النص الأدبي و أعطته صفة المشارك. هذه التجربة الجديدة استطاعت أن توضّح العديد من الأفكار التي جاءت بها نظرية التلقّي، و التي ظلّت غير واضحة و في حاجة إلى تجسيد و تمثيل. يبقى المتلقي عنصرا مهمّا جدا في العملية الابداعية و لم يحظ قبلا بأهمية و لم يُسمع صوته و  لهذا حقّ له أن يتربّع عرش الإبداع الحديث.

الكلماتالمفتاحييّة:

1-نظرية التلقي 2-الأدب الرقمي 3-أفق التوقعات 4-القارئ الضّمني 5-الأدب التفاعلي 6-النص المترابط 7-الوسائط المتعدّدة 8-النص المتفرع 9-الفراغات 10-السيبرنطيقا

 

تحاول هذه الورقة البحثية أن تقف عند أهم نقاط الاتفاق بين نظرية التلقي التي تُعتبر من أحدث النظريات النقدية  المعاصرة؛ و التي حاولت أن تعلي من دور القارئ و تسمع صوته في قراءة العمل الابداعي، معتبرة إياه شريكا ل يقل أهمية عن بقية عناصر المنظومة الإبداعية. و بين الأدب الرقمي الذي يمكن اعتباره ثمرة التزاوج بين التكنولوجيا و العمل الابداعي، فالأدب عندما استفاد من المعطيات التكنولوجية استطاع أن يقدّم أعمالا ابداعية تختلف تمام الاختلاف عن الأعمال الأدبية التي سبقتها و التي عوّدت الذّائقة الابداعيّة على نماذج محدّدة. و لنظرية التلقي مع الأدب الرقمي نقاط يلتقيان فيها سواء من حيث الأهمية التي قدّماها للمتلقّي كونه مشاركا في إنتاج العمل الابداعي أو من حيث الدّور الذي يقوم به هذا الأخير في قراءته للمادة الإبداعية. و هنا يمكن أن تستوقفنا جُملة من الأسئلة لعلّ أبرزها: ما الجديد الذي أضافته نظرية التلقي ضمن مقولات نظرية القراءة في عملية قراءة العمل الابداعي و إنتاجه؟ هل أخذ القارئ نصيبه من خلال هذه المقولات في قراءة المنتوج الإبداعي؟ و هل استطاع الأدب الرقمي أن يُخرج المتلقّي من دائرة القراءة السلبية للنص؟ و هل يمكن أن نقول أن المتلقي في أزهى عصوره مع نظرية التلقي و الأدب الرقمي؟

أفتتح هذه الدراسة بمحاولة ضبط تعريف لنظرية التلقي –و أقصد هنا نظرية التلقّي في طبعتها الألمانية- فقد عُرّفت ب “دليل الناقد الأدبي” بالقول: ” من الصعب الإحاطة بتفرعات هذه النظرية و تشعباتها، و ترجع الصعوبة إلى عدم ثبات نقاط التركيز و اتساع رقعة مراكز الاهتمامات التي تؤسس طروحات هذا التوجه النقدي. و لعل الجامع الذي يوحد بين المنتسبين إليها هو الاهتمام المطلق بالقارئ و التركيز على دوره الفعال كذات واعية لها نصيب الأسد من النص و إنتاجه و تداوله و تحديد معانيه. و بقدر ما يساعد “القارئ” على تحديد الإطار العام لهذا التوجه النقدي بقدر ما يكون هو أساس التشعب و الانتشار”(1)

و هذا الاهتمام بالقارئ يُعدّ مرحلة ضروريّة في رحلة الاهتمام بعناصر العملية الابداعية، فقد أخذ المبدع نصيبه في العملية القرائية و النقدية للعملية الابداعية و تمحورت حوله المناهج النقدية دارسة نفسيته فمجتمعه و ما يتعلق به و هو ما عُرف بالناهج السياقيّة التي اهتمت بالمبدع و ما يتعلق به ، إلا أن النصّ افتكّ منه هذه المكانة فظهرت المناهج النّسقية التي تمحورت حول النص الأدبي محاولة قراءته و تأويله، و دارت الدّائرة لتنصّب القارئ سيّد العملية الابداعيّة و تتهم به و كيف يقرأ النص ؛و تحديد دوره في عملية القراءة و التأويل. لهذا فنظرية التلقي أو نقد استجابة القارئ ركّزت على هذا العنصر الذي ظلّ مهمّشا على أهمية دوره في عملية إبداع النص الأدبي و تفكيك معانيه ؛ لهذا فمن المهم جدا تناول هذه النظرية بالدراسة خاصة في عصر المعلومات التي صار المتلقي مشاركا فيها في حينها. إذ يتلقى العمل الإبداعي أو المعلومة و يساهم في تحديد مسارها و يكون بذلك مشاركا إيجابيا فعالا؛ و هذا الذي دفعني إلى الربط بين هذه النظرية و مقولات الأدب الرقمي الذي يُعتبر المتلقي طرفا في إنجاز العملية الإبداعية و مشاركا إيجابيّا فيها.

          فالأدب الرقمي كما يعرّفه “عمر زرفاوي”: ” يمثل الأدب التفاعلي Interactive Literature جنسا ً أدبياً جديداً تخلّق في رحم التقنية، قوامه التفاعل و الترابط، يستثمر إمكانات التكنولوجيا الحديثة، و يشتغل على تقنية النص المترابط Hypertexte، و يوظّف مختلف أشكال الوسائط المتعدّدة Hypermédia يجمع بين الأدبية و الإلكترونية”(2)

          إنه نص مختلف تماما على ما تعوّدت الذّائقة العربية سواء من حيث الفضاء الذي يتشكّل فيه او من حيث عناصره البنائيّة؛ أو على مستوى الآليات التي يجب امتلاكها لقراءته و فكّ شفراته المختلفة، إنّه نصّ مغاير تماما يبدعه مؤلّف يمتلك مهمّتين أساسيتين هما: التأليف و التوليف بين العناصر البنائية غير اللسانية من صوت و صورة و حركة، و أمام نصّ تشكّله عناصر لسانيّة و غير لسانيّة و تُعامَل على أنها كلّ متكامل.  و أمام متلقِّ لم يعد يتبع مسارا مقترحا عليه سلفا، بل هو سيد العملية الابداعية، هو مؤلّف أيضا للعمل الإبداعي بما يقترحه عليه هذا العمل من اختيارات و مسارات. إذ يتعامل مع النص الرقمي بصورة لا خطية لا نمطيّة، يختار البدايات و يكتب النهايات و يشارك في عملية تأليف هذا العمل.

          إن الرّبط بين نظرية التلقي و مقولات الأدب الرقمي و عقد المقارنة بينها، هو بمثابة مقارنة العملية الإبداعية و عناصرها بصورتها التقليديّة الورقيّة و نظيرتها الرقميّة، هي محاولة للإجابة على أسئلة تتمركز على استفادة الدب من المعطيات التكنولوجية و القول بمدى اجتماع الأدبية مع التقنية في هذه الأعمال الرقمية.

 

أوجه الاتفاق:

          إذا انطلقنا من المُنطلق التّأسيسي لكلٍّ من نظريّة التلقي و الأدب التّفاعلي سنجد أنّهما يتقاطعان في نقاط عدّة أهمّها:

1- الموضوع الذي تأسّستا من أجله ألا و هو المتلقّي، إذ أنّ كلّ منهما تركّز على إعلاء دور القارئ و إعادة الاعتبار له، و هذه أوّل و أبرز مواضع التقائهما. فنظريّة التلقّي أعطت كامل السّلطة للقارئ كي يحدّد المعنى و يطارد دلالاته و يتتبّع مختلف الإمكانات التي يحتملها النص الإبداعي فيفجّرها، فمسألة موت المؤلّف كانت تمهيدا لإحياء القارئ و استدعائه للمشاركة في إنتاج المعنى؛ و لعل الألمان استطاعوا أن يبلوروا فكرتهم و يعرضوها مُكتملة جاهزة للأخذ بها، فالمتلقّي من حقّه أن يجرّب الإمساك بالمعنى و يتدخّل فيه.

لهذا فقد “فجاء نقد (التلقي أو الاستقبال) ليقلب المقولة تماما و يركز على سياقات النص المتعددة التي تفضي إلى انتاجه و استقباله أو تلقيه. من هنا كان استقبال النص يستتبع الاهتمام بالقارئ و بعملية القراءة و تحديد معنى النص و تأويله. و لئن كانت مثل هذه العناصر جزءا من العملية النقدية عموما، فإن أهمية القارئ أو هويته لم تكن إشكالية في السابق. فالأسئلة التي تعنى بمن هو القارئ؟ و كيف يستقبل النص و يتلقاه؟ لم تكن مطروحة. و قد يستغرب المرء النتائج التي يمكن الوصول إليها عندما يكون القارئ أو هويته هي محور العملية النقدية ” (3)

إذا هذا هو الطّرح الجديد الذي جاءت به نظريّة التلقّي، هو القارئ الذي أخذ له مكانا في القراءة المتأنّية التي كانت تستهدف عناصر أخرى غيره من المنظومة الإبداعيّة. و هذا الطّرح الألماني كان واضحا و صريحا بأهمّية دور القارئ في عمليّة القراءة و أهمّية مشاركته فيها، و قد سبقته بعض الاتّجاهات التي حاولت إعطاء القارئ فرصة للمشاركة في توليد المعنى مثل مقولات رولان بارت و باختين و غيرهما. إلا أن الطرح المباشر لهذه النّظرية جاء من لدن أصحاب نظرية التلقي –التي تشترك في بعض منطلقاتها مع نظرية نقد استجابة القارئ الأمريكية- إذ قالوا بضرورة إشراك المتلقّي في عمليّة توليد المعنى.

و لعل الأدب التفاعلي بدوره بنى مقولاته و آرائه على هذا الدّور المهمّ الذي يلعبه القارئ؛ فقد جُعل التّفاعل الذي يبادر به المتلقّي أساس طرحهم؛ و لولا هذا الدّور لما كان للعمل الإبداعي بُعد و لا اتّخذ له قيمة معيّنة، فالتّفاعل هو منبع المعنى و المشاركة الفعليّة للقارئ هي التي تذهب بالمعنى إلى أقصى احتمالاته. فالأدب التّفاعلي يستقي مقولاته من المشاركة الفعّالة للقارئ الذي بيده تحديد الدّلالات من خلال نقره لمختلف الأيقونات و تجوّله بينها، و المتلقّي هو الذي يوجّه المؤلّف و النّاقد للدّلالات الممكن تشكيلها من خلال مختلف القراءات التي ينحوها. و ” يجسّد هذا البعد التفاعلي بوضوح كون الشاعر و المتلقي معا يشتركان في إدراك خصائص القصيد و مميزاته الجمالية و التعبيرية (اشتراكهما على مستوى القدرة أو الكفاءة). إنهما يوجدان في مرتبة واحدة على هذا المستوى، و إذا حصل تفاوت فهو الذي يقع عادة بين المبدع (الإنجاز) و المتلقي (الكفاءة). وكلما انعدم هذا الاشتراك على هذا المستوى استحال التفاعل” (4)

          2-المبدع و المتلقّي في مستوى واحد و بهذا يمكن أن تتحقق عملية التّفاعل، فالمشاركة الفعليّة للقارئ هي التي تضع التّفاعل في أعلى مراتبه. و أظنّ أن نقطة الالتقاء هذه –المتمثلة في إعلاء دور القارئ- هي التي جمعت بين نظرية التلقي و الأدب  التفاعلي، و إن لم يصرّح “سعيد يقطين”  بذلك بل اكتفى بشرح أبرز مقولات النصّ المترابط و الأدب التفاعلي من خلال عرض المفاهيم و التصورات و شرحها؛ فإن البريكي و بصورة واضحة أكّدت على ذلك في مبحثها الثاني من فصلها الأخير في كتابها (مدخل إلى الأدب التفاعلي)، إذ ربطت الأدب التفاعلي بالنظرية النقدية بدءً بنظرية التلقي الألمانية. فتقول البريكي: ” تزامن ظهور مفهوم (النص المتفرع-Hypertext)، في عالم الإنترنت و الثورة المعلوماتية، مع ظهور الاتجاه نحو القارئ، في ميدان النظرية النقدية الحديثة، في ستينيات القرن المنصرم، ليكون القرن العشرون بذلك شاهدا على أهم الإنجازات في حقل العلوم التطبيقية، و وسائل الاتصال تحديدا، و كذلك في حقل العلوم الإنسانية، و تحديدا الأدب و نقده “(5)

          ذهبت البريكي إلى الرّبط بين نظرية التلقّي و أبرز مفهوم ظهر بالأدب التفاعلي و هو النص المتفرع –كما اختارته هي اقتداءً بحسام الخطيب- تاريخيّا. و بما أنّهما برزا في نفس المرحلة الزّمنية فهذا يعني أنهما نبعا من نفس الظّروف الاجتماعيّة و الدّوافع –لعلّ التجديد و رغبة تصحيح المفاهيم أهمها- و نهجا نفس الاتجاه. و كان أثرهما بالغا في المنظومة الفكريّة و النقديّة الأدبيّة؛ حتى أن البريكي وصفته بالجذري من زاوية النّظر إلى عناصر العمليّة الإبداعيّة.

فالبريكي تقرأ نظرية التلقّي، مُعلنة أنّها تقوم على تفعيل دور القارئ لإزالة سلبيته و ذلك بإشراكه في إنتاج المعنى، لتكون له فرصة كتابة النص و بالتّالي تنفتح دلالاته. و أطروحات الأدب التفاعلي ساعدت كثيرا في فهم مقولات إحدى أهم المابعديات؛ و هي ما بعد الحداثة التي جاءت بأفكار حديثة لم تعتد عليها الذّهنية و لهذا بقيت غامضة.و قد مُثّلت دورة حياة النصّ التفاعلي بالمخطط التالي:

المبدع                             المتلقي

 

                                         النص                          إعادة الإنتاج

 

                                      الوسيطالوسيط

 

 

 

                                                       الفضاء الشبكي

                      

(مخطط يوضح دورة حياة النص التفاعلي )(6)

      

 لهذا فمن المنصف القول: ” إن الكتابة التفاعلية عموما كما تراها ( سهام الشجيري ) “مستوحاة من الكتابة التلفيزيونية أي تخاطب المتصفّح، كأنك تتحدث لصديق و أنت تكتب بلغة الإعلاميين (للعين)، و من ميزاتها الإبتعاد عن الحشو بفقرات قصيرة و معبرة و من الممكن أن يصل المتصفح إلى الموقع عن طريق رابطة من موقع آخر، و بعض المعلومات على الويب ممكن أن تختصر أو تلخص في شكل رسومات أو بيانات تخلق أسئلة تفاعلية أو استفتاء، و بحوث، … فضلا عن الوسائط كلقطات فيديو أو مقتطفات من حديث أو تصريح و روابط ذات صلة بالموضوع متتبعا تقنية جديدة في إضافة أو حذف أجزاء مما يكتب بتوجيه إلى روابط لها صلة بالنص الأصلي “(7)

فالمتلقّي حاضر في كلا المقولتين، و مشاركته لها دورها الكبير في توجيه دلالات النص و تحديد معانيه. و فكرة الاتّصال هذه و التّواصل ليست غريبة عن الفرد بل هي متأصّلة فيه، و بفطرته ينحو إليها –حتّى الرضيع يحاول ذلك مع الآخرين- فلا عجب أن نعود لدور المتلقّي و نأخذ بشرح أهميّة هذا الاتّجاه. لهذا فضّل الإنسان منذ القديم التجمّع في مجموعات من بني جنسه؛ و هذا يعبّر عن حاجته البيولوجيّة للتّواصل.

    و في البدء و الختام فـــــ” الإنسان –كما قيل- حيوان اتصالي، و لا تقوم للمجتمع الإنساني قائمة دون نظام للاتصال، الذي اعتبره البعض شرطا من شروط بقاء الكائن البشري (66:51). و تاريخ البشرية، من عصور نقوش الأحجار إلى بث الأقمار، يمكن رصده متوازيا مع تطور وسائل الاتصال التي تربط بين الأفراد و الجماعات. و يشهد هذا التاريخ أن الاتصال كان دوما وراء كل وفاق و صراع “(8)

        و كما نادت نظرية التلقي بدور المتلقّي في إنشاء دلالات النص؛ فإن زواج الأدب بالتكنولوجيا جاء لتكريس هذه الفكرة. ” و لم تؤازر تكنولوجيا المعلومات المبدع فقط، بل وقفت –و بشدة- بجانب المتلقي أيضا؛ حيث وفرت له العديد من الوسائل التي تمكنه من التفاعل مع العمل الفني، و تنمية حاسة التذوق لديه، و تكثيف عملية شعوره بالمتعة. “(9)

ويمكن هنا أن نقرّ بخصوصيّة هذا النصّ فــــــ ” لقد تفجر النص في عدد لا نهائي من القراءات الممكنة و أصبحت مهمة إلحاق المعنى به مسؤولية القارئ لا الكاتب وحده، إن الكاتب –كما أورد مادان ساروب  (يموت بمجرد إنتاج نصه ليحيى قارئه) و يخلد نصه بديمومة قراءته و دخوله في تناص لا نهائي مع ما سبقه و ما يلحقه من نصوص (59:128)، في ظل هذا المفهوم لم يعد النص  هو مجرد ذلك الأثر المادي الملقى على سطور الأوراق بل ذلك الكل المتداخل أو المجال اللامتناهي الذي تندرج تحته جميع احتمالات قراءة النص و علاقات تناصه “(10)

فغاية تكنولوجيا المعلومات في الأساس هي الارتقاء بالمتلقي من مستهلك إلى مشارك فعّال، يستطيع في النّهاية النّفاذ إلى أعماق العمل الأدبي. و إذا تتبّعنا المحاولات التي سعت إلى استضافة المتلقي في العالم الإبداعي فاحتوائه منذ القديم، فسنجد عديد النماذج، لكن هذه المحاولات لم تتعدّ المحاولة و الطرح السّطحي للعمل. ” لقد حاول بعض المبدعين في الماضي مناوشة عقل المتلقي، و حثه على إمعان الذهن فيما يسمعه أو يشاهده. و لكن تظل هذه المبادرات على مستوى الحد الأدنى من التفاعل الذهني. تسعى فنون عصر المعلومات إلى مخاطبة عقل المتلقي بصورة سافرة، إن هذه الاستثارة العقلية هي نقطة البدء لرحلة طويلة من أجل تحويل المتلقي السلبي إلى متأمل عقلي ثم متفاعل إيجابي، فمبدع مشارك، عساه في  النهاية أن يستقل بنفسه كمبدع مكتمل “(11)

         و عندما نقرّ بجدّية الطّرح الألماني الذي تأطر تحت إطار نظريّة التلقي، سندرك البُعد الذي ذهب إليه حتى تفجّرت المعاني و تعدّدت؛ و بالتّالي أخذ النصّ صورا عديدة تمثّلت في إعطائه قيمة أكبر من كونه مجرّد عمل محدود منغلق على مجموعة دلالات، فالمؤلّف يضع إطارا معيّنا لعمله الإبداعي لكن القارئ يخرقه و يضيف ما أراد و يوسّع حيّز النص الضيّق. 

          فالقارئ هو الذي يحيي النص بعد موت مؤلفه، فالنصّ اليتيم يبحث عن أبوّة قد يجد ضالته في نظر أصحاب التلقي لدى القارئ. فالنص الذي وجد ما كان يبحث عنه لدى المتلقي سيتمظهر بمظهر متكامل و يتجلّى بالاستعانة بهذه القراءات المتعددة. ” و لعل أي قارئ لما يذكره منظّرو (الأدب التفاعلي) من تأكيد على البعد التفاعلي بين المتلقي و النص يستحضر بقوة ما قاله النقاد، أصحاب نظريات القراءة و التلقي، عن الفكرة ذاتها، في ستينيات القرن الماضي، إذ ألحّوا على ضرورة قيام تفاعل بشكل من الأشكال بين النصوص و متلقيها كي يكتسب النص وجوده و كينونته “(12)

          3-أمّا النقطة التّالية التي تتّفق فيها نظرية التلقّي و الأدب التفاعلي، فتتمثّل في أن كلّ واحدة منهما جاءت بجديد، و استطاعت أن تغيّر مسيرة فكريّة. فالتلقي صرّحت بما لمّحت به نظريات قبلها؛ فدور المتلقي لم يأخذ شرعيته الكاملة إلا معها، و بالتالي نجحت في فتح باب فكريّ جديد يضيف للجهود النقديّة جهدا معتبرا. و لعل الشّجاعة الألمانية التي تمكّنت من دفع رائديْها للقول بهذه المقولات الجديدة هي التي سمحت بهذا الطّرح الجديد.

فـــــ ” أما نظرية التلقي و نقد استجابة القارئ، التي ظهرت عند أعضاء مدرسة (كونستانس) الألمانية من مثل (ياوس) و (إيزر)، و أصبحت معروفة أيضا في الأوساط الأدبية و النقدية، فيمكن القول إنها اتجاه نقدي اهتم بالمتلقي، مُحدثًا بذلك تغييرا جذريا في زاوية النظر إلى عناصر المنظومة الإبداعية، إذ عمل على إعادة صياغتها بناء على نظرة جديدة، و تنظيم مختلف لدور كل عنصر من عناصرها في عملية الإبداع الأدبي”(13)

          هذا التّغيير الجذري استطاع أن يفسح المجال للمتلقّي الذي هُمّش لفترة زمنية طويلة، فالصّياغة الجديدة للمنظومة الإبداعيّة سمحت بتشكيل قراءات متعدّدة للعمل الإبداعي و فتح باب احتمالات أخرى يقترحها المتلقّي. و هذا الاقتراح آتى ثماره إذ تفجّرت معانٍ عدّة ما كان لها أن ترى النّور لولا الدّور الفعّال الذي جاء به المتلقّي؛ و مع الثّقة الكبيرة التي تمتّع بها هذا الأخير و التي لم تنقص من حرّيته فقد استطاع أن يطارد المعاني و يقف عند كل أوجهها، و هذا هو الفتح الذي جاءت به نظريات ما بعد البنيوية.

          لهذا فمن الممكن القول أنّه ” و قد جاء التفات نظرية التلقي إلى القارئ، أو المتلقي، نتيجة لعوامل عدة تسببت في انحراف بؤرة الاهتمام من المبدع إلى المتلقي، مرورا بالنص، ليس هذا موضع الدخول في تفاصيلها، و لكم من المهم الإشارة إلى أن نظريات القراءة و التلقي جاءت بمثابة ردة فعل على الإهمال الذي عانى منه المتلقي في فترات زمانية طويلة “(14)

و لا يقلّ دور الأدب التّفاعلي و الأثر الذي أحدثه في المسار الأدبي، فقد جاء بما لم يتقبّله جمع من الأدباء و النقّاد. لكن تبقى مشروعيّة طرحه واردة انطلاقا من دور التّكنولوجيا الكبير و مساهمتها في عالم الأدب و أطرافه المختلفة، و لو نظرنا إلى أثر هذا المعطى الجديد لأدركنا أهمية هذا الاقتراح و ضرورتها في عصر أقل ما يقال عنه أنّه عصر الاتّصالات.

          فقد ” كان ظهور (السيبرنطيقا) حاسما في تغيير النظر إلى العديد من القضايا، و على رأسها التواصل، و أدى ذلك إلى تفاعل العديد من العلوم مع منجزاتها، و انطلاقهم من النتائج التي توصلت إليها. لذلك كانت فعلا إبدالا جديد في التفكير و مدخلا ملائما لكل ما تحقق بعد  ظهورها على المستوى العلمي و التكنولوجي، و خاصة على مستوى الإعلاميات و كل ما يتعلق بها من علوم الإعلام و التواصل” (15)

          و كما نطالع دائما فإن السيبرنطيقا تعني نظريّة التّحكّم، و التي تدور حول إمكانيتنا في التّحكم بكل ما حولنا بأداة التحكّم. و هذا فتح علمي تكنولوجي مُعتبر، لا يمكننا أن نُغفل دوره و أثره في كافة مجالات الحياة و الأدب جزء منها. فالتّفاعل الوارد هنا يتجسّد من خلال الفضاء الذي يتحرك فيه المتلقّي، و بهذا تكون السيبرنطيقا فاتحة كوكبة اتّصالات جديدة.

          4-كما تتّفق نظريّة التلقي مع الأدب التفاعلي في كونهما يحدّدان المعنى انطلاقا ممّا يحدّده المتلقي، فبالإضافة إلى أنّه هو محور العمليّة الإبداعيّة و محرّكها، فإنه هو الذي يرسم سيرورة المعاني و لا يوجد طرف آخر يشاركه هذا الدّور –حتى المؤلّف لا دخل له في تحديد المعاني- من هنا يمكننا أن نتأكّد من ضرورة الاعتراف بدور المتلقي في المنظومة الإبداعيّة. فهو لم يعد مجرد ضيف عابر على النص بل هو سيده و حاكم دلالاته. المعنى لا يتكشّف إلا للقارئ و لا يتجسّد إلا كما شكّله في ذهنه، و لا قيمة للمعاني التي بطّنها المؤلّف نصّه و لا أهمية لمقصده في  تحديد المعنى.

          و إذا أردنا مزيدا من التّوضيح فيمكن الإشارة إلى أهمّية القراءة في هذا المقام، ” و القراءة هي حالة تفسير … لأن كل قارئ يتناول نصا من النصوص يقرأه و يقوم بتفسيره داخليا في ذهنه، أي أنه يعكس نفسه على النص، فالقراءة أيضا هي حالة بيان، أي كشف للمحجوب و إبراز لكنوز النص. و لا قيمة للكنز المحجوب، و من هنا تأتي أهمية الكشف التي هي فعالية قرائية “(16)

          فالمعنى لا يتأتّى إلا للقارئ من خلال عمليّة القراءة التي تعتمد أساسا على دور القارئ الذي يشتغل على العمل الإبداعي حتى يقبض المعنى، فليست المسألة سهلة بل هي مطاردة و متابعة جادّة يقوم بها المتلقي. و الأدب التفاعلي بدوره يربط المعنى بالمتلقي، و لا يؤمن بغيره كمانح للدلالة التي تتغير من قارئ لآخر بل تتعدّد بحسب المسار الذي اختاره المتلقّي من قراءة لأخرى. فالعمليّة هنا تعتمد على دور القارئ الذي لا يضاهيه دور، و لا يمكن أن نتّخذ مرجعا عداه لتشكيل الصّورة العامّة و المعاني المحتملة من خلال العمل الإبداعي.

          و هنا يسترعي انتباهنا المجهود القيّم الذي يبذله منظّرو التفاعلية، ذلك ” إن منظّري (النص المتفرع) و (الأدب التفاعلي) يرون، مثلهم مثل نقاد نظريات القراءة و التلقي، أن النص لا يكتمل فعليا، و لا يظهر إلى الوجود، إلا عندما يصل إلى المتلقين فيفهمه كل منهم بطريقته، و يؤول معناه بحسب ظروفه النفسية، و الاجتماعية، و الاقتصادية، و غيرها، مما من شأنه أن يؤثر في طرقة تلقي كل متلق للنص نفسه، و بالتالي فهمه و تأويله بشكل قد يختلف عن غيره “(17)

فقراءة المتلقّي للعمل الإبداعي تكون قراءة حرّة غير مقيّدة فهو يعرض احتمالات عديدة بينه و بين النصّ الذي يتناوله، و هذه المعاني التي يخرج بها المتلقّي قد تُخالف أفق توقّعات القارئ بل قد تختلف حتّى على نيّة المؤلّف التي أبدعه من أجلها، و هذا الطّرح تتّفق فيه كلّ من نظريّة التلقي و أطروحات الأدب التفاعلي.

و من المهمّ التنبيه لحقّ المتلقّي المهدور عبر سنين فـــــــــ” لقد عانى المتلقي كثيرا من سطوة القابض على (محبس) الإرسال الإعلامي، و يأمل الجميع أن تحرر تكنولوجيا المعلومات المتلقي من قبضة مرسله. فمثلما تسعى هذه التكنولوجيا إلى تحرير القارئ من قبضة مؤلفه، و المتعلم من قبضة معلمه، و مستخدم برامج الكمبيوتر من قبضة مصممه، مثلما فعل غيرها، تسعى نظم الاتصال إلى إضفاء الطابع الشخصي على عملية التلقي، بحيث يكون للمتلقي الخيار في اختيار رسالته الإعلامية “(18)

التّكنولوجيا بوّأت المتلقي مكانا ما كان ليتحقّق له خارج هذا المعطى، فنظريّة التلقي و أطروحات الأدب التفاعلي استطاعتا أن تمنحا المتلقّي حرّية أكبر في قراءة الأعمال الإبداعية. فالتكنولوجيا قوّضت المقولة التي تدّعي أن المؤلّف هو سيّد العملية الإبداعية، صحيح أنّه هو الذي ألّف نصّه لكنّه في النّهاية فقد ملكيته بمجرد إنهاء كتابته؛ و صار للمتلقّي دخل في تشكيل المعنى الذي لا يمكن أن نجد له نهاية بل يبقى من خلال هذيْن المذهبيْن حلما تطارده التّجارب القرائيّة و لا تناله. ” و بعد ان يتحرر المتلقي من هذه القبضة المتسلطة، له ان يتفاعل مع العمل الإبداعي و يستحضر ما يمكن أن يشكّل معاني حلاّقة للنص، و بذلك تتحقق التفاعلية في أسمى حالاتها و أعمقها. ” فصار مصطلح (التفاعلية) عميقا في تعبيره عن أبعاد متعددة منها؛ أثر المتلقي في إعادة إنتاج النص بما يكشف عن مدى حضوره فيه، و توجيهه بالقراءة و إعادة إبداعه بالتأويل و المساهمة بإخراجه (إنتاجه) في صور متعددة؛ ثم ((ان التفاعل عملية تواصلية تتم في المستوى الفني بين نص قادر على أن يستوعب قارئه، و قارئ قادر على ان يستوعب هذا النص “(19)

فالتّفاعلية لا تتمثّل في عملية التلقّي الأوّلية التي يلتقي فيها المتلقّي بالنصّ الأدبي التفاعلي، بل هي تلك الجولات الاستكشافيّة التي يقوم بها القارئ ليلمّ بالنص الإبداعيّ من جوانبه المختلفة؛ ليكون في النّهاية قادرا على إضافة ما يراه مناسبا على النص الأصلي. لذلك لم يهتم أعلام نظرية التلقي و لا منظّرو الأدب التفاعلي بالقراءة العابرة أو المتلقّي العادي، بل طمحوا إلى أكثر من ذلك؛ فجعلوا للقراءة مراحل مختلفة و جعلوا من القارئ خبيرا و عليما (20)

” و كثيرا ما تتردد في المراجع المتخصصة في (النص المتفرع) و (الأدب التفاعلي) و المراجع المعنية عموما بالعلاقة بين الأدب و التكنولوجيا، إشارات إلى أن ما نادت به نظرية التلقي من اهتمام بالمتلقي، و بدا غريبا و غير مقبول آنذاك، نادت به التكنولوجيا الحديثة، و جعلت المتلقي (أو المتصفح بلغة الإنترنت) سيد الموقف و مالك زمامه “(21)

و هذا ما يذهب له (جورج لاندو) و هو أحد منظّري الأدب التفاعلي، فهو يعتبر أن النص الإلكتروني استطاع أن يذلّل عدّة مفاهيم ظهرت  مع موجة ما بعد الحداثة؛ نظرا لتوفّره على خصائص لم تتوفّر في نظيره الورقي فكان بذلك مجالا خصبا لتجريب هذه المفاهيم و بلورتها.

6-من نقاط الالتقاء فكرة (الفراغات) التي اقترحها آيزر في مشروعه. و إن كانت غير ظاهرة في النصّ الورقي –ممّا أدّى الى عدم فهمها- فقد صارت واضحة بالنصّ الإلكتروني، و هذا هو الجديد الذي أضافه هذا الفضاء،” و هذه المشاركة في العملية الإبداعية هي التي تعنينا، إنها عملية ملء الفراغات التي تحدث عنها (إيزر) و غيره من نقاد نظرية التلقي. و قد قرّر أرباب (النص المتفرع) و (الأدب التفاعلي) بعدم قدرة النص على الوجود بمعزل عن المتلقي الذي يقوم بمشاركة المبدع في العملية الإبداعية، بل إن عملية ملء الفراغات، و ما يقوم به المتلقي من فعل تجاه النص، هي التي تكسب النص الأدبي طبيعته الحركية، و تجعله كائنا متغيرا و متجددا من قراءة لقراءة “(22)

7-نقطة أخرى تتمّثل في تعدّد التّأويلات و النّهايات غير الموحّدة، تجمع بين نظريّة التّلقّي و الأدب التّفاعلي. فالنصّ الأدبي صار مع الحريّة التي أُعطيت للمتلقّي ذو دلالات عديدة؛ كما أن نهايته صارت محض خيال، فكل قارئ يرسم النّهاية التي يريدها و هو تحديدا مع الأدب التّفاعلي يرسم لكل مسار يختاره ما شاء من النّهايات.

و” لقد أسهم أعلام التلقي في الحديث، نظريًا، عن ضرورة انفتاح النص الأدبي على عدد لا نهائي من التأويلات، و تكلموا كثيرا على قدرة النصوص على احتواء المعاني الكثيرة غير القابلة للعدّ و الحصر ضمن كلمات قليلة معدودة … و في خضمّ الثورة التكنولوجية، و ما تقدمه من تسهيلات لمختلف جوانب الحياة، و ما تبثه من روح في جوانبها المختلفة، يبدو أن النظرية النقدية قد وجدت بيئة مناسبة تستطيع أن ترى فيها آراءها النظرية حقيقة ماثلة أمامها “(23)

         

برغم أن أصحاب التلقّي قد دعوا إلى بعض المساهمات الفعّالة للمتلقّي إلا أنّ هنالك بعض المقولات التي لم تجد لها مجالا للتّطبيق، لأن الطّابع الورقيّ للأعمال الأدبيّة حال دون تحقيق تلك الأفكار، إلا أن النصّ الالكتروني حقّق تلك الأفكار و مكّن من تطبيقها لأنّه نصّ مرن مُنفتح على مختلف التّجريبات و متشعّب في مسار لا خطّي يسمح للمتلقّي باختيار المسلك الذي يراه مناسبا و له أن يعيد كرّة القراءة باختيار مسار آخر يفتح له دلالات جديدة؛ قد تختلف نهائيّا عن سابقتها و بذلك تصبح التّجربة القرائيّة متعة حقيقيّة للقارئ.

و قد ” أكدت سعي الورقيين ” الشاعر المستثمر الورق لحضانة نصه الإبداعي ” لحيازة الخيال الكامل، من خلال جمع الخيال المستثار بالحرف، و المستثار بالصورة، و المستثار بالسمع، لكن سعيهم ذلك شابَته كثير من العوائق التي منعت من تحقيقه، بسبب قصور إمكانات الحاضن ” الورق ” =الوسيط المحايد “(24)

يمكننا في النّهاية أن نقف على الأهمية التي تكتسحها المقولات التي جاءت بها نظرية التلقي؛ إذ استطاعت أن تُعلي من دور القارئ و تجعله مشاركا في قراءة النص الإبداعي و تحديد معانيه و هذا  بحدّ ذاته جديد استطاع أن يسير بالنظريّة النقدية مسارا جديدا و يعطيها بعض الانفتاح في قراءاتها. و قد اتّفق الأدب الرقمي في الكثير ممّا جاء به مع نظرية التلقي بل أكثر من هذا فقد استطاع أن يوضّح العديد من الأفكار التي دعا إليها أقطاب نظرية التلقي، فقد استطعنا أن نفهم جمالية “هانز روبرت ياوس”  و استدعائه للتّاريخ حين اقترح آفاق التوقعات و اندماجها و حاول شرحها، مفاجئا المتلقّي بما لم يكن متوقّعا له و هذا الذي عرّفه بالعدول أو الانزياح. كما استطعنا أن نفكّك الأفكار التي جاء بها “فولفغانغ ايزر” عندما قال بالأعراف الأدبية محاولا البحث في معنى النص، و اقترح مصطلح القارئ الضّمني معتبرا إياه محور العمليّة القرائيّة؛ هذه الأفكار لم تتّضح و لم تتجسّد في كثير من المناسبات كما تجسّدت مع النماذج التي قدّمها الأدب الرقمي، إذ اتّضح فعلا دور القارئ و استطعنا أن نتتبّع أثره الفعلي في النص من خلال النّسق الايجابي الذي يساوي بين المؤلّف و القارئ، و لا يمكننا إغفال اتفاق نظرية التلقي و الأدب الرقمي في بعض المرجعيات، فكلا التجربتين استفادت من مقولات النظرية البنيوية وما بعدها، لهذا فالمؤلف ميّت في كلا المقولتين و القارئ هو  سيّد العملية الإبداعية و محورها.

 

 

الهوامش:

(1) ميجان الرويلي، سعد البازعي: دليل الناقد الأدبي، إضاءة لأكثر من سبعين تيارا و مصطلحا نقديا، المركز الثقافي العربي الدار البيضاء المغرب، ط 3، ص 282.

(2) عمر زرفاوي: الكتابة الزرقاء، كتاب الرّافد عدد 056، دائرة الثقافة و الإعلام، حكومة الشارقة،أكتوبر 2013، ص 194

(3) ميجان الرويلي، سعد البازعي:دليل الناقد الأدبي، ص 283.

(4) سعيد يقطين: من النص إلى النص المترابط، مدخل إلى جماليات الإبداع التفاعلي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء-المغرب، ط 1، 2005. ص 217.

(5) فاطمة البريكي: مدخل إلى الأدب التفاعلي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء-المغرب، ط 1، 2006، ص 145.

(6) إياد إبراهيم فليّح الباوي، حافظ محمد عباس الشمري: الأدب التفاعلي الرقمي، الولادة و تغير الوسيط، ط 1، 2011، ص 23.

(7) إياد إبراهيم فليّح الباوي، حافظ محمد عباس الشمري: الأدب التفاعلي الرقمي، الولادة و تغير الوسيط، ص 24.

(8) نبيل علي: الثقافة العربية و عصر المعلومات، رؤية لمستقبل الخطاب الثقافي العربي، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة و الفنون و الآداب، الكويت، يناير، 2001.، ص 349.

(9) نبيل علي: الثقافة العربية و عصر المعلومات ، ص 490.

(10) نبيل علي: العرب و عصر المعلومات، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة و الفنون و الآداب، الكويت، أفريل  1994.، ص 282.

(11) نبيل علي: الثقافة العربية و عصر المعلومات، ص 554.

(12) فاطمة البريكي: مدخل إلى الأدب التفاعلي، ص 149.

(13) فاطمة البريكي: مدخل إلى الأدب التفاعلي ، ص 145.

(14) فاطمة البريكي: مدخل إلى الأدب التفاعلي ، ص 150.

(15) سعيد يقطين: من النص إلى النص المترابط، ص 91.

(16) عبد الله محمد الغذامي: الموقف من الحداثة، و مسائل أخرى، ط 2، 1412ه-1991م، ص 72.

(17) فاطمة البريكي: مدخل إلى الأدب التفاعلي، ص 151.

(18) نبيل علي: الثقافة العربية و عصر المعلومات، ص 372.

(19) رحمن غركان: القصيدة التفاعلية في الشعرية العربية، تنظير و إجراء، دار الينابيع، ط 1، 2010، ص 27.

(20) لتفاصيل أكثر في هذه النقطة يُنظر: موقع اتحاد كتّاب الإنترنت المغاربة: http://www.ueimarocains.com

(21) فاطمة البريكي: مدخل إلى الأدب التفاعلي، ص 146.

(22) فاطمة البريكي: مدخل إلى الأدب التفاعلي ، ص 155.

(23) فاطمة البريكي: مدخل إلى الأدب التفاعلي، ص 159.

(24) مشتاق عباس معن: ما لا يؤديه الحرف، نحو مشروع تفاعلي عربي،  ص 15-16.

 


أضف تعليق