• الحيوان في التفكير الأسطوري العربي / مصطفى بوخال

مقال نشر بالعدد الثالث من مجلة جيل العلوم الإنسانية والاجتماعية ص 215  ، من إعداد  الأستاذ مصطفى بوخال / كلية العلوم الانسانية والاجتماعية، جامعة تلمسان.

للاطلاع على المقال وكل العدد يرجى الضغط على غلاف العدد: 

العدد  3 من مجلة جيل العلوم الإنسانية والإجتماعية

 

 

ملخص:

   لقد شغف العرب منذ القدم بالحيوان و ضجت به أشعارهم و أمثالهم و تشبيهاتهم حتى أصبح عنصرا هاما في بنية التفكير الاسطوري العربي. فلا يتحدث العربي عن الشجاعة دون ذكر الأسد و لا يتطرق الى أساليب المكر و الخديعة بدون التفكير في الثعلب. و المخيال العربي ساهم في بناء نماذج حيوانية شكلت مادة خصبة للأمثال والحكم و الحكايات كما رفع الحيوان الى مرتبة الآلهة في العصورالغابرة .

و هذه المحاولة تتجه الى بحث العلاقة بين العقل العربي و الحيوان من خلال مساءلة اللقاءات الاولى في تاريخ البشرية حيث يتتلمذ الانسان على يد الحيوان، بالاضافة الى حضور الحيوان على متن سفينة نوح – عليه السلام- و أثره في مخيلة الانسان و وعيه ثم بداية التأريخ للانتاج الخرافي و الأسطوري العربي وذلك بمحاورة المقول العربي القديم.

الكلمات المفتاحية:

الأسطورة ، الرمز،الحيوان، المعنى، التأويل،المثل، الخرافة، الحكاية، الدلالة، التناص،المقارنة.

 

توطئة:

  استطاع الحيوان أن يشغل مخيّلة الإنسان منذ العصور الغابرة، ولعلّ أوّل محطّة تستوقفنا في مسيرة الحياة البشرية هي مشهد من مشاهد بداية الخليقة، يشاء القدر فيها أن يتتلمذ الإنسان على يد الحيوان ويفقه التعامل مع جسد فارق الحياة، وقد صورت هذه الحادثة في أجمل معانيها منبئة بهول الموقف الذي واجهه الإنسان أمام ظاهرة الموت وسلوك الغراب اتجاه هذه الظاهرة، في قوله عز وجل:”… فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه قال: يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي؟ فأصبح من النّادمين …”[1]

   ويأبى هذا المجتمع الحيوانيّ أن يغادر سفينة نوح –عليه السّلام- في حادثة الطّوفان قبل أن يترك بصماته على نفسية الإنسان وتفكيره حتّى غدا يواجه الطّبيعة وأسرارها متوسّلا بالحيوان ليفسّر ما خفي عليه من معانيها إلى درجة أنّه وهب لهذه الحيوانات في خضم مغامراته التّخيّلية الأولى أوصافا و قوى خارقة ارتقت إلى مراتب الآلهة  على مرّ العصور .

1-   العقل العربي في مرحلته الأسطورية:

   لم تنج البيئة العربيّة من الممارسات الطفولية للعقل البشري في ساحة الخيال وميدان تفسير الظواهرالطبيعية، شأنها في ذلك مثل نظيرتها اليونانية، الهندية و الفارسية، فقد عرفت أنواعا شتى من الأساطير والخرافات نال الحيوان فيها السّهم الأكبر إلاّ أنّنا نواجه صعوبات جمّة لتأكيد هذا الطّرح خاصّة أمام باحثين متعصّبين يزعمون ” أنّ العرب لم يعرفوا الأساطير، ذلك أنّهم لم يكونوا من أصحاب الملكات الخلاّقة  التّي تعتمد الخيال الواسع “[2]، مع أنّ إطلالة سريعة على جواهر الشّعر الجاهليّ تنسف هذا الموقف من أساسه، ولعلّ السّبب في هذا الموقف الشّاذّ هو عدم فهم طبيعة العقلية العربية ومقارنتها بما أبدعه اليونان والفرس  من خيالات  وقد ردّ الأستاذ أحمد أمين على هذه الشّبهة بقوله : ” أمّا ضعف الخيال فلعلّ منشأه أنّ النّاظر في شعر العرب لا يرى فيه أثرا  للشّعر القصصيّ ولا التّمثيليّ، ولا يرى الملاحم الطّويلة التّي تشيد بذكر مفاخر الأمّة كإلياذة هوميروس وشاهنامة الفردوسيّ… ونحن مع اعتقادنا قصور العرب في هذا النّوع من القول نرى أنّ هذا الضّرب أحد مظاهر الخيال، لا مظهر الخيال كلّه. فالفخر والحماسة والوصف والتّشبيه والمجاز، كلّ هذا ونحوه من مظاهر الخيال”[3].

   والمعوّق الآخر الذّي يواجهنا فيما طرحناه سابقا هو شحّ المصادر التّي تنير مغارات الخرافات وبقايا للأساطير التّي دوّنت سواء على الصّخور والألواح عن طريق النّقوش أو في بطون الصّحف و الكتب، فأمّا الأولى فترجع ندرتها في قلّة البحوث والدّراسات الأنتروبولوجية  الخاصّة بالجزيرة العربية، وأمّا الثّانية فسبب قلّتها ضياع الكثير منها ونخصّ بالذّكر كتاب “الإكليل” لمحمّد الحسن بن داوود المشهور بالهمذاني الذّي ضاعت منه ثمانية أجزاء كاملة وقد اكتشف الجزء الثّامن منه و”الذّي يصف فيه قلاع اليمن القديمة وقصورها وجانبا كبيرا من حياتها الاجتماعية  ومعتقداتها”[4] والجزء العاشر من نفس الكتاب “يتحدّث فيه الهمذاني عن قبائل اليمن مملكة سبأ وحمير التّي دان لها العالم أجمع منذ الألف الثّالثة قبل المسيح” [5] ويذكر أنّ الجزء السّابع من بين الأجزاء المفقودة يتناول  فيه الكتاب الأساطير والخوارق – الحكايات المستحيلة – لليمن الغابرة.

   وبهذا فنحن أمام فقدان حلقات كثيرة من التّراث الخرافيّ والأسطوريّ العربيّ. من أجل ذلك ولّى الباحثون وجوههم شطر الحضارتين اللّتين تماسّتا مع جزيرة العرب ونعني بهما مدنيّة الفرات ومدنيّة النيل، ولاشكّ أنّ العرب اختلطوا بهذه الشّعوب منذ غابر الأزمان كما يشير ” المؤرّخون في أنساب العرب إلى أنّ العربيّ والفينيقيّ والأشوريّ والبابليّ من أب واحد يؤيّد ذلك التّشابه في تركيب أجسادهم وعاداتهم”[6] ومن ثمّ كان اللّجوء إلى “التّفتيش عن جذور الأساطير العربيّة عند هؤلاء الشّعوب – البابليين، الأشوريين، الكنعانيين – التّي توافرت عنهم بعض النّصوص والنّقوش”[7] .

“فالجسم الأكبر من أساطيرنا وفلكلورنا أمكن العثور على قنوات منابعه الأولى عند السّومريين اللاّساميين الذّين توارثهم الأوائل من بابليين وأشوريين وسوريين وفينيقيين لبنانيين وعبريين وعرب من شبه الجزيرة من شماليين وجنوبيين”[8]

   وبهذا فنحن نغرف من معين أساطيرنا وفلكلورنا العربي مما كتبه “ورواه العلماء والكتاب والرواة من العرب وغير العرب، مثل وهب بن منبه، والآلوسي، وعبيد بن شرية الجرهمي، وكعب الأحبار، ومحمد بن إسحاق، والدميري، والأزرقي، والبلخي، والقزويني، والهمذاني، والطبري، وابن قتيبة، وابن النديم وغيرهم …”[9] ومن الكتب التي حفظت لنا تراثا هائلا  من الحكايات والخرافات: البيان والحيوان للجاحظ، والتيجان لوهب بن منبه، والإكليل للهمذاني  وحياة الحيوان الكبرى للدميري وبلوغ الإرب للأوسي و”كتاب الأيام الذي ألفه أبو عبيدة معمر بن المثنى –وهو مليء بالأساطير والحكايات الخرافية– ثم نثره في مجموعة النقائض بين جرير والفرزدق”[10].

2-   الحيوان في الأساطير العربية القديمة:

   إن المتتبع لجل الأساطير والخرافات العربية يجد أنها كانت على اتصال بالحيوانات، وهذا ليس بالغريب، إذا أمعنا النظر في طبيعة حياة العربي  الاجتماعية  في حله وترحاله وبيئته الصحراوية المفتوحة والموحشة التي جعلته يألف حيوانات فيحبها ويصفها في شعره، وأخرى يستوحش منها فيتوهم وجودها ثم يضفي عليها أوصافا وأشكالا غريبة تناثرت أخبارها في الشعر الجاهلي  والمدونات العربية المذكورة آنفا.

   ومن الأساطير العربية أسطورة الخلق القريشية نسبة إلى قبيلة قريش في مكة، فهي تقول: “إن الله خلق الأرض على حوت ، والحوت في الماء ، والماء على ظهر صفاة ، والصفاة على ظهر ملك ن والملك على صخرة والصخرة في الريح…”[11].

   والملاحظ أن العرب الأوائل استهوتهم الحيوانات الضخمة والوحشية الخارقة فانطبع ذلك في مخيلتهم وطقوسهم وانبنت على ذلك بعض معتقداتهم وأساطيرهم، ففي “خرافة قريشية متأخرة أن إبليس تغلغل إلى الحوت الذي على ظهر الأرض، فوسوس إليه، وقال: أتدري ما على ظهرك يا لوتيا من الأمم الدواب والشجر والجبال وغيرها، انك لو نفضتها أو ألقيتها عن ظهرك، لكان ذلك أريح لك”[12]  وقد نطق الحيوان بما حبلت به مخيلة العرب ومعتقداتهم حول قضايا وجودية طالما أعيت العقل البشري مثل الموت والقضاء، ويشبه ذلك “ما فسر به سليمان –عليه السلام- حديث الهدهد حين يقول: “إذا نزل القضاء عمي البصر” والنسر يقول:” يا بن آدم عش ما شئت فإنك ميت”[13]، ويتواتر ذكر الهدهد في المأثور العربي لارتباطه بحادثة بلقيس ملكة سبأ مع النبي سليمان –عليه السلام- ولقب بذلك أبو الأخبار، وزعموا “إنّ القنزعة التي على رأسه ثواب من الله تعالى ما كان من برّه لأمه لما ماتت جعل قبرها على رأسه، فهذه القنزعة عوض عن تلك الوهدة”[14] وفي ذلك يقول الشاعر أمية بن أبي الصلت:

              غيم وظلماء وغيم سحابة      أزمان كفن واستراد الهدهد

              يبقى القرار لأمة يحبها                 فبنى عليها في قفاه يمهد

              مهدا وطيئا فاستقل بحمله     في الطير يحملها ولا يتأود

              من أمه يجزى بصالح حملها    ولدا وكلف ظهره لا تفقد

              فتراه يدلح ماشيا بجنازة       فيها ما اختلف الجديد المسند[15]

   ومثل هذه الخرافة ذكرت قبل ألف عام على لسان إيزوب في مسرحيات أريسطو فانيس[16] حين قال: “لأنّ عقلك أعمى  لا يسال عن شيء لم يتعود التفكير  في إيزوب إذ يقول عن القبرة: ولدت قبل الأرض ثم مرض أبوها ومات، فقامت بكل الفروض الممكنة لإرقاد جثته ،ولكنها لم تستطع أن تقدّم له قبرا في أي مكان، لأنّ الأرض لم تكن قد وجدت حتى ذلك الوقت، وأخيرا ساقتها الحاجة الملحة عندما جاء اليوم الخامس إلى أن تدفن أباها في رأسها، فيا لها من مخلوقة مسكينة …”[17].

   ويرجع الباحث الأستاذ داود سلوم هذا التشابه بين أرسطو فانيس وأمية بن أبي الصلت والجاحظ إلى أصل عراقي قديم استقى منه كل منهم والعجيب إن البيت الأول من نصّ أميّة بن أبي الصّلت يحيل إلى عوالم أسطورية تذكرنا بالنصوص اليونانية التي تحكي بدايات الوجود الأولى وهو يتوحد معها ليمنح الهدهد رمزية إيجابية لا نجدها في المأثور الشعبي الفرنسي حيث “يرمز للطائر الأبله في القرون الوسطى و العبارة الفرنسية “طائر الهدهد OISEAU D’ HUPPE” كانت في القرن الخامس عشر تعني “غر DUPE” حيث كانت كلمة عامية قبل أن تدخل في اللغة الدّارجة.”[18]

   والنسر ككل طائر هو رمز الإعلاء الروحي وهو مثل “العقاب موقع سكناه عال جدا ويطير في الأعالي ويحلق بسمو، وفي العديد من مناطق العالم …، يعتبر العقاب طائر الرعد، وعقاب “زيوس[19] ZEUS” هو الرعد الشافي”[20]، وتحكي أسطورة يونانية “أنّ غيمز الساقي ابن طرطوس ملك طروادة ، كان بديع الجمال فخرج يوما للقنص على جبل  فنزل زيوس –رب الأرباب – بهيئة نسر فاختطفه إلى السماء ، فأقام في أولمب واتخذه زيوس ساقيا له ، ولهذا سمي الدلو ” [21] و في نفس هذه الأجواء يحلق التفكير الأسطوري العربي ليحكي لنا “أن ” الغميصاء ” كانت هي و”سهيل ” و”الشعرى” في مجرة واحدة ، فانحدر سهيل و الشعرى وعبر المجرة إلى اليمن، وبقيت الغميصاء وحيدة تبكي حزنا على فقدها سهيل –التي كانت تعشقه– حتى غمصت عيناها وكذا تبدو دائما في السماء أسيفة موجعة “[22]

   وتنزل هذه الأسطورة من مستوى النجوم وأعالي الجبال إلى مضرب الأمثال حين يقال: “قد يقع بين الأخوين من الخلصاء ما وقع بين الشعريين العبور و الغميصاء …”[23] ومثل ما حدث لغيمز السّاقي اليونانيّ، تشير المصادر الأسطورية العربية أنّ الزّهرة كانت امرأة حسناء فصعدت إلى السماء  ومسخت كوكبا”[24]، وتدل الأبحاث الحديثة التي عرضت للفكر المبكر للإنسان أنّ مدى التّشابه في عمليات العقل البشري –هنا وهناك– إنما يظهر في مثل هذه الرمزية الأسطورية التي عرضناها [25]، فحينما يتعالى النسر إلى أعالي الجبال ويتوحد بزيوس كبير آلهة الإغريق في الأسطورة اليونانية، تتوحد رمزية النسر مع الدهر في الأسطورة العربية والتي كان بطلها الحكيم لقمان بن عاد الذي سبق ذكره في مدخل هذا البحث بوصفه مؤلف خرافات –fabuliste-  وقد وردت ” قصته في كتاب التيجان لوهب بن منبه بتفصيل مثير، حيث يدعو لقمان ربه أن يهبه طول العمر بقوله :

       اللّهم يا ربّ البحار الخضر          والأرض ذات النبت بعد قطر                       

                    أسألك عمرا فوق عمر”[26]

   واستجاب الله لدعائه إذ سمع يوما هاتفا يناديه “أن قد أعطيت ما سألت، ولا سبيل إلى الخلود فاختر إن شئت سبعة بقرات من ظبيات عفر، في جبل وعر، لا يمسها قطر، وإن شئت بقاء سبعة أنسر، كلما هلك نسر أعقبه نسر. فكان اختياره بقاء النسور”[27] وكان سابع النسور يدعى “لبد”  وفسر راوي هذه القصة “لبد” بمعنى الدهر، بل أن لقمان نفسه عرف “لبد” بالأبد ،ومازال هذا المعنى متواتر إلى الآن على شفاه سكان المناطق الريفية من الغرب الجزائري تحت لفظ “لبدة” بمعنى “دائما”. ” فحين وافت المنية ذلك النسر السابع، وسقط مشرفا على الموت، ولم يطق أن ينهض، وتفسخ ريشه، هال لقمان  هولا عظيما، ووقع موته منه موقعا جسيما، وناداه :انهض لبد أنت الأبد” [28].

وتزداد أحوال الحيوانات وأوضاعها وثاقة بتفكير ومعتقدات العرب قديما، فطائفة منهم تزعم أن النفس طائر ينبسط في جسم الإنسان “فإذا مات أو قتل لم يزل مطيفا به متصورا له صورة طائر يصدح على قبره، فإن كان قتل ولم يؤخذ بثأره، نادت الهامة على قبره: اسقوني فإني صدية، وفي هذا قال شاعر جاهلي:

 يا عمرو إلا تذر شتمي و منقصتي    أضربك حتى تقول الهامة اسقوني”[29]

3-    الغول والسعلاة وإبداعات أخرى للمخيلة العربية:

   ومن تصوّراتهم التي ملأت أشعارهم وأخبارهم، الجن والهواتف والغول والسّعلاة، والباحث عبد المعيد خان يقرر أن الجن والغول وأشباه ذلك ما هي إلا صنف من الحيوان في تصور العرب القدماء ويعزز هذا الرأي صاحب معجم الحيوان الذي يرجع كل هذه المخلوقات العجيبة التي سلبت عقول العرب إلى قرود حين يقول:

” للقرود في أساطير العرب شأن كبير ، فكانوا يروون عنها الرّوايات الغريبة وعدّوها من الجنّ أو المتشيطنة وما الغول والسّعلاة، والقطرب والبعيم إلاّ قرودا..” [30]

   وارتبطت الغول في التفكير العربي القديم بالتغول أي التلون والتغير مما يؤدي إلى الخوف والتوهم لذلك يذهب الجاحظ إلى أنه “اسم لكل شيء من الجن يعرض للسفار، ويتلون في ضروب الصور والثياب ، ذكرا كان أو أنثى”[31]وفي هذا يقول كعب بن زهير :

     فما تدوم على وصل تكون به       كما تلون في أثوابها الغول

والغول مصدر الشر والفناء كما قال شاعر مجهول :

لا بأس بالبيت إلا ما صنعت به       تبني وتهدمه هدما لك الغول [32]                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                    

   ” وعامة الأعراب يزعمون أن الله تعالى  قد ملك الشياطين والعمار أن يتحولوا في أي صورة شاءوا، إلا الغول فإنها تتحول في جميع صورة المرأة ولباسها إلا رجليها فلابد أن يكونا رجلي حمار”وفي هذا المعنى يقول شاعر مجهول:

   وحفر العنز في ساق مدملجة     وجفن عين خلاف الإنس في الطول[33]

   ولهذا التصور نظير في البيئة الأسطورية اليونانية تحت ما يسمى “بالمينوطور[34] “MINOTAURE” ذلك الحيوان الخرافي الذي نصفه الأسفل نصف عجل  ونصفه الأعلى نصف رجل .

   وقد فرقت الأساطير و الخرافات العربية بين الغول و السعلاة على نحو ما قال الشاعر :

وساخرة مني ولو أن عينيها

رأت ما رأت عيني من الهول جنت

أبيت بسعلاة  وغول بقفرة

إذا الليل وارى اللحن فيه أرنت [35]

فكان ممّا زعموا أن ” السعلاة نوع من المتشيطنة  مغايرة للغول وأكثر ما تكون السعلاة في الغياض وهي إذا ظفرت بإنسان ترقصه وتلعب به كما يلعب القط  بالفأر ” [36].

   وأعجب ما أبدع العقل الأسطوريّ العربيّ ما توارثته الأخبار و المدونات العربية عن الشق و النسناس ، فكان ممّا زعموا “أن الحيوان النّاطق ثلاثة أجناس : ناس وبنتاس ونسناس ، وقالوا وجوههم على نصف وجوه النّاس”[37]، و الشّقّ من المتشيطنة صورته نصف آدمي يظهر للإنسان في الأسفار فيفزعه ورّبما يقتله كما هو مشهور في الأشعار  والمرويات أنّ علقمة بن صفوان[38] نازل شقّا منازلة شديدة بعد أن خاطبه الشّقّ قائلا :

    “علقم إنّي مقتول           وإنّ لحمي مأكول

    أضربهم بالمسلول         ضرب غلام مشمول

                  رحب الذّراع بهلول

فردّ عليه صفوان بقوله :

     يا شقّ ها ما لي و لك             اغمد عنّي منصلك

                          تقتل من لا يقتلك

فضرب كلّ واحد منهما صاحبه ، فخرّا ميّتين.”[39]

   و من جانب آخر يرد ذكر الشق في ” كتاب التاريخ الطبيعي لبلنيوس الروماني وسماه MONOCOLUS” من لفظين يونانيين معناهما شق أي من” MONO” واحد و “COLUS” عضو”[40] وسمى بلنيوس النسناس” SATYRUS”أي السطر، و نلحظ جليا تناصّ هذه الأوصاف مع جاء في حيوان الجاحظ أو غيره ممن دون إبداعات المخيلة العربية القديمة.

   إنّ منتهى القول في الغول والسّعلاة والجنّ أنّها من حيوان بحسب التّفكير الخرافيّ العربيّ ، لذلك “نرى الباحثين عن معنى الجنّ عند العرب أدخلوه في نوع من الحيوان متأثّرين بفكرة البادية وقالوا: إنّ الغول حيوان شاذّ”[41].

   وقد شغف العرب القدامى بظاهرة المسخ حتى قيل: إن بعضهم لا يأكل الضب معتقدين أنه شخصا مسخ، كما روى أن أحد الخلفاء رفض أن يأكل ضبا قدم له والضب محلل أكله ،” وقال : لا أدري لعله من القرون التي مسخت …”[42] والظاهر أن فكرة المسخ كانت منتشرة في جزيرة العرب ويؤيد هذا ما يرويه المقريزي من مشهد خرافي يليق بالأجواء الأسطورية اليونانية  حين يتحدّث عن قوم في بوادي حضر موت ” يقال لهم ” الصيعر ” يسكنون القفر في أودية ، وفرقة منهم تنقلب ذئابا ضارية أيام القحط، وإذا أراد أن يخرج أحدهم من مسالخ الذئب إلى هيئة الإنسان وصورته  تمرغ بالأرض وإذا به يرجع بشرا سويا ” [43].

   وهكذا غدت مثل هذه الأخبار والاعتقادات مواد لحكايات وقصص امتازت بالمتعة والجمالية على نحو ما نلفيه في مشاهد ألف ليلة وليلة من خلال حكاية “التّاجر  والعفريت” [44] في الليلة الأولى من كتاب الليالي.

4-الطوتمية في المخيال العربي القديم:

 اكتسب الحيوان عند العرب القدامى  قداسة  جعلت بعض الباحثين يؤمنون بوجود ” الطوتمية” [45] في وجهتها الدينية وفي بعض مظاهرها على الأقل وهي:

-القبيلة تتسمى باسم الحيوان .

-القبيلة تتخذ حيوانا أبا لها وتعتقد أنها سلالة منه .

   ومن المشهور أن العرب كانت تتسمى بأسماء  الحيوانات سواء الأشخاص أو القبائل، و قريش أشهر قبائل العرب بمعنى ” الحوت ” ويقال أن “طوتمها الحوت” [46] ومن القبائل :بنو أسد، بنو ضب، بنو فهد، بنو كلب ،بنو حداء، بنو نعامة وغيرهم كثير، وفي تأويل هذه الأسماء رأيين على حد قول الباحث  عبد المعيد خان، الأول أن هذه الأسماء هي ألقاب لأشخاص تاريخية معروفة، ” مثال ذلك أن بني كلب اتخذوا لقبهم عن شخص تاريخي معلوم  وهو كلب بن وبرة بن ثعلبة جد قضاعة “[47]. والرأي الثاني مفاده أن لهذه الأسماء معاني دينية لها علاقة بعبادة الحيوانات، وفي دلالة هذه الأسماء فإنهم كانوا يسمون الأولاد باسم الحيوان ظنا منهم أنه يحفظهم  من أعين الإنس و الجن ، وهذا ما يسمونه ” بالنقير ” فقد قيل لأعرابي ” لم تسمون أبناءكم بشر الأسماء نحو كلب وذئب ، وعبيدكم أحسنها نحو مرزوق  ورباح ؟ فقال :إنما نسمي أبنائنا لأعدائنا ، وعبيدنا لأنفسنا ” [48].

   وتأكيد للرأي الثاني فإن بعض قبائل العرب تسمت بأسماء آلهة كبني هلال وشمس وبدر و الحيوانات التي تسمى بها البعض الآخر هي في الأصل كانت معبودة عندهم.

   يروي الجاحظ حادثة  تشير إلى الاعتقاد بالعلاقة بأب حيواني كما هو معروف في الطوتمية حين يقول : ” قلت مرة لعبيد الكلابي وقد أظهر من حبّ الإبل والشّغف  بها ما دعاني إلى أن قلت :أبينها وبينكم قرابة ؟ قال نعم، خؤولة، إني والله ما أعني  البخاتي ولكنّي أعني العراب التي هي أعرب. قلت له : مسخك الله  تعالى بعيرا ، قال: الله لا يمسخ الإنسان على صورة كريم، وإنما يمسخه على صورة لئيم …” [49] هذا و يزداد  تضخم الاعتقاد الأسطوريّ العربيّ بالقول بوجود نسب مع الجنّ الذي وصفوه  وصفا حيوانيا فقالوا عن بلقيس ملكة سبأ أنها من نسل الجن،  كما أن حروبا طويلة دامية وقعت بين قبائل الجنّ وقبائل الإنس من العرب، “منها حروب بني سهم الذين كانوا قد قتلوا ابن امرأة من الجن، عقب حجه و طوافه بالبيت فوقعت الوقيعة ، وقتل الجن من بني سهم خلقا كثيرين، وكان أن نهضت بني سهم وحلفاؤها ومواليها وعبيدها، وركبوا رؤوس الجبال وشعابها ، فما تركوا حية ولا عقربا ولا خنفساء ولا هامة  تدب على الأرض، إلا قتلوها …” [50] وقيل أن الجن ضجت بما حدث فطلبت وساطة قريش وانتهى النزاع .

الخاتمة:

   بعد هذه الجولة في فضاء المخيال العربي، نلاحظ حضورالحيوان بقوة في التفكير الأسطوري العربي، تشهد بذلك جل أشعار العرب وأمثالهم وحكاياتهم، كما أن هذا الارث الأسطوري الحيواني انتقل من العصر الجاهلي إلى العصور الاسلامية التالية، اذ ساهم في اثراء الرمزية الحيوانية للمخيلة العربية وأغنى أدب الحيوان في المراحل التي أعقبت عصر البداوة العربية الأولى.

   وبما أن المخيال العربي تربى وتطور في بيئة مفتوحة، فكان من الطبيعي أن يكون التراث الأسطوري والخرافي العربي قد تشكل نتيجة تداخل البيئة العربية مع بيئات أخرى مثل اليونانية، الفارسية والهندية. ونحن نلحظ ذلك جليا في بعض الأمثال والحكايات والاعتقادات التي نلفيها تتناص في أكثر من صعيد مع نظيراتها في البيئات الأخرى، مثل ظاهرة الشق في الأسطورة العربية وMonocolus في الميتولوجيا اليونانية.

   إن ضخامة المنتج الفولكلوري والأسطوري الذي خلفه العقل العربي والذي دون في الأشعار والأمثال والحكايات ورسم على الصخور وفي المغارات يؤكد على حيوية العقل وسعة الخيال العربي، كما يوحي أن العربي عاش مرحلته الأسطورية الخاصة به والتي تتميز عن الأجواء الأسطورية اليونانية أو الخرافات الهندية. كما أن الحيوانات التي تربت في حظيرة التداول في الأداب الشعبية عبر الأمثال والحكايات قد أعطت صبغة الأصالة للأسطورة العربية رغم مشاركتها في بناء أساطير وخرافات عالمية بفعل التأثير والتأثر، ويمكننا أن نقرأ ذلك بوضوح في حكايات ألف ليلة وليلة التي تعد نص أسطوري عالمي بامتياز تتواجد فيه البصمة الخرافية العربية وهي ضاربة في جذور التفكيرالأسطوري العربي القديم.

 

قائمة المراجع:

1-    أحمد أمين،فجر الإسلام، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان ، 1969م.

2-    أحمد كمال زكي،الأساطير- دراسة حضارية مقارنة – ، دار العودة، بيروت ، لبنان ، 1979.

3-    أمين معلوف،معجم الحيوان، دار الرائد العربي، بيروت ، لبنان ، بدون تاريخ .

4-    ألف ليلة وليلة،دار الفكر، بيروت ، لبنان  ، بدون تاريخ.

5-    الجاحظ،الحيوان، دار الجيل، بيروت ، لبنان، 1968م.

6-    داوود سلوم،الأدب المقارن في الدراسات التطبيقية المقارنة، مؤسسة المختار، القاهرة ،2003.

7-    الزمخشري جارالله،  أساس البلاغة، دار الفكر، بيروت ، لبنان ، 2004م.

8-    شوقي عبد الحكيم،الفلكلور والأساطير العربية، دار ابن خلدون، بيروت ، لبنان، 1983.

9-    طلال حرب،أولية النص – نظرات في النقد والقصة والأسطورة والأدب الشعبي – ، المؤسسة الجامعية للدراسات، بيروت ، لبنان ، 1999م.

10-    عبد المالك مرتاض،الميتولوجيا عند العرب، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر1989م.

11-         عبد المعيد خان،الأساطير العربية قبل الإسلام، مطبعة لجنة التأليف والترجمة، القاهرة، 1938م.

12-         فيليب سرينج،الرموزفي الفن، الأديان والحياة، دار دمشق ، سوريا ، 1992م، ت/عبد الهادي عباس.

 

 



[1] – سورة المائدة، الآية 31.

[2] – أحمد كمال زكي: الأساطير – دراسة حضارية مقارنة، دار العودة، بيروت، (1979)، ط 02، ص 78.

[3] – أحمد أمين: فجر الإسلام، دار الكتاب العربيّ، بيروت، لبنان ،(1969)، ط 10، ص 36.

[4] – شوقي عبد الحكيم: الفلكلور و الأساطير العربية، دار ابن خلدون، بيروت 1983، ط 02، ص 22.

[5] – نفسه، ص 22.

[6] – عبد المعيد خان:الأساطير العربية قبل الإسلام، مطبعة لجنة التّأليف و التّرجمة، القاهرة، 1938، ص 15.

[7] – طلال حرب: أوّلية النّصّ- نظرات في النّقد و القصّة و الأسطورة و الأدب الشّعبيّ، المؤسّسة الجامعيّة للنّشر و التّوزيع،ط1، بيروت ، لبنان، (1999) ص 111.

[8] – شوقي عبد الحكيم، المرجع السابق، ص 12.

[9] – نفسه، ص 22.

[10] – أحمد كمال زكي، المرجع السابق، ص 76.

[11] – شوقي عبد الحكيم، المرجع السابق، ص 144.

[12] – نفسه، 144.

[13] – نفسه، ص 111.

[14] – الجاحظ، الحيوان، دار صعب، بيروت لبنان، بدون تاريخ، مج 01/ج 03، ص 594.

[15] – نفسه، ص 594.

[16] – أريسطوفانيس- أو أريسطوفان: شاعر يونانيّ (445-386) ق.م لمع اسمه في الشعر المسرحيّ حيث اتّخذه سلاحا رهيبا في النّقد السّياسيّ و الاجتماعيّ. ( ينظر جبّور عبد النّور: المعجم الأدبيّ، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، (1984) )  ط 02، ص 620.

[17] – داوود سلوم، الأدب المقارن في الدّراسات المقارنة التّطبيقية، مؤسسة المختار، القاهرة ،(2003م)، ط1، ص85.

[18] – فيليب سرينج: الرّموز في الفنّ والأديان والحياة، ترجمة عبد الهادي عبّاس، دار دمشق، سورية، 1992، ط 01، ص 202.

[19] – زيوس- ZEUS – كبير الآلهة في الأولمب، و إله السّماء في الأسطورة اليونانية  ( Myriam Philibert: Dictionnaire des  Mythologies, Ed maxi livre, France 2002, P 280 )                                                                     

[20] – فيليب سرينج، المرجع السابق، ص 177.

[21] – عبد المعيد خان، المرجع السابق، ص 12.

[22] – أحمد كمال زكي، المرجع السابق، ص 49.

[23] – الزمخشري جار الله، أساس البلاغة، دار الفكر، بيروت ، لبنان، ( 2004م)، ص 466.

[24] – أبو زيد البلخيّ: البدء و التّاريخ، مج 3/ ص 14، عن عبد المعيد خان، المرجع السّابق، ص 13

[25] – ينظر: أحمد كمال زكي، المرجع السابق، ص 50.

[26] – ينظر عبد المالك مرتاض: الميثولوجيا عند العرب، المؤسّسة الوطنية للكتاب، الجزائر 1989، ص 53.

[27] – نفسه، ص 53.

[28] – شوقي عبد الحكيم، المرجع السابق، ص114.

[29] – عبد المعيد خان، المرجع السابق، ص 46.

[30] – أمين معلوف: معجم الحيوان، دار الرّائد العربيّ، بدون ت/ط، بيروت ، لبنان، ص 13.

[31] – عبد المالك مرتاض، المرجع السابق، ص 23.

[32] – الجاحظ، المرجع السابق، مج 02/ ج 06، ص 455.

[33] – عبد المالك مرتاض، المرجع السابق، ص 130.

[34] – المينوطور: حيوان خرافيّ ولد نتيجة لقاء الجميلة باسيفاي مع عجل عشقته، و هي زوجة مينوس – Minos – ابن كبير الآلهة زيوس. ( ينظر: Dictionnaire de Mythologie ، مرجع سابق، ص 187 ).

[35] – أحمد كمال زكي، المرجع السابق، ص 87.

[36] – أمين معلوف، المرجع السابق، ص 15.

[37] – شوقي عبد الحكيم، المرجع السابق، ص 145.

[38] – هو علقمة بن صفوان بن أميّة بن حرب الكنتنيّ جدّ مروان بن الحكم في الجاهلية ( ينظر قصّة مقتله في:الجاحظ، الحيوان، المرجع السّابق، مج 2/ ج 06، ص 458).

[39] – الجاحظ، المرجع السابق، مج 02/ج 06 ، ص 459.

[40] – أمين معلوف، المرجع السابق، ص16.

[41] – عبد المعيد خان، المرجع السابق، ص73.

[42] – شوقي عبد الحكيم، المرجع السابق، ص128.

[43] – عبد المعيد خان، المرجع السابق، ص50.

[44] – ألف ليلة و ليلة، دار الفكر، بيروت، لبنان، بدون تاريخ، ج 01، ص09.

[45] – الطوتم كلمة يراد بها كائنات تحترمها و تقدّسها بعض القبائل المتوحّشة، و قد يكون الطّوتم حيوانا أو نباتا. ( ينظر: عبد المعيد خان، الأساطير العربية، ص 55 ).

[46] – شوقي عبد الحكيم، المرجع السابق، ص144.

[47] – ينظر، عبد المعيد خان، المرجع السابق،  ص67.

[48] – نفسه، ص 69.

[49] – عبد المعيد خان، المرجع السابق، ص07.

[50] – شوقي عبد الحكيم، المرجع السابق، ص142.

 

 


أضف تعليق